غزة.. تستحق الحياة

single

* بعد مشاهد الاحتفالات في غزة يوم امس الاول بدا لي ان حلم السلام لم يغب، فأبناء شعبي الذين قاسوا وعانوا أكبر معاناة يعلنون بفرحتهم هذه حلمهم بتحقيق السلام، ويمدون اياديهم للسلام رغم جراحهم ومآسيهم، فلماذا يقابَلون بالنقيض! وبرغبة التدمير والحقد! أهو الشعور بالقوة ووهم الانتصار الدائم؟*

 

بدت مشاهد الاحتفالات في غزة، يوم الاربعاء، بعد اعلان وقف اطلاق النار وكأن أهلها يتمتعون بحياة جميلة للوهلة الأولى، لكنهم من دون أدنى شك يتمتعون بحب الحياة، ويحبون الحياة رغم كل مآسيها، ورغم كل القنابل والغارات الهمجية التي أطلقتها اسرائيل المحتلة والمحاصِرة والقاتلة. بدا اختلاف المشهدين في اسرائيل وغزة بعكس الواقع الذي يعيشه أهل البلدين، فحجم الدمار لا يقارن في غزة، وعدد الضحايا يتفاوت بعشرات الأضعاف، لكن الفرح كان من نصيب أهل غزة، واخوان الشؤم أصابهم مصاب أليم، لم يتسنَّ لهولاكو دخول غزة!
هذه المقارنة البسيطة تجسد اختلاف العقلية واختلاف الحال، ومع فرحة اهالي غزة بوقف اطلاق النار فقد أسمعوا عبر شاشات العالم حبهم للحياة وأملهم بوقف هذه الحروب نهائيًّا، ورغبتهم في اعادة اعمار ما دمرته آليات الحرب الاسرائيلية، فهو حب الحياة والأرض ما يدفعهم ويحركهم، فهناك ما يستحق الحياة كما يبدو، حتى في غزة المدمرة.
تناست وسائل الاعلام الاسرائيلية ان تنقل صور ما يحدث في غزة خلال الأيام الأخيرة، الا ما ندر، وبشكل يحرم المشاهد الاسرائيلي من رؤية ما تحدثه قنابل غُزاتهم بين بيوت وحارات ومدن ومخيمات غزة، ومع كل قنبلة كان هناك مبرر ومحلل شبه رسمي في كل وسيلة اعلام، يسرد قصة سير هذه القنبلة للقضاء على أحد المطلوبين أو للقضاء على أجهزة بث لراديو حماس، أو قصف عمارة تحمل عمود بث لاسلكي. ولم يظهر عبر شاشات التلفزة الاسرائيلية الديمقراطية سوى صوت واحد مجلجل، يتغنى بقدرات طائرات الاحتلال وقوات الاحتياط التي تتأهب لدخول غزة لتعيث دمارًا في الأرض.
نجح ارباب الحرب الأخيرة  باحراز تقدم يميني آخر على مستوى الشارع العام في اسرائيل، بدا وكأنه ساحق، لولا بروز بعض الأصوات المعارضة للحرب، تمثلت ببعض ما تبقى من قوى يسارية، وقد ساهمت وسائل الاعلام الرسمية والخاصة سواء ببث السموم اليمينية علانية، باعتراف بعض الصحفيين بانحياز الاعلام الاسرائيلي الى اليمين بشكل واضح. هذا التدهور الى اليمين في الشارع الاسرائيلي ينذر بقدوم سيناريوهات خطيرة، تقود نحو المزيد من الفاشية والعنصرية التي سيكون من الصعب السيطرة عليها، وهذا ما يجب ان نعيَه اليوم، واليوم بالذات.
بعد مشاهد الاحتفالات في غزة يوم الاربعاء بدا لي ان حلم السلام لم يغب، فأبناء شعبي الذين قاسوا وعانوا أكبر معاناة يعلنون بفرحتهم هذه حلمهم بتحقيق السلام، ويمدون اياديهم للسلام رغم جراحهم ومآسيهم، فلماذا يقابَلون بالنقيض! وبرغبة التدمير والحقد! أهو الشعور بالقوة ووهم الانتصار الدائم؟
في خضم هذا الانفلات والتبجح الاسرائيلي ستواجه اسرائيل بعد اسبوع أزمة جديدة، قد تجعلها ترد بنفس الاسلوب، بعد التصويت على ضم دولة فلسطين كعضو مراقب في منظمة الأمم المتحدة، وقد تعلن اغلاق حدودها أمام رئيس دولة فلسطين محمود عباس، ابن مدينة صفد، تمهيدًا لانهاء علاقتها مع السلطة الفلسطينية، ومنع السلطة من ممارسة أي دور في المناطق المحتلة، وتكريس احتلالها على كامل الضفة الغربية!
وسواء قامت اسرائيل بهذا الأمر ام لا، فان واقع الصراع سيدخل مرحلة جديدة في الاسبوع القادم، وسيكون علينا الاستعداد لمواجهة اليمين المتغطرس الذي سيقرع مرة اخرى طبول الحرب والتدمير، لنرفع عاليًا صوت السلام الضائع، في هذه الظروف الحالكة، لأنه بالذات في ظل استشراس اليمين علينا التشبث بقناعاتنا واعلاء الصوت العقلاني الواضح، كي لا يغيب هذا الصوت عن الساحات وكي لا يختفي من الشارع.
وكأبناء غزة الصامدين علينا ان نغلّب روح الأمل رغم كل الدمار ورغم انفلات اليمين، لأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

استقلالية القرار الفلسطيني

featured

حكمة ابو غبريس

featured

رأي في "جريمة في رام الله"

featured

أراضي قرية "العراقيب" - نظرة قانونية

featured

البطل الأحمر الذي دحر النازية

featured

ألحصار... يا للعار

featured

عن قوس قُزح والقرامطة واليَسار ؟؟؟