ولكن في المقابل، فقد شهدت مسيرته السياسية، في صفوف حركة "راتس" التي انتقل اليها من حزب "العمل"، ومن ثم عضويته في "ميرتس"، تقلبات سياسية، خاصة وأنه لم يكن في الفريق الأكثر جرأة في هذا "المعسكر" المسمى "يسار صهيوني". وهو معروف بمقولته الشهيرة للشعب الفلسطيني، مع اندلاع العدوان الاحتلالي الإسرائيلي في العام 2000 على الضفة والقطاع: "ابحثوا عني"، وهي لم تكن مجرد تصريحا عابرا.
"ابحثوا عني"، عكست النظرة الاستعلائية الصهيونية، حتى في صفوف ما يسمى بـ "اليسار الصهيوني"، الذي تميز على مدى السنين بميوعة مواقف وتقلبات، بحسب موقعه السياسي، في سدة الحكم أم في المعارضة. وإن وجدت بعض الاستثناءات في هذا "المعسكر"، فإنها استثناءات على المستوى الشخصي، وليس الموقف السياسي الجوهري "للمعسكر".
واستنادا الى جوهر الفكر الصهيونية- الفكرة الصهيونية- في جوهره عنصري اقصائي استعماري رأسمالي- فإنه لا يمكن أن يكون في هذه الحركة يسار حقيقي، بمفهومنا نحن. بمعنى التمسك في آن واحد بمواقف العدالة الاجتماعية، وحقوق الشعوب. إذ لا يمكن أن تتمسك بمبادئ العدالة الاجتماعية، وتتواطأ مع السياسة الاقتصادية الصقرية حينما تكون في الحكم. كما لا يمكن فصل مبادئ العدالة الاجتماعية، عن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، كما في حالة قضيتنا الفلسطينية. فهذا المعسكر المسمى "يسارا"، شارك في الحكم في العقود السابقة، بضمن ذلك حلته السابقة حزب "مبام". وكان شريكا في سياسة الحكم والاحتلال والاستيطان، وسياسة التمييز العنصري، فمن المفارقة أن لهذا "اليسار" قواعد ولو هامشية في مستوطنات غور الأردن مثلا، وايضا في الجولان السوري المحتل، عدا القرى التعاونية المحسوبة عليه، والقائمة على القرى الفلسطينية المدمّرة.
كافح الحزب الشيوعي على مدى السنين اليسار الموهوم في حزب "مبام"، ومن ثم "ميرتس". فرغم أنه التقى معه في معارك عينية محدودة، غالبا في القضايا الاجتماعية، إلا أنه لم ير فيه يسارا حقيقيا مكافحا للفكر الصهيوني العنصري الإقصائي. فمثلا في تعامله مع الجماهير العربية سعى هذا "اليسار الصهيوني" الى "التعايش"، الذي وصفناه برمز هزلي: "نتصالح على صحن حمص". بينما سعى الحزب الشيوعي ولاحقا الجبهة، الى ترسيخ مبدأ الشراكة النضالية الكفاحية الحقيقية ضد الاحتلال ومن أجل العدالة الاجتماعية، وعدم تصوير الصراع سطحيا وكأنه يُحل بالوفاق الاجتماعي، بتجاهل مقصود لجوهر الصهيونية وسياسة الاحتلال الاستعمارية.
