نودّعك الآن أيها الحبيب سليمان مرقس، أيها النقيّ كعين ماء، والشفاف كطفل يبسم، والعاشق للحياة المشمسة مثل شجرة لوْز.
نودّع الآن جسدًا اختزن الشعر واللغة العربية، الموسيقى والغناء، الطبيعة والجغرافيا، تاريخ العرب، وفنانًا في تهذيب الأحجار.
سليمان مرقس من أسماء كفر ياسيف الحسنى، ولا تقوم شخصيةُ أبي العلاء إلا على صاحبها، له شخصيته المغايرة لطباع السواد الأعظم من الناس، ولكنه نقض قاعدة "إما القطيع وإما القطيعة" فتفرّده عن الناس برأي وطبعٍ خاصيْن به، لم يُغضب الناس، بل أحبّوه، أيضًا لتفرّده. لأن عميقًا في نفسه الغاضبة الرافضة المستفزة تسكن محبةٌ لكل ما هو خير للناس وللشعب البسيط.
أبو العلاء كان، طيلة سنينه الأخيرة، قلقًا لمصير حبيبتِه الشام، فيتذمر من تخلفٍ يرتهن إلى أساطير وخرافات وثقافة الأغلفة البائدة. وفي الشام قطعوا رأس تمثالِ أبي العلاء. ولكنا نحن في مواجهتهم يا أبا العلاء، نحن من وقف مع الجواهري في حضرة أبي العلاء في المعرة ويقف الآن في حضرتك في كنيسة كفر ياسيف:
قِفْ بالمعَرَّةِ وامسَحْ خَدَّها التَّرِبا
واستَوحِ مَنْ طَوَّقَ الدُّنيا بما وَهَبا
أبا العلاءِ ، وحتى اليومِ ما بَرِحتْ
صَنَّاجهُ الشَعر تُهدي المترفَ الطَّربا
لِثورةِ الفكرِ تأريخٌ يحدّثُنا
بأنَّ ألفَ مسيحٍ دونَها صُلِبا
ومثل أبي العلاء، قالوا عنك أنك متشائمٌ! ولكنهم لم ينتبهوا إلى ملابسك الزاهية الخضراء والصفراء والحمراء على القوام الجميل، إلى بارقة عينيك العسليتين عند كل إشارة إلى واحات وسط الصحاري.
هذا الإنسان الجميل، لم يُضفِ علينا روحًا جميلة في شعره وحسب، وإنما بنى أسوار حدائق ومداخل مدارس ومواقد نارية داخل بيوت كفر ياسيف، وعملُه متعة له ولكلّ مارّ: فالراح والموسيقى والغناء والثقافة والسياسة، كلها ملازماتٌ للعمل، ولحياة أبي العلاء.
سليمان مرقس هو كشاجم كفرياسيف. سُمي الرمليّ بكشاجم اختصارا للكلمات: كاتب، شاعر، أديب، جواد ومؤلف. ففقدينا المسجى كان جوادًا، كريما، أنيقًا، شاعرا، موسيقيا ومعماريا.
وسليمان الواثق من صواب قلبه يريد أن يتحدث عما انتابه الآن من هاجس أو مشاعر خاصته، الآن يريد أن يتحدث عن مطربي الشام، فيسأل: يا أخي بتعرف: نجيب سراج، ودلال الشمالي ورفيق شكري؟ وعندما تذكر له: آمنت بالله، بالفلا جمّالي سارح، ليش الزعل يا خالة، فوق النخل يا سْليمى، وبالكحلي سحرتيني. تحتضنك عيناه العسليتان، ويضرب كفًا بكف قائلا بلهجته الممتوطة: يا أخي من وين أجيتني؟!
بعد قليل سيحيا ترابُ كفر ياسيف، فستلجه روحٌ مكثفة من الانتماء والشعر والموسيقى وروح فنان لتنتعش بأرضنا المعاني، ومن هذا التراب تخرج أجيالٌ كفرساوية منتمية لكل ما هو أصيل وجميل في دورة الحياة الأزلية.
ستحيى روحُك بعلاء صديقي العزيز ومنال الفنانة الرائدة في النحت، وروضة الإنسانة المرهفة، ومرقس المربي ومعلم العربية، وام علاء ليلى الغالية شريكة العمر التي كانت الزوجة والراعية المتفانية، سيفتقدك اهالي بلدتك التي احببت، سيفتقدك رفاقُك وزملاوُك جيرانك.
كفر ياسيف تودّعك بحب ودموع، وبعدها تستيقظ على صباح جميل مثل روحك يا أبا علاء.
*كلمة رئيس القائمة المشتركة في جنازة الشاعر سليمان مرقس
