المسكونون بالوطن

single

هنالك من الناس من يتبخر حلمهم الوطني فيخاصمون الوطن ويقذفونه من الذاكرة منسيًّا مرميًّا على الرفوف للسوس والصدأ والعفن.
عندما ينسى احدنا وطنه ينسى جذوره وتاريخه وهويته.. ان النأي عن الوطن لدى هؤلاء لا يتعدى كونه ادمانًّا أو حالة تخدير مُزمنة للتقوقع في انويتهم ومصالحهم قانعين باكتساب المعرفة وكسب الأموال وتكديسها.
في هذه الصباحية اذكر شابًا ليس من هؤلاء.. إنه شاب نابغ أفسح للوطن أن يستوطن ذهنه وفؤاده.. لقد أسمته الصحف ابن كفرياسيف المغترب، وهنا أريد ان أؤكد أن اغترابه ينحصر في بقعة جغرافية فقط فهو وأمثاله باقون معنا وبيننا مهما نأت المسافات وتباعدت التضاريس.. إنه من مفاخرنا العاملين من قريب ومن بعيد لتحقيق طموحات وآمال شعبنا العربي الفلسطيني.
بعد أن نال بكالوريوس العلوم من التخنيون عام 1988، ارتقى واعتلى سلم الأبحاث والمعرفة ليتقلد درجة الدكتوراة في الهندسة من جامعة سدني الاسترالية، وهو اليوم وبعد نيله الأستاذية يعمل رئيسًا لقسم الهندسة الميكانيكية ونائبًا لرئيس تقنية الطاقة في جامعة اديلايد في استراليا. كل هذه المناصب أتته إجلالا لأبحاثه ولم تُنسه جليله وجلال فلسطين.
في إحدى مقالاته الانجليزية لغة والعربية عبَقًا يُفنّد البروفيسور بسّام دلة ما يردده اليهود عن عرب إسرائيل حين يذكرون أن المسيحيين في دولة إسرائيل يتمتعون بمركز اقتصادي اجتماعي أسمى وأفضل إذا ما قورنوا بالمسلمين واليهود وهذا كله بفضل حُسن تعامل حكومات إسرائيل المتعاقبة. في تعقيبه يستهجن استاذنا هذا الكلام مؤكدا ان الأمر الذي يُغفله مروّجو هذه الأقوال هو ان المسيحيين كانوا في حال أفضل قبل عام 1948 والفضل في ذلك يعود لمدارس الإرساليات والانفتاح على قيم ديمقراطية قامت عليها مؤسساتهم التربوية الأهلية.. ويستطرد كاتب المقال معلنًا ان الكثيرين منّا حصلوا على درجاتهم الأكاديمية من أقطار شرق أوروبا والمنظومة الاشتراكية التي فتحت أبوابها مُقدّمة المنح للمقموعين والمحرومين من عرب بلادنا، وهنا يصل بسّام إلى القول: إن كان هناك من يستحق الشكر والإجلال فهو الحزب الشيوعي الذي دعم ورعى أبناءنا وبناتنا ليتخرجوا شامخين من جامعات ومعاهد الخارج.
في نهاية مقاله يخلص البروفيسور دلة إلى القول ان سياسة حكومات إسرائيل منذ قيام الدولة ارتكزت وترتكز على تفكير رغبي انتهازي يتَّسم بالفصل والتمييز ومعاملة العرب كأنهم مواطنون من الدرجة الثانية.
ينشط البروفيسور دلة مع رفاق له في الشتات في مناهضة الأفكار المسبقة عن فلسطين وأبنائها..
كم سعدتُ في عرافتي للقاء معه في نادي الصداقة في كفرياسيف.. لقد عانقناه بآذاننا وعيوننا وهو يتحدث عن ابن فلسطين البار الراحل العظيم ادوار سعيد الذي زار استراليا ليستقبله بسام وأمثاله وليعلن أن في فلسطين شعبًا يستحق الحياة..
لعلَّني لا أبالغ إذا ما قلت إن (بسام) وزملاءه يتقمصون أفكار مارتن لوثر كنج (الابن) الذي علّمنا كيفية استعمال الألم والمعاناة بأسلوب خلّاق.. فبدلا من ان نبتلي ونربِّي أنفسنا على العنف علينا قبول المرارة والمعاناة دون أن تكون لنا رغبة في الثأر والانتقام وذلك من خلال سعينا إلى تحقيق عدالة تفرز حبًّا لكل الناس.
لأبطال العدل والسلام.. لجهدهم الدؤوب وصمودهم ألف تحية.. إنهم القادرون على حمل قنديل أمل زيته لا ينضب. بالحوار واللاعنف يمكننا بناء الثقة التي بدونها نتعثر في الطريق نحو السلام.
صباح الخير بسام دلة.
قد يهمّكم أيضا..
featured

آن الأوان لإيقاف هذا المسلسل!

featured

سلام الاستسلام مسموم ولن يرى النور

featured

والعرب، وينهن؟

featured

تحية فلسطينية للبرازيل ورئيسها

featured

سياسة مجرمة لن تكسر جماهيرنا