المسيحيون العرب شركاءٌ في الأرض وأصيلون في الوطن

single


تزدان أرضنا العربية بسكانها العرب، المسلمين والمسيحيين، الذين شكلوا نسيجها القشيب لمئاتٍ من السنوات التي خلت، ورسموا بألوانهم لوحتها الرائعة، وزينوا بثقافاتهم المختلفة سيرتها العطرة، وعمروا الأرض الطيبة بسواعدهم الفتية وقلوبهم النقية لسنواتٍ طويلة، وعمرٍ مديدٍ قد مضى وهم يبنونها ويعلون أسوارها، ويرفعون شأنها، ويرسمون بألوانٍ زاهيةٍ اسمها، وكانوا فيها إخوةً وجيرانًا، وأهلًا وأحبابًا، وأصدقاءً وزملاءً، وشركاءً ورفاقًا، يحبون بعضهم، ويأنسون بأنفسهم، ويدافعون عن وطنهم، ويغارون على شعبهم، ويضحون في سبيل قضيتهم، ويقدمون أغلى ما عندهم في سبيل أوطانهم، إذ لا فرق بينهم ولا تمييز في حقوقهم، فهم جميعًا عربٌ أقحاحٌ، يتحدثون لغة الضاد، ويشربون من معين العربية الخالد، وتشرق عليهم شمسها الساطعة.
متضامنون متحابون، وجيرانٌ متعاونون، وأبناء ديانتين مختلفتين متفاهمون، وأصحاب ثقافتين عريقتين متكاملون، يناصرون بعضهم، ويساندون أنفسهم، ولا يقتتلون فيما بينهم، ولا يتمايزون في أشكالهم، ولا يعرفون من لكناتهم، ولا تفرق بينهم سحناتهم، فهم سمرٌ معًا وبيض الوجوه أيضًا، ولونٌ حنطيٌ تلوحه الشمس هما فيه شركاء، اللهم إلا من أسماء تبدو أحيانًا دالةً عليهم، ومعرفةً بدينهم، وتكون لبعضهم دون غيرهم، وبدونها قد لا يعرفون أو يميزون، لأنهم معًا أبناء هذه الأرض، وسكان هذه الأوطان، ينتسبون إليها، ويفتخرون بالانتماء إليها، والعيش فيها، والتضحية من أجلها، والسعي في أفجاجها، والعمل في مرافقها.
اليوم يراد بالمسيحيين العرب شر، وتتآمر عليهم قوى ظلامية سوءًا وضررًا، وتضيق عليهم الأرض العربية التي احتضنتهم بما رحبت، وآوتهم في جنباتها بما وسعت، وكانت عليهم حنونة وبهم شفوقة بما استطاعت، ويصعب عليهم العيش فيها وهي التي أرضعتهم من حليبها، وشب عودهم من خيراتها، وتشكلت ثقافتهم من مفرداتها، يهددونهم ليهربوا، ويضيقون عليهم ليرحلوا، ويعتدون عليهم ليشكوا ويلجأوا، وأحيانًا يقتلون ويعتقلون، ويختطفون ويسامون العذاب، وتساق نساؤهم كالسبايا، وهن الحرائر السيدات، والأخوات الفضليات، والنساء الكريمات، والشريكات المخلصات، والوطنيات الصادقات.
ليس هناك من مبررٍ لما يلاقيه الإخوة المسيحيون العرب في أوطانهم، فهم يستهدفون عن عمد، ويضيق عليهم بقصد، ويساء إليهم أكثر من غيرهم، ويعتدى عليهم بأشد مما يلقاه إخوانهم، الذين يشتركون معهم في المعاناة والقهر، ويلقون أحيانًا ذات المصير، ويتقاسمون العاقبة البائسة معًا، ولا يوجد تفسيرٌ لما يجري لهم على أرضنا سوى أن الذين يقومون بهذه الأعمال إنما هم جهلة وأغبياء، أو أنهم مأجورون ودخلاء، ومتعصبون وغرباء، ولا ينتمون إلى هذه الأرض حضارةً وتاريخًا، فلا يدرون ما يفعلون، ولا يعرفون عاقبة ما يرتكبون، ولا يدركون أنهم بأفعالهم إنما يرتكبون جرائم نكراء، لا يرضى عنها الإسلام، ولا يقرها الشرع الحنيف، ولا يقبل بها المسلمون الصادقون، ولا يقرها نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي وفر الأمن المسيحيين وجاورهم، وهم الذين بشروا به ومنهم من صدقه.
ربما الضيق الأشد اليوم على المسيحيين العرب هو في العراق عمومًا، وفي مدينة الموصل على وجه الخصوص، كونهم أكثر المسيحيين العرب تعرضًا للاضطهاد والطرد، والقتل والخطف والسبي وحتى الاسترقاق والاستعباد. كذلك ما لاقاه الأزيديون لا نقبل به ولا نجيزه، ولا نسكت عليه ولا نرضى به، بل نشعر بالخزي منه، ونتبرأ منه وممن ارتكبه وقام به. وما يتعرض له المسيحيون العرب من اضطهادٍ لهو أمرٌ مدانٌ ومشبوه، وهو لا يخدم قضايانا، ولا ينفع أمتنا، ولا يليق بنا، بل يضر بسمعتنا، ويلحق الضرر بقضيتنا، وهو ليس من قيمنا ولا من أخلاقنا، ولا يتوافق مع شريعتنا وديننا.
فهل يدرك العابثون بالنسيج العربي أنهم يفسدون هذه الروح الحضارية العظيمة التي كانت وسادت، وأنهم يخلقون بممارساتهم الغريبة عداواتٍ مقيتةً، وكراهيةً وعنصريةً مرفوضة، ويشيعون أجواءً من الضيق والحرمان والاضطهاد، ما كان لها أن تكون لولا الظلم الذي أوقعوه بأيديهم على المسيحيين، فهم يجرونهم بالقوة إلى مربّع الأعداء، ويصنعون منهم خصومًا، ويعززون عندهم مفاهيم الغربة وعدم الانتماء، وهم يعلمون أن لهم في هذه الأرض حقًا يساوي حقهم، ويضاهي ما لهم، وهو حقٌ مقدس، وملكٌ موروث، وحرمةٌ لا تدنس.
أم أن القائمين على هذه الفتنة، والمروجين لهذه المفسدة، يريدون أن يبرروا للغرب المستعمر أن يعود، وأن يتدخل في بلادنا العربية بحجة حماية المسيحيين المضطهدين، فهذا فعلٌ يؤدي إلى هذه النتيجة، ولا حسن نيةٍ فيه، ولا سلامة قصدٍ تبرئه، ومن يرد أو يخطط لعودة الجيوش الاستعمارية إلى بلادنا العربية، تحت أي حجةٍ أو ذريعة، إنما هو خائنٌ للأوطان، ومندسٌ بين شعوبها، وغير غيورٍ على قضاياها، ولا تعنيه حريتها واستقلالها، وسيادتها وكرامتها.
إن الأصل أن نكرم شركاءنا في الأرض والوطن، وأن نكون لهم سندًا وعونًا، وأن ننصرهم ونناصرهم، وأن نحميهم وندافع عنهم، وأن نساعدهم ونمد يد العون إليهم، وأن تكون حرماتهم مصونة، وبيوتهم مصونة، ومقدساتهم محمية، وبيوتهم محروسة، وحياتهم مأمونة، ومستقبلهم في الوطن مكفولٌ ومضمون، فنحن أقوياء بتوافقنا، ومميزون بتعايشنا، ومبدعون بتكاملنا، ومغبوطون بتعاوننا، والعرب المسلمون والمسيحيون يتباهون بتنوعهم، ويتفاخرون بتعدد ثقافاتهم، ويتكاملون بعمق أصالتهم، فلا يضام المسيحيون بيننا، ولا يسامون على أيدينا، ولا يهانون بين ظهرانينا، ولا يعتدى عليهم وهم منا وبيننا.
قديمًا هاجر المسيحيون العرب وارتحلوا، وتركوا أوطانهم وهاجروا، وناءت بهم المسافات عن الأوطان، وفصلتهم عن البلاد الأصيلة بحورٌ ومحيطات، لكنهم بقُوا في مهاجرهم عربًا، بلسانهم العربي المبين، وفكرهم العربي الأصيل، وثقافتهم الموروثة الممزوجة بتراب الوطن وعبق الأرض، فكانوا في غربتهم النائية كتابًا عربًا، وشعراء بلغاء، ومبدعين كبارًا، ومؤرخين صادقين، ومؤلفين متنوعين، كانت الحروف العربية أداتهم، ولغة الضاد وسيلتهم، وعيونهم ترنو إلى أوطانهم، وتتطلع إلى صالح أهلهم، وما يهم شعوبهم، فهل نحفظهم بيننا، ونكون لمن بقي منهم أهلًا وحاضنة، وسندًا ويدًا رؤومًا حانية، وظلًا ممدودًا حاميًا، لعل الباقين يثبتون، والمهاجرين إلى الأوطان يعودون.



(بيروت)

قد يهمّكم أيضا..
featured

جنوب سوريا جزء من وطنه!

featured

مجابهة العنف

featured

نيران اسرائيلية-تركية صديقة!

featured

الأحياء جسديًّا والأموات ضميريًّا

featured

صِراع الجَبابرَة

featured

كل عام ومدارسنا تصبح مصدرًا للثقافة الحقيقية

featured

نحو دورة ناجحة للمجلس الوطني الفلسطيني

featured

أم طه التي غابت عنا .. نصف قرن من عضوية الحزب والعطاء