انا هو سيدك الأعلى وأنا حاكمك بأمري وبأمره تعالى، فإذا تظاهر الشعب ضدّي فسوف اخرج في مظاهرة ضدّ الشعب، فلا شعب بدوني. انا هو الحاكم وانا هو الشعب، فإذا قرّر الشعب المزيّف التمردّ عليّ فسوف اقطع عنه الانترنت والبثّ المباشر والكهرباء والطعام والأكسجين، فيزول الشعب ويبقى السيد، واذا تجرأتم على سحبي عن كرسيّ فلا شعب بعد اليوم. أيُعقل ان تتمرّد القطعان على رعيانها؟ كنتم جماهير فصنعت لكم بدلا من الجمهورية جماهيرية، وكنتم شعبا فصنعت منكم شعوبا شعبيّة وامّة واحدة ذات رسالة خالدة الا وهي رسالة الانصياع لأوامري ومشيئتي.
كيف تجرؤون ايها الرعاع على قلب الكرسي الذي يجلس عليه زين العابدين بن علي، وهو شخص طيّب وهو الذي ضحّى بحياته في خدمة الوطن والشعب، وها انتم تقلبون كرسي الرئيس المبارك فوق رأسه وهو الذي لم يكن الا راعيا مخلصا لبلده ولا دخل له بهؤلاء القلة من الفاسدين المفترسين لمال الشعب من حوله؟ انكم ايها الطائشون الرعاع تبصقون في الصحن الذي يطعمكم منه راعيكم، الذي هو انا ثم انا ثم انا. هل تحوّلَتْ هوايتكم بقلب كراسي الرعيان الى مهنة وحِرْفة؟ يا للوقاحة وطيش الشباب..انكم مستمرّون في هزّ كراسي الملوك والرؤساء والأمراء. وَيْحكُم.. اية لعبة خطيرة هذه التي تلعبونها؟ الكراسي تتطاير في الهواء.. كراسي تونس ومصر وليبيا واليمن والجزائر والمغرب والخليج العربي وكراسي الجزر وأشباه الجزر تنقلب الواحدة تلو الأخرى.. الويل لكم ايها الفوضويون العابثون بممتلكات ممثّلي الله على الأرض، القابعين بسلام وبأمان فوق كراسي العزّ والرخاء والترف.
منذ متى تجرؤ الأغنام على مجرّد التفكير في تقرير مصيرها وتسعى الى التمرد على رعيانها؟ يا أيها القابعون ما بين المحيط والخليج وبين البحرين وبلاد ما بين النهرين، والله ان زوّدتموها فسأنفّذ فيكم مقولة الحجّاج بن يوسف الثقفي: "إني لأرى رُؤُوسًا قد أينعت وحان قِطَافُها. والله لأحْزِمَنَّكُمْ حزم السّلَمة، ولأضربنّكمِ ضربَ غرائب الإِبل، فإنكم لَكَأهْل قريةٍ كانتْ آمنةً مُطْمَئِنةً يأتيها رزقُها رَغَدًا من كلِّ مكانٍ فكفرتْ بأنْعُم الله فأذاقَها اللهُ لباسَ الجوع والخوفِ بما كانوا يصْنَعون". سوف أفيّع عليكم الجمال في معركة الجمل، وفِيلة أفريقيا السوداء، والقرود والسعادين، وأفاعي خطّ الاستواء، وخيول المرتزقة، وحمير الأغبياء.. فتبيدكم عن بكرة ابيكم.
لقد حاولت جاهدا ان افرش لكم افريقيا بالأخضر المكتوب بحبر دمي والمزروع بروح عمر المختار، فبذرت ما لديّ من بذور خَضَار كلماتي فوق رؤوسكم كي اعلّمكم فأبارككم، فأبشّركم بالزّحف الأخضر، فلماذا لا تصبرون 40 سنة اخرى، فالصبر مفتاح الفرج، كي اثبت لكم بانني سأعَمِّم الفكرة على مليار افريقي يقبعون فوق قارتهم السوداء على مساحة ثلاثين مليون كيلومتر مربع، ومن بعدها سنعمّم الفكرة على البيض والصفر والحمر من سكان سائر القارات؟ حاولت ان اقلب صحراءكم الى جنّات تجري من تحتها انهار النفط، ويزخر بلؤلؤها البحران، وينعم شطّ العرب من خيرات دجلاها وفراتها وتَمْرها ونَفْطها.. ولكنكم لا تقدّرون ولا تشكرون. أفلا تشكرون ربّكم بأنني ابقيتكم على قيد الحياة؟
صحيح اننا كلّنا الى زوال وربما لن يكفيني العمر لتحقيق مبتغاي، ولكنني سوف انقل خبرتي عبر جيناتي المتوارثة بواسطة من سينفّذها من بعدي بواسطة سيف الاسلام، وقذّاف الدّم، ومحطّم الأصنام، وقاهر القوّات، واحفاد السادات وامراء وملوك اللذات، والمتنفّذين المحتكرين الكرماء المعطائين من اصحاب الشركات، وممّن لم تستطيعوا قلبهم بعد عن كراسيهم من وزراء الوزارات..
الا ترون انني اغدقت عليكم بخيرات تكفي لإطعام كل عجاف افريقيا؟ اذا استمررتم على هذا النّحو من الغوغائية فسوف أُفيّع عليكم كل مُرتزقتي من جياع القارة السوداء، فيفصفصون عظامكم شرّ فصفصة. أَبَعْدَ كل هذا العناء الذي بذلته من اجل الثورة تثورون على الثورة؟ وهل من المنطق ان يثور الثوّار على الثورات كالثيران الثائرة؟
تحسّسَ السيد رقبته وقال لنفسه مرعوبا: "يا الهي، لقد استطعت ان ارى الرؤوس التي أينعت وحان قطافها، ولكن غاب عن بالي انّ لي رأسا ورقبة، ولم أفطن الى ذلك الا بعد أن نظرت الى نفسي في المرآة، الويل لي.. لقد فات الأوان".
*راضي د. شحادة- مسرحي وكاتب فلسطيني
