كل من قال "أنا ضد أميركا وإسرائيل" يكتسب سلطة يصبح النيل منها أو نقدها خروجًا على الصف الوطني أو نومًا في معسكر الأعداء، حتى لو كان القائل مجرّد منشئ لشعارات
أن ترى، على شاشة التلفزيون، رجلاً رشحته الأخبار قبل قليل لـموت محقق. وأن يأتي خبر الـموت في سياق حدث من نوع مغامرة "أسطول الحرية" في الطريق إلى غزة، وما أحاط بها، وما تلاها، وألا يكذّب الحضور الفيزيائي للرجل على الشاشة خبر الـموت وحسب، بل ويمكّن صاحب الشأن من إطلاق تصريحات يكرر فيها الـمضي في طلب الشهادة، حتى وإن لـم يدركها هذه الـمرّة، فهذا ما لا يحدث كل يوم. وهذه الأشياء مجتمعة مشحونة بدلالات درامية متصاعدة.
بمعنى آخر، وكما يعرف العالـمون بالأدب والفنون البصرية، فإن ما يقوله الـمعني من كلام لا يستمد سلطته من مضمونه وحسب، بل ومن الدلالات الدرامية للحدث أيضًا. وهذه من شأنها إضفاء سلطة على الكلام، ربما تفوق مضمونه في الأهمية والنفوذ، خاصة في زمن الصورة والفضائيات.
[اختلطت كل هذه الـمشاعر والأفكار في ذهني وأنا أشاهد الشيخ رائد صلاح خطيبًا في مهرجان أقيم في أم الفحم، احتفالاً بعودته سالـمًا، بعد إطلاق سراحه من السجن، الذي اقتيد إليه بعد اختطافه إلى جانب آخرين في عرض البحر، ورواج شائعات حول مقتله، وحول ما قد يحدثه أمر كهذا من ردود فعل غاضبة من جانب الفلسطينيين في إسرائيل.
وأعترف بأنني نظرت واستمعت إلى كلام الشيخ صلاح بقدر كبير من الاحترام والإعجاب. فهو، وإن استخدم الفصحى، يكرر الاتكاء على العامية بطريقة عفوية، فالثانية تزيح الأولى كلـما اصطدمت فكرة ما بقيافة ولطافة وبرودة الفصحى، وإذ تجتمع العامية بما يسم الـملبس من تقشّف، وما ينم عن السلوك من بساطة، يقول الناظر في نفسه: هذا رجل من بلادي، وهذا ما يسمّى في الأدبيات السياسية "الخارج من رحم الأرض".
بيد أن الإعجاب والاحترام ليسا كل ما يخامر الناظر إلى الـمشهد الحماسي على شاشة التلفزيون من مشاعر وأفكار. فكل ما جاء في الفقرات السابقة بشأن اللغة، وبساطة الـمظهر، والسلوك، وسلطة الكلام والتصعيد الدرامي، ومهابة الحدث، يحرّض على ما هو أكثر وأبعد. فما هو الأكثر والأبعد؟
الأكثر والأبعد أن الشيخ صلاح قال كلامًا إنشائيًا عامًا، لا تعوزه الحماسة، والنية الصادقة، أو الإرادة الصلبة، لكنه مع ذلك يظل نوعًا من الإنشاء العام. وهنا يسأل السائل: وهل يحتاج الإنسان في مناسبة كهذه، وبعد حدث كهذا، إلى ما هو أكثر من الإنشاء، وأبعد من رفع الروح الـمعنوية، وتحريض الجماهير؟
الجواب: للأسف، نعم. لـماذا؟
لأن كل من اعتلى منبرًا في العالـم العربي يعتقد بأن دوره الرئيس يتمثل في الإنشاء، ورفع الروح الـمعنوية، وتحريض الجماهير. الإنشاء من الفنون الـمجرّبة لصنع الزعامات من أعلى إلى أسفل. وصنع الزعامات، بالـمناسبة، من أعلى إلى أسفل لا يتم بطريقة مغايرة، لذلك ثمة ما لا يُحصى من أشكال التنافس على فن الإنشاء بين نخب سائدة وأخرى صاعدة، بين حكومات ومعارضة.
وقد طال عهد العرب بهذا النوع من الإنشاء، حكومات ومُعارضة، إلى حد أن الخلط ما بين السياسة والدعاية والإنشاء لـم يعد موضوعًا للتمييز أو النقد، وإلى حد أن الكفاءة الفكرية والسياسية لهذا الـمتكلّم في الشأن العام أو ذاك، لـم تعد بقدر أهمية ما يردده من شعارات كلـما جنح بها الخيال أصبحت أفضل.
وقد يسأل سائل: أليست هذه لعبة السياسة في كل زمان ومكان، ألا يفعلون الشيء نفسه في الغرب؟
وهذا صحيح مع فارق يحتاج إلى توضيح. في الغرب يمارس الساسة الإنشاء، لكن الـمثقفين والفنانين وصنّاع الرأي، لا يكفون عن ممارسة النقد. فلنتذّكر كم من الأفلام أنتج الأميركيون في نقد عهد بوش الابن وعهده، عندما كان في البيت الأبيض، وبعدما خرج منه. ولنتذّكر كم من الكتب كتبوا في نقد سياسة التوّسع الكولونيالي، وأفكار الـمحافظين الجدد، وكم من الـمقالات سخرت من بوش، وتشيني ورامسفيلد.
الـمشكلة في العالـم العربي أننا نستطيع نقد الحكومات، إذا كنّا بعيدين عن أدوات قمعها، لكن نقد الـمعارضة يبدو من الـمحرّمات، حتى وإن ارتكبت الأخطاء، أو بدا ما يقوله الناطقون باسمها مجرد إنشاء. وهذا أصدق ما يكون كلـما تعلّق الأمر بالـمسألة الفلسطينية، وبكل ما يندرج في باب الـمقاومة. فكل من قال: أنا ضد أميركا وإسرائيل يكتسب سلطة يصبح النيل منها، أو نقدها، خروجًا على الصف الوطني أو نومًا في معسكر الأعداء، حتى لو كان القائل مجرّد منشئ لشعارات. وهذا الأقل تعقيدًا في الواقع.
أما الأكثر تعقيدًا فيتمثل في: أولاً، التغاضي عن الإنشاء من جانب الـمثقفين والأكاديميين والفنانين والعاملين في الحقل العام، مقابل التعاطف مع الإطار العام للقضية العامة. ستجد من يقول لك: نعم، أنا لا أتفق مع الـمضمون الإنشائي لبرنامج هذه الجماعة أو تلك، لكنها ضد إسرائيل، وهذا يكفي.
وثانيًا، وهذا هو الأسوأ، ستجد من بين هؤلاء من يضفي على الإنشاء أبعادًا فكريةً وفلسفيةً، ويمنحه قصب السبق في تشخيص واكتشاف الداء والدواء. وهم يفعلون ذلك رغم اختلاف الغالبية العظمى منهم مع الـمضمون الإنشائي للبرامج التي يدافعون عنها. وذلك باسم مصلحة وطنية أسمى وأعلى.
ولكن ماذا لو كانت الـمصلحة الوطنية الأسمى والأعلى هي عدم الكف عن نقد الواقع، وعدم وضع البيض (أي البضاعة الفكرية والـمفهومية) في سلة أحد، وعدم الكف عن مقاومة الإنشاء؟
تصدق على الشيخ رائد صلاح صفة الـمناضل الشجاع، لكن تحليله السياسي لـم يكن اكثر من إنشاء. وهذا في حد ذاته غير مهم، والـمهم أيضًا أن لكلامه في السياسة سلطة، وأن لسلطة الكلام فعل السحر لدى جمهور ينتظر الخلاص. والـمهم أيضًا وأيضًا أن الإنشاء ليس وصفة مضمونة للخلاص.
