الجنرال وأخلاق الفرسان والنبلاء..!

single

ربما اجد الاعذار لمن لا يولي اهتمامًا بالفراغ الرئاسي المستفحل في لبنان منذ عامين تقريبًا، باعتباره شيئًا صغيرًا امام الاحداث الملتهبة في اكثر من بلد عربي، لان الحدث الاكبر هو الذي تواكبه وسائل الاعلام على اختلافها. وقد يكون غض الطرف عن ملف الرئاسة اللبنانية مفهومًا للوهلة الاولى، لكن في القراءة المتعمقة والصحيحة لهذا الملف فانه اصبح جزءا لا يتجزأ من ملفات الاقليم الكبرى، وهو مرتبط بها ارتباطًا وثيقًا. ولولا مقاربة هذا الملف الملفات الاخرى لما وضعت المملكة العربية السعودية "فيتو" على المرشح الاوفر حظًّا الجنرال ميشال عون، حيث طلبت من ادواتها في لبنان، تيار المستقبل وباقي جماعة 14 آذار، ان يمنعوا وصول الجنرال الى قصر بعبدا، في خطوة كيدية لتحالفه مع مجموعة 8 آذار، وخصوصًا مع حزب الله حليف سوريا الابرز في لبنان.
 ولا يهم السعودية ان يبقى لبنان بدون رئيس للجمهورية لسنوات. وامتثل اولياء نعمة السعودية في هذا البلد لاوامر السيد، الذي يدفع لهم ويغدق عليهم  مئات الملايين من البترو دولار، كما يفعل في اكثر من بلد عربي لشراء الذمم لتسيير السياسة الداخلية في هذه البلدان لصالحه، وعلى هواه. هكذا فعل السعودي مع الهاشمي في العراق وكثير من "زعماء" اهل السنَّة في هذا البلد المنكوب. ونفس الشيء يفعله في اليمن مع عبد ربه منصور هادي، وحكومته التي لا تجرؤ على الخروج من قصر المعاشيق في عدن، التي احتلها العدوان السعودي لان سيارات القاعدة المفخخة تتفجر امام هذا القصر، وتتعرض للضرب بالصواريخ بين الفترة والاخرى. ولبنان كما يبدو تنظر اليه السعودية على انه مزرعة لها، حيث وجدت لها كثيرًا من المرتزقة. وان كان سعد الحريري ابرزهم، الا انه ليس وحيدًا، فسمير جعجع يقبض من السعودية، وكذلك "البيك" وليد حنبلاط، وبقايا حزب الكتائب، اضافة الى الجماعات السلفية والتكفيرية المنتشرة في لبنان. لكن هنالك شرفاء في لبنان لم يغرهم المال السعودي يومًا، ولا اي مال آخر، وبقي قرارهم الحر المستقل ملك ايديهم. والتيار الوطني الحر، وزعيمه الجنرال ميشال عون، هو المثال الابرز لهؤلاء الشرفاء والوطنيين. وقد رأينا وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، المنتمي للتيار الوطني الحر، يتخذ وحده موقفًا مغايرًا لمواقف باقي الانظمة العربية في اجتماع وزراء الخارجية العرب الاخير، حيث اصطف الجميع مع السعودية ضد ايران. وكان صوت لبنان الصوت العربي الوحيد، الذي لم ينجر الى معاداة ايران، رغم مسايرة العراق للموقف الرسمي العربي. وموقف جبران باسيل يثبت اصالة هذا الصوت العربي الخارج من لبنان، رغم تهديد السعودية ووعيدها.
 ومثل هذه المواقف الشجاعة لا يتخذها اشباه الرجال، وانما اولئك المخلصون الصادقون، وجبران باسيل اضاف بمواقفه هذه مصداقية للتيار الوطني الحر وزعيمه ميشال عون، ليس على مستوى السياسة اللبنانية وانما على مستوى السياسة العربية عمومًا، بعد ان ملّ سماع الصوت الشجاع والصادق. وكما نعلم فإن الجنرال عون، وتياره السياسي، لم يكن في يوم من الايام معاديا للسعودية ولا لأي بلد عربي آخر. وكل ذنبه انه لم يقبل ان يكون تابعًا لاحد، او إمَّعة لهذا النظام او ذاك. فالجنرال كان في الماضي اكثر المتضررين من سوريا، وهو الذي ضربه الطيران الحربي السوري في قصر بعبدا، في تشرين الأول 1991، مما دفعه للجوء الى السفارة الفرنسية، ومن ثم الى باريس، ليظل فيها حتى العام 2005، حيث عاد الى لبنان بعد رحيل القوات السورية من هذا البلد.
مع ذلك، فإن الجنرال عون بعد عودته الى لبنان لم يكن أسير الماضي، ولم تتحكم به اية احقاد تجاه سوريا، ولم يتفوه باية كلمة ضد دمشق او رئيسها ولم يحمِّل دمشق اخطاء ارتكبها بعض المسؤولين السوريين او اجهزة الامن السورية التي عملت في لبنان. فكثير من الاخطاء والممارسات السورية قام بها من كان مسؤولًا عن ملف لبنان في ذلك الوقت، عبد الحليم خدام نائب الرئيس وقتها، الذي خان بلده بعد فراره الى فرنسا. ويتحمل بعض هذه المسؤولية غازي كنعان الذي ادار الملف الامني في ذلك الوقت. وإنصافًا للجنرال، فإن الكثيرين من الكتاب والصحافيين العرب هاجموا الرجل وشنّوا حملات ضارية ضده، لتشويه سمعته تأثرًا بدعاية هؤلاء المسؤولين السوريين الفاسدين والفاشلين. لكن دمشق غيرت موقفها من الجنرال بعد ان اتضحت لها كل الملابسات، واحترمت رأيه ومواقفه، فليست هناك عداوات دائمة في السياسة، والواقعية هي التي تحكم السياسي الناجح وصاحب الرؤية الثاقبة، والجنرال عون كإبن للمؤسسة العسكرية اللبنانية ظل وفيًّا لها، وهي بلا شك مؤسسة وطنية لبنانية. وكقائد سابق للجيش اللبناني فإنه امتاز برؤية استراتيجية عميقة، اهّلته لاتخاذ المواقف الصحيحة. ولانه درس جيدًا تاريخ العسكرية الفرنسية، فقد تأثّر بالجنرال الفرنسي ديغول، وقد علم بانه يؤدي دور ديغول لبنان. وبخلاف كل الزعماء السياسين اللبنانيين، الذين مارسوا السياسة من منطلق طائفي اقطاعي وكانت عائلاتهم "العريقة" هي مصدر قوتهم وليس اي شيء آخر، الا ان الجنرال عون، وان كان مسيحيًّا، حيث ان المحاصصة الطائفية اللبنانية  وحسب الدستور اللبناني تظل رئاسة الجمهورية  حكرًا على المسيحيين اللبنانيين، والجنرال وتياره الوطني الحر لا يرغب في تجاوز الدستور اللبناني، مع انه اقام حزبًا لبنانيًا عابرا للطوائف والاديان، ويريد دولة مدنية ديمقراطية علمانية، ويطمح بان يتم اختيار الرئيس اللبناني من قبل كافة اللبنانيين، وبالطريقة النسبية المتعارف عليها في النظم الديمقراطية. وهو ارقى طرح حتى الآن في لبنان من اجل بناء الدولة القوية، دولة القانون والمؤسسات. وهذا الطرح الراقي لا يروق لكثير من "الزعماء" الذين ورثوا الزعامة عن آبائهم واجدادهم. ولانهم يتمسكون بالاقطاعية السياسية فإنهم يخالفون رأي الجنرال، ويرفضون سن قانون انتخابي جديد، لان موازين القوى ستتغير وعندها سيعرف كل "زعيم" حجمه الطبيعي.
ولأن الجنرال صاحب قيم ومبادئ يطرحها على الساحة اللبنانية، فإن زعانف الزعامة، وبوحي من اسيادها، لا تريد لهذا الرجل القوي الواضح ان يكون رئيسًا للجمهورية. وليس فقط لانه متفاهم مع حزب الله، او لانه وجد القاسم المشترك مع دمشق، فالاسباب سياسية واجتماعية وحضارية وانسانية. ومع كل ذلك، فإن الجنرال عون يظل اقوى المرشحين واكثرهم صدقية، لا سيما بعد ان غيّر سمير جعجع وقواته اللبنانية، وهو فريق مؤثر في الساحة المسيحية، من رأيه. وهذا الفريق اصبح داعمًا لترشيح عون للرئاسة، وقد تكون هناك اسباب كثيرة لهذا التوجه الجديد من القوات اللبنانية. لكن كما يبدو فإن القشة التي قصمت ظهر الجمل هي "خيانة" طفل السعودية المدلل سعد الحريري، لسمير جعجع الذي كان في الماضي مرشحًا لمجموعة 14 آذار للرئاسة. فقد اجتمع الحريري من وراء ظهر جعجع مع النائب سليمان فرنجية عارضًا عليه فكرة ان يكون هو، وليس الجنرال عون، مرشحًا للرئاسة، وان السعودية تدعم هذا الترشيح. ربما اراد الحريري ان يحدث بلبلة او فتنة داخل مجموعة 8 آذار بهذا الترشيح، لكن سمير جعجع رد الصاع صاعين لسعد الحريري، واعلن في مؤتمر صحفي مشترك مع الجنرال عون انه يرشحه للرئاسة. قد يكون تصرف جعجع للانتقام من الحريري، وقد يكون قد توصل الى نتائج اخرى، لكن المهم ان هذا الرجل، الجنرال ميشال عون، اصبح المرشح الرئاسي الذي لا تستطيع الدول المؤثرة في لبنان ان تتغاضى عنه، لانه يفرض نفسه وبقوة على الساحة اللبنانية. وهو جدير بأن يكون رئيسًا للبنان لأنه صاحب المواقف التي لا تتبدل ولا تتغير، وانما تحكمه أخلاق الفرسان والنبلاء. وهي صفة للجنرال، سواء اتفقت معه ام اختلفت، لانها حقيقة بارزة..!     
قد يهمّكم أيضا..
featured

سوريا وسيادة العقل

featured

المناضلة طرب عبد الهادي

featured

ائتلاف يميني لمصالح ضيّقة

featured

شريعة المافيا والاجرام المنظم!

featured

اقرأ طه تقرأ صفورية

featured

دعوة لدحر الارهاب

featured

عين سخنين والبئر الامريكية

featured

ديماغوغية الإعلام الإسرائيلي الرسمي