دخلتُ غرفتي في المدرسة الحزبية في مدينة صوفيا في آب 1978 وباشرتُ بترتيب ملابسي وحاجاتي وكتبي وأوراقي لأني سوف أقيم شهراً مشاركاً في دورة لدراسة الماركسيّة، وفيما أنا منهمك بذلك رنّ جهاز الهاتف الأسود الذي ما انتبهتُ لوجوده من قبل حيث كان يرقد على طاولة خشبية بسيطة، فرفعتُ السماعة، وفوجئت عندما سمعتُ مُهاتفي يلفظ اسمي الثلاثيّ وبلهجة عربيّة فلسطينيّة، فازدادت دقات قلبي وكدتُ أقول: ولو... حتى هنا! ولكن المفاجأة الجميلة حدثت عندما عرّفني بنفسه.
كان ذلك صوت الشاعر الفلسطينيّ البارز عز الدين المناصرة الذي رحّب بي وطلب مني أن أرتب حاجاتي بسرعة وأن أغادر غرفتي إلى بوابة المدرسة. (ومن هناك خُذ تاكسي من المحطة وقُل له: إخْلِدينْلِك، يعني البرّاد أي الثلاجة وهو اسم محطة مترو معروفة في صوفيا، وسوف تجدني هناك في انتظارك!).
كان عز الدين المناصرة يومئذ يعدّ أطروحة الدكتوراة في الأدب المقارن في جامعة صوفيا وكنتُ قد قرأتُ له مجموعاته الشعرية الجميلة: "يا عنب الخليل" و "الخروج من البحر الميت" و "قمر جرش كان حزيناً" و "بالأخضر كفّناه" وقصيدته الجميلة جداً "جفرا".
ترجلتُ من سيارة الأجرة في محطة إخْلِدينْلِكْ فوجدتُ المكان اسماً على مسمى ووقفتُ على الرصيف دقائق قليلة حسبتها طويلة أراقب عشرات المسافرين الذين كانوا يترجلون من المترو دفعة وراء دفعة، وأنا أبحث عن عز الدين الذي لا أعرفه ولم أره من قبل، وحينما هاتفني لم أساله ماذا يلبس ولم يسألني ماذا أرتدي، فلا علامة ولا إشارة، فكيف سأعرفه أو يعرفني؟ وخطر لي أن أقف على نشز من الأرض وأنادي بصوت عالٍ: "هيه يا عز الدين! وينكْ خَيّا!؟" ولماذا لا أفعل ذلك والبلاد التي لا يعرفك أحد فيها أزعق واصرخ فيها (مع الاعتذار لتحريف المثل الشعبيّ). وفيما أنا محتار جداً شاهدتُ رجلاً أسمر، متوسط القامة، نحيف الجسم، يداعب النسيم شعر رأسه الأسود، ويرتدي جاكيتاً أسمر في شهر آب ويتجه مسرعاً نحوي مبتسماً فأدركتُ أنه عز الدين المناصرة، الشاعر الكبير الذي صدر له بعد سنوات عدة مجموعات شعرية هامة منها: "كنعانياذا" و "رعويات كنعانية" و "لا أثق بطائر الوقواق" وهو الناقد والباحث صاحب الدراسات النقدية الهامة في الأدب المقارن، والكاتب الذي جمع وحقق الأعمال الكاملة للشاعر الفلسطينيّ الشهيد عبد الرحيم محمود.
تعانقنا وتبادلنا القبلات ثم حدّق بي وسألني: محمد؟! فأجبته سائلاً: عز الدين؟!
ركبنا معاً سيارة أجرة أوصلتنا، كما طلب، إلى بحيرة بان شيريفو الخلابة التي تبعد كيلومترات قليلة عن العاصمة وجلسنا في مطعم فوق مياه البحيرة اسمه "زالطنا ريبا" وزالط في اللغة البلغارية معناه الذهب وريبا معناها السمكة أي مطعم السمكة الذهبية.
سألني عن الوطن الذي لم يره منذ خرج من بلدته بني نعيم في أواخر الستينات، عن حيفا وعكا والزيب، وحدثني عن نشاطاته في صوفيا وعن لقائه مع الكاتب المؤرخ والمفكر الفلسطينيّ د.إميل توما وعن صديقه عبد العزيز راكح أبو لحية (هكذا كان يسميه) ابن قرية اكسال الذي يدرس الطب في بلغاريا.
كان لقاءً ممتعاً امتد عدة ساعات، تحدثنا فيه كثيراً في الأدب والشعر، عن البياتي والسيّاب والجواهري، وعن نزار قباني وأدونيس، وعن مجلة الآداب ومجلة الطريق ومجلة شعر ومجلة فلسطين الثورة ومجلة الهدف... وعن بيروت. وفيما نحن نتحدث ونأكل السمك الشهيّ ونشرب ما لذّ من الشراب البلغاريّ لاحظتُ أنّ رجلين أسمرين يجلسان حول طاولة قريبة منّا ويصغيان باهتمام لحديثنا.
قلتُ متوجّساً: هذان الرجلان، كما يظهر، يراقباننا. ضحك وقال: أنت في بلغاريا وفي زالطنا ريبا، في بلد آمن. وبعد دقائق نهض أحد الرجلين وسار نحونا وقال: معذرة. حديثكما في الأدب أمتعني وأثار اهتمامي، وهذه الأسماء التي ذكرتموها أعرفها وبعضهم أصدقائي، أنا فلان الفلاني (معذرة فقد نسيتُ اسمه) محرر جريدة في الطريق العراقية. فمن أنتما؟
