حادث اختطاف المستوطنين الثلاثة، قبل أكثر من أسبوعين في منطقة الخليل في الضفة الغربية، وضمن مناطق السيطرة الإسرائيلية، ما هي بنظري الا رواية مختلقة ومفبركة تدور أحداثها على الأرض الفلسطينية، وعلى مساحة كل شبر وشارع وبيت. أبطال الرواية دائما هم جنود النخبة في الجيش الإسرائيلي الأذرع الأمنية الضاربة من أجهزة المخابرات والشاباك وغيرها. إخراج الرواية من خيال وعباقرة حكومة اليمين وكاتب السيناريو مطبخ الكابينت لحكومة نتنياهو العدو اللدود للسلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني عامة.
تثار الشكوك حول صحة رواية الاختطاف، والجهة التي تقف وراءها وطبيعة توقيتها في فترة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية وترسيخ أسس الوحدة الوطنية لمواجهة حكومة نتنياهو، وليس من المستبعد ان تكون عملية الاختطاف إذا تأكد ذلك مجرد حادث فردي عرضي قامت به مجموعة مأجورة من قبل سلطات الاحتلال وحكومة نتنياهو التي تبحث عن مبررات لفشلها السياسي والأمني والمسار التفاوضي.
*أهداف العدوان المباشر*
أولا، تحاول حكومة نتنياهو في مرحلة ما بعد فشل المفاوضات مع الطرف الفلسطيني، ان ترمي بثقلها في تحميل السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس مسؤولية الفشل، وبالتالي إظهار الجانب الفلسطيني على انه غير مستعد ولا يوجد شريك حقيقي للمضي قدمًا في صنع السلام، والبحث عن بديل لأبو مازن، نفس السيناريو حدث مع الرئيس الشهيد ياسر عرفات، فإسرائيل تبحث عن زعيم فلسطيني يقبل بالفتات الإسرائيلي وسلطة عبارة عن دُمى لخدمة المشروع الصهيوني.
ثانيًا، يستهدف العدوان الهمجي على الضفة الغربية والمناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية إلى إعادة سيناريو التهديد بإعادة الاحتلال على كل المناطق وبسط السيطرة الاحتلالية الإسرائيلية على الضفة الغربية، والذي جرى مجددًا يدخل في باب سيناريو الإشادة في احتلال المدن الكبيرة وإعطاء دروس وتحميل الفشل للسلطة الفلسطينية واتهامها "بدعم الإرهاب".
ثالثًا، لقد خطط حكام إسرائيل جيدًا لسيناريو الاختطاف، وليس صدفة انها تمت في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. مما يعني ان العملية برمتها مشكوك فيها وهي قد تكون من تخطيط وتدبير وإنتاج إسرائيلي، أما التنفيذ من الممكن ان يكون بأيدي جهات مجرمة مأجورة ومتعاونة مع الاحتلال، فمن اجل إيجاد المبرر للاتهام السياسي وشن العدوان الهمجي على الشعب الفلسطيني في فترة ما بعد تحقيق حلم الوحدة.
رابعًا، أصبح العدوان مبيَّتا لان الاختطاف فعل فاعل مدبر. فحكام إسرائيل وحكومة نتنياهو بالذات، وضعت هدفا أمامها، وتسعى بكل الطرق اللاشرعية إلى تحقيقه ألا وهو تفسيخ وضرب الوحدة الفلسطينية. ولهذا رأت وطبلت وهدرت وزمجرت واتهمت بصورة مباشرة، من ان قيام الوحدة الفلسطينية الداخلية على الأسس الوطنية بما يخدم وينسجم مع أهداف وطموحات الشعب الفلسطيني بالتحرر والاستقلال، هو ضربة في الصميم لمشاريع إسرائيل التوسعية الاحتلالية، ولهذا سعت وتسعى بكل قوة لنسف هذه الوحدة والقضاء على الحكومة الجديدة برئاسة رامي الحمد الله، مما يعني ضرب التقارب والتفاهم بين حركتي حماس وفتح، والاستمرار أمام الرأي العام العالمي والإسرائيلي، في دمغ حركة حماس بالإرهاب فكرًا وممارسة، في الوقت الذي اخذ حكام إسرائيل فيه بوضع محمود عباس بين خيارين اما المفاوضات على طريقتهم وبشروطهم أو الاختيار بالتحالف مع "الإرهاب الفلسطيني" من وجهة نظرهم.
خامسًا، تسعى إسرائيل من وراء عدوانها الجديد/القديم إلى تقويض أسس الحكم الفلسطيني المنقوص وغير الثابت، من خلال التلويح باستخدام القوة وإعادة احتلال كامل الضفة الغربية وقطاع غزة، في مرحلة ما بعد فشل المفاوضات ودب الخوف والرعب في صفوف الشعب الفلسطيني، وكأن "الإرهاب الفلسطيني" اخذ شكلا آخر بعد قيام الوحدة وتشكيل الحكومة الفلسطينية، ولإثبات ذلك هو تصعيد العنف والإرهاب الذي أوصل إلى عملية "الاختطاف التي تقف وراءها حركة حماس المدعومة من فتح والسلطة الفلسطينية حسب زعم الاحتلال.
*الأهداف غير المباشَرة*
أولا، جر الطرف الفلسطيني للجلوس مرة أخرى، حول طاولة المفاوضات، على انه ما كان قائما قبل العدوان من تفاهمات أصبحت في الوضع الجديد تعتبر ملغاة، وان تنفيذ المرحلة الأخيرة من إطلاق سراح الأسرى هو ملغى لان كل العملية برمتها أوجدت معارضة داخل حكومة اليمين لكن يوجد إجماع قومي وبرلماني وشعبي على شن العدوان من اجل القضاء على الإرهاب.
ولهذا فان عملية التفاوض وإجراء مفاوضات مباشرة هي العلاج لمشاكل كلا الطرفين، وان خروج الطرف الفلسطيني في مرحلة ما بعد العدوان، يشكل النقطة الأصعب والأكثر ضعفًا على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني والمعيشي. ويستطيع الطرف الإسرائيلي أو الشريك القوي ان يفرض شروطه على الأرض نحو تسوية مذلة وأكثر إذلالا في الانتقاص من الحق الفلسطيني.
ثانيًا، يرمي العدوان الإسرائيلي الأخير، إلى تدمير رؤية الرأي العام العالمي والأوروبي والأمريكي بشكل خاص للحل في الشرق الأوسط، وهو قيام دولة فلسطينية على حدود 67 والذي تقبل به إسرائيل كشعار وتمضية للوقت وتغطية لسياستها العدوانية على الأرض وليس للتنفيذ، وان استمرار السياسة الاستيطانية وبناء المزيد منذ بداية العام الحالي، يؤكد ان حكومة نتنياهو تلاطف وتجامل المجتمع الدولي للتهرب من القرارات الدولية أو الالتفاف عليها وعلى استحقاقات السلام العادل.
ثالثًا، يشكل استمرار الحرب والتآمر على سوريا والعراق، والتجاذب الحزبي والسياسي في لبنان في عدم القدرة على انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، والوضع الداخلي بين أنظمة الردة والعمالة في بعض دول الخليج كالسعودية وقطر بالذات، تشكل هذه الظروف والمتغيرات في عدم الاستقرار السياسي والأمني في دول المنطقة والجوار، فرصة ذهبية أمام حكام إسرائيل، ان ينفردوا وحدهم بالتنسيق مع حلفائهم من الأمريكيين والأوروبيين في تقرير مصير الحل ومستقبل المنطقة والشرق الأوسط في زمن الحل بالقوة من خلال البطش بالشعب الفلسطيني من خلال تركيعه للقبول بالحل الاستسلامي والتخلي عن طموحاته بالحرية والاستقلال والتحرر.
رابعًا، يهدف السلوك الإسرائيلي العدواني الأخير على الشعب الفلسطيني، إلى تقوية الروح والعنجهية الصهيونية، التي تغذيها وتقويها حكومة اليمين بهدف المحافظة على استمرار الائتلاف الحكومي بقيادة نتنياهو والليكود ولقطع الطريق أمام أي حلول من شأنها التفريط "بأرض إسرائيل" أو تفكيك المستوطنات أو تقسيم القدس، أو الانسحاب من كافة المناطق المحتلة. في الوقت الذي يجري الحديث من خلال تصريحات لكبار المسؤولين سواء السياسيين والعسكريين بشأن إمكانية إعادة احتلال قطاع غزة وكل مناطق الضفة الغربية وإسقاط حكومة السلطة الوطنية والقضاء على "إرهاب حماس وحزب الله وغيرهما".
ان تنمية الروح اليهودية والقيم الصهيونية على التربية بتقديس القوة وإنكار حق الآخرين والتركيز على حق اليهود في العيش والاستيطان في كل مكان من ارض "إسرائيل التاريخية" هي قيم شوفينية استعلائية عنصرية تغذيها للأسف أسوأ حكومات إسرائيل سمعة وتعطشًا للحرب والرقص على الدماء. هي حكومة نتنياهو الليكودية بالتحالف مع حزب ليبرمان الفاشي المتطرف والبيت اليهودي ولبيد الذي انحرف نحو الهاوية بعيدًا عن قاعدته الانتخابية السياسية والاقتصادية.
فسواء كانت قضية الاختفاء أو الاختطاف للمستوطنين الثلاثة، أو شن العدوان على الشعب الفلسطيني، فكل ذلك لن ينقذ حكومة نتنياهو من أزمتها السياسية ولا يمكن إنقاذ تطلعاتها الخارجية نحو مستقبل أفضل، ان ما جرى سيعمق أزمة الصراع بين الطرفين ولن تعود الأمور إلى نقطة البداية.
(كويكات/أبوسنان)
