الذي لا يشعر بالاختناق والضغط وضيق الخلق والاكتئاب والإصرار على الوقوف أمام أول واجهة زجاجية تبيع دواء الهروب من جلده العربي، لعله يجد بالدواء منفذا من جنون الأخبار والظروف السياسية التي تحيط به هو بشر في قائمة البشرية، الا انه في الواقع يلبس جلد التماسيح ويطلق عليه لقب "متمسح"، أو يحاول العيش خارج الكرة الأرضية، لكن هل هناك مجال "للتمسحة " هذه الأيام؟! هذا هو السؤال الذي يقفز أمامنا كشعب عربي يعاني الآن من أسوأ الفترات التاريخية والإنسانية، وأقذر المؤامرات التي نقوم بها على بعضنا البعض. فقد تحولنا إلى قبائل متواطئة وعشائر تنسحب إلى داخل خيامها، لتنسج تعاونها مع الأعداء وذئاب وثعالب بصور ملوك ورؤساء ورجال دين، وسكاكين وطعنات ودم يراق تحت مسميات وعناوين وشعارات تجاوزت عصور الظلمات، وأسواق من اللحوم البشرية الطازجة تنشر يوميا على الفضائيات. والفضائية الأفضل من تقدم أسواقها أكثر الأجساد قتلا وبشاعة وتشويها وتأثيرا على المشاهدين، وأرقامها المرمية في الشوارع وفي الأزقة وتحت الردم تتضخم كلما ضحك السيد الأمريكي أو الإسرائيلي..!
هناك من يحاول فتح ثغرة في جدار الأمل عنوة، فلا يجد إلا الحطام والدمار، من العراق وليبيا والجزائر والمغرب وسوريا ولبنان ومصر. والحادث الخطير في منطقة رفح زاد من اشتعال الفتنة بين الفلسطينيين والمصريين، كأن الشعب الفلسطيني ينقصه هذا الهم المخجل، مع العلم أن رائحة الحادث تظهر مجددا أن العربة الفلسطينية لم تعد تسير بين المنزلقات فقط، بل تهوي بسرعة إلى الأسفل. ولا نعلم ماذا ينتظر القضية والشعب الفلسطيني في هذا الجنون المتلاطم بين الدول العربية. حتى مجال الرياضة والتفوق الجسدي الموازي لتألق وسمو الإنسان، فشلنا كعرب في اقتحامه فشلا مهينا ومذلا وساخرا، مقارنة مع الأموال والنفط والبذخ الفاجر. فها هي الألعاب الأولمبية وغيرها من مواسم الألعاب الرياضية العالمية تحشرنا كل موسم في ملاعب العجز والتهميش والوجود الفارغ، حيث نكون في المباريات كالأيتام على موائد اللئام، فتات من الميداليات اليتيمة نحصل عليها، وشعوب العالم تنجح وتصفق وتحتفل بفوز الأبطال بينما نحن نصلي ليل نهار كي يفوز احد الشباب العرب بميدالية برونزية أو فضية، وأحلامنا لا تقترب من الميدالية الذهبية لأنها معجزة المعجزات، وحكامنا العرب يعرفون جيدا أنهم لم يقدموا لهذه الأجيال شيئا كي تتألق وتبدع وتفوز.
في هذه الأجواء لا أحب أن أسير مع الأغلبية التي تحمل أغنية ليلى مراد: "اضحك كركر أوعى تفكر أوعى تفكر" شعارا لها، ليس لأن الضحك من غير سبب قلة أدب، بل لأن العالم ضحك علينا حتى الشبع ويشرب نخب هزائمنا اليومية حتى الثمالة، ولا نريد أن ندغدغه أكثر. وفي الوقت الذي تصر أنظمتنا العربية عامة، والخليجية والسعودية خاصة على رفع الأقدام الأمريكية والإسرائيلية لدغدغة باطن أقدامهم، كي يضحكوا على مآسينا وتعثرنا ووقوعنا على أرصفة الديمقراطية الوهمية، نحن نختبئ وراء المسلسلات والأفلام وتلوين الفضاء ببقايا ألوان الفخر الكاذب. وفي هذه العواصف الدموية وتسونامي القتل بالمجان التي لم تتوقف حتى في شهر رمضان احتراما للشهر الفضيل، ومن الكم الهائل من المسلسلات التي تعرض كي يسقط المشاهد في غيبوبة الملاحقة لينسى زمنه ووضعه الإنساني المتدني، يخرج "ناجي عطا الله" بطلا من نوع جديد، عن قصة "يوسف معاطي" وهو كاتب مصري يكتب بأسلوب ساخر لكن فيه انتقاد للواقع. ومن أشهر روايته "السفارة في العمارة"، التي تتحدث عن التطبيع بين مصر وإسرائيل وجشع اليهود وخططهم الجهنمية في الإستيلاء على كل شيء، حيث يكشف الفيلم الطمع الإسرائيلي في مصر من خلال السلوكيات الأخطبوطية لرجال السفارة الإسرائيلية.
ناجي عطاالله- عادل إمام - ضابط سابق لكن يعمل ملحقا إداريا في السفارة المصرية في تل أبيب. يقرر أن يسرق بنك لئومي في تل أبيب، بعد أن رفضت إدارة البنك إعطاءه أمواله قبل مغادرته إلى مصر. وفعلا يضع خطة لسرقة البنك برفقة الشباب الذين اختارهم من بين فرقته التي كانت في الجيش. وتدور الأحداث حول عملية السرقة والصعوبات التي يواجهونها في أثناء تهريب الأموال. وقد تعرض المسلسل للكثير من الانتقاد ومقص الرقيب، ومن بين هذه الانتقادات الفكرة الساذجة، فمن يستطيع سرقة بنك في إسرائيل. ومنهم من أعلن أن هذا الخيال الواسع لعب دورا لدرجة الضحك، والرقابة المصرية طلبت إزالة صور مبارك – صوّرت بعض أحداث المسلسل قبل خلع مبارك. أما الرقابة السعودية والتي تمثلت بفضائية "ام بي سي"، فقد منعت أي إشادة بحزب الله، واستطاعت أن تقص كل حوار فيه إشارة فخر لحزب الله.
أبواب النقد مفتوحة على الجهات الأربع، من الناحية الفنية والتصويرية والإخراجية- إخراج رامي أمام، ابن عادل إمام- وأداء الممثلين،حتى على بطولة عادل إمام الممثل، الذي يصر على البقاء في صورة الرجل الجذاب أو "دون جوان"، رغم بلوغه أكثر من سبعين عاما، والبطل الذي يتحدى ويصنع المعجزات والمواقف الطريفة ويخرج منها قويا منتصرا.
في كل هذه الخلطة الدرامية، المسلسل فيه شيء جديد على المشاهد العربي، فالحوار يظهر الكره لإسرائيل ومعرفة كيفية تفكير الشخصية اليهودية بشكل يختلف عن المسلسلات او الأفلام التي تدور حول هذا الموضوع. وأيضا دخول حزب الله على الخط الدرامي كعنصر من عناصر القوة والقدرة والتفكير في الآخرين، على غرار الإفراج عن الأسرى مقابل خطف الجنود الإسرائيليين، ثم احترام وتقديس المقاوم والمقاومة وقد رأينا هذا واضحا في التعامل والتعاضد ومحاولة انقاذ المجموعة، ثم الوفاء وتقديم المساعدة لمن يساهم في تعزيز المقاومة، طبعا هناك من استخف بالسرقة واعتبرها جزءا من السذاجة، ولكن نسأل لماذا إذًا نصدق الأفلام القادمة من الغرب، وعلى رأسها أفلام هوليوود، التي ترفع الأبطال إلى الكواكب، وفي الحروب هم الأقوياء، وحتى أمام الحيوانات العملاقة هم المسيطرون؟! ولماذا نصمت حين يصور العربي كذابا ومخادعا وخائنا وسارقا ومحبا للنساء والجواري، عدا عن الصفات السيئة الأخرى، لكن حين نحاول زعزعة الصورة الإسرائيلية نستخف ونقول ونحن نضحك: "هذا خيال سخيف"..؟! دعونا نفرح لانتصار "ناجي عطاالله"، فنحن بحاجة لملعقة فرح بين وجبات المرارة وعلقم التواطؤ وفاكهة التنازل. سئمنا الواقع المهزوم المأزوم، وبحاجة إلى خيال. وما يضر إذا أبرزنا اننا أقوى من إسرائيل وعقولنا تستطيع هزيمتهم وسرقتهم..؟!
قرأت أن احد "الساسة" المصريين ادعى أن مسلسل "ناجي عطاالله" سبب من أسباب أحداث رفح الأخيرة، فهو الذي شجع الرجال على اقتحام الدبابات والتوجه لمعبر كرم أبي سالم..!
في المسلسل تجري عملية الإفراج عن الأسرى بين حزب الله وإسرائيل، رأينا دموع الأسرى حين كان اللقاء مع الأهالي، وهناك إجماع ان سلاح الخطف هو الطريق الوحيد المؤدي الى الإفراج عن السجناء السياسيين، وفي الواقع تموت أم احد السجناء الفلسطينيين المحكومين 12 عاما - والدة الأسير حمد اصليح - وهي في طريقها إليه للزيارة. تموت في الباص قبل أن ترى ابنها. مؤكد أنها كانت تنتظر صفقة حتى يفرج عن ابنها مثل باقي الأمهات، أليس هذا خيالا واقعيا..؟! وأخيرا فان "فرقة ناجي عطا الله" مسلسل أكد لنا أن الفن العربي يجب أن ينزل إلى ميدان الواقع السياسي، لأن عالم السياسة والسياسيين أفظع من الخيال..!!
