ما أن أُعلن عن نية النائب محمد بركة الاشتراك بوفد برلماني إسرائيلي سيزور بولندا، بدأت أقلام تكتب ضد هذه الزيارة وأصوات شرعت في عملية غمز ولمز منتقدة وممتعضة من هذه الخطوة. ومن الغرابة أن يكون جزء من المشاركين بهذا بعض من رفاق النائب بركة في الحزب والجبهة.
باعتقادي، تكشف هذه القضية مرة أخرى عن تباين المواقف الأساسية المتعلقة بوجودنا في دولة إسرائيل، ومستقبل هذا الوجود، ولا أبالغ إن قلت إزاء الموقف من هذه الدولة. على الرغم من أن بعض الكتاب والمنتقدين غلَّف ادعاءاته بطعونات جُرِّدت من هذه العلاقة وحصرت في الزيارة نفسها وما قد تعنيه أو لا تعنيه.
وراء النصوص نفوس، ولعل ببعض الفواصل تكمن الفوارق. وتبدأ الحكاية عندما يخبرنا أحدهم أن النائب بركة قرر المشاركة في إحياء ذكرى المحرقة اليهودية في معسكر أوشفيتس في بولندا، بينما يخبرنا النص الآخر أن النائب بركة يشارك بوفد برلماني لإحياء ذكرى تحرير أوشفيتس من النازيين. مع أنني لن أكتفي بقصر إشكالية هذه الزيارة على ما ينضح من فوارق بين نص البيانيين، كما جاءا، لكنني أعتقد أن الأول أراد أن يأسر القارئ ويجنده ضد النائب بركة الذي سيشارك بإحياء ذكرى المحرقة في أوشفيتس، فلا ذكرٌ لتحرير ولا لنازيين، بينما أكد النبأ الثاني، ببعض من الحيادية والتوصيف التاريخي، أن المشاركة هي في ذكرى تحرير معسكر أوشفيتس من النازيين وهو نص يؤكد أن الذكرى هي ذكرى لتحرير معسكر كان ميداناً ورمزا لميادين نفذت فيها النازية أفظع جرائمها ضد الإنسانية جمعاء، وأن الاحتفال هو بالنصر على النازية والنازيين، وهكذا يبقى القارئ حيادياً لا تأسره البدايات والنصوص الأولى.
ليس كل من يناقش أحقية وصحة مشاركة النائب بركة تحركه نفس الدوافع وتجمعه ذات الأسباب. بعض المتسائلين يجهلون حقيقة طبيعة تلك الحقبة التاريخية وتحديداً ما قامت به الحركة النازية واقترفته آلتها الوحشية التي نفذت ما خطته أيديولوجيتها من حيث رقي الجنس الآري، وما استوجبه هذا من قضاء على كل ما هو ليس آريا. عند هؤلاء يبقى الجهل مفتاحاً ودافعاً لتساؤلاتهم حول هذه الزيارة وهكذا يتوجب النقاش معهم.
هنالك مجموعة أخرى، كل ما حفظته عن النازية أنها شرعت بالقضاء على اليهود وتتمنى، على الغالب في سرها وبعضهم يجاهر بهذا، لو نجحت النازية بإتمام خطتها وعملها. هؤلاء وإن جهلوا حقيقة ما خططت له هذه النازية، إلا أنهم حاقدون عنصريون والنقاش معهم، كما في هذه الحالة، قائم في ميادين جوهرية متعددة أخرى.
مجموعة أخرى تعرف ولا تجهل حقيقة ومخاطر النازية إلا أنها تتحفظ ولا تشارك احتفالات النصر عليها لا في أوشفيتس ولا في أي مكان في العالم، لأنهم يعتقدون أن اليهود وإن كانوا ضحايا للنازية إلا أنهم استغلوا ذلك ليقيموا دولتهم، على حسابنا نحن الفلسطينيين، ضحايا جدداً لضحية قديمة.
ليس خفياً على أحد أن الحركة الصهيونية استغلت وبشكل بشع جرائم النازيين ضد اليهود واستثمرتها لتحقيق مشروعها وإقامة إسرائيل على حساب نكبة الشعب الفلسطيني الذي شتت وسلبت أراضيه، ومن الطبيعي ألا نغفل أن الصهيونية ما كانت لتنجح بمشروعها هذا لولا تضافرت، في ذلك الوقت، عوامل أخرى ومواقف اتخذها "المجتمع الدولي" وقيادات الأنظمة العربية وقيادات المجتمع الفلسطيني وما إلى ذلك. وليس خفياً على أحد كيف نجحت إسرائيل، الدولة والحركة الصهيونية بأذرعها المتعددة، بالاستمرار في استدرار المواقف المساندة لها وتوظيفها قناعاً لموبقاتها بحق أبناء الشعب الفلسطيني وبحقنا نحن الأقلية الفلسطينية الباقية في وطنها. إسرائيل وظفت كونها "الضحية" وما يلابس ذلك من استدعاءات إنسانية لمآرب سياسية.
على الرغم من التآكل في مركبات هذه المعادلة ونشوء بعض المؤشرات التي تفيد أن المجتمع الدولي لن يستمر بالسكوت وتبرير جرائم إسرائيل نحو الفلسطينيين بما كسبته هذه من كون اليهود ضحية جرائم الماضي وتحديداً الماضي الأوروبي، وكذلك هنالك أيضاً أصوات يهودية رائدة بدأت تنبه إلى أن الارتكان على هذه الحجة والذريعة لا يوجد ما يبرره إنسانياً وهو كذلك خطأ سياسي. كانت شولميت ألوني في الماضي واحدة من هذه الأصوات واليوم يعبر عنها السياسي والوزير السابق ورئيس الوكالة اليهودية والكنيست أبراهم بورغ، عندما كتب عن هذا في كتابه الصارخ "للانتصار على هتلر". هذه الأصوات تعتقد وباختصار أن استمرار الاتجار بدم ضحايا الماضي من اليهود لتبرير ما تقترفه إسرائيل بحق الفلسطينيين هو فعل غير إنساني، علاوة على أن إسرائيل الدولة ستستمر في الغوص في مستنقع العنف والتدهور إن لم تتحرر من هذه العقدة ولن تنتصر على هتلر! لتعيش في فضاء الشرق دولة حرةً تحترم غيرها من الدول والشعوب وفي طليعتها الشعب الفلسطيني وحقه في العيش بدولته المستقلة.
بعض المنتقدين يقر أن المشاركة باحتفالات النصر على النازية لا يشوبه غبار ولا عيب، مع أنني أشك أن هؤلاء شاركوا أو يشاركون بمثل هذه الاحتفالات ويأتي إقرارهم على سبيل التبريرية أو الديماغوغية لإحراج بركة وأمثاله ليس إلا، وهؤلاء يعيبون على بركة شكلية المشاركة من خلال وفد برلماني إسرائيلي رسمي فهل هنا تكمن المصيبة والابتذال؟
القضية عندهم هي كيف يمكن توظيف هذه المشاركة؟ والخوف لديهم من توظيفها سلباً من قبل إسرائيل الرسمية وبهذا يقرون نهجاً أحسناه دائماً يعطي الإسرائيلي فرصة الفعل وتوظيفه ويحيد إمكانياتنا من أن نكون أصحاب شأن في الفعل وتوظيفه لصالحنا وبما يخدم مصالحنا.
أسهل القرارات على سياسي يستشعر نبض الشارع، لا سيما حينما يكون بينهم بعض من ناخبيه، أن يذعن لما يمليه هذا النبض وهذه المشاعر، وفي حالة بركة الأسهل كان أن يعتذر عن المشاركة لجميع ما كتب وما سيكتب. أصعب القرارات هي تلك التي تتعارض مع هذه الأحاسيس حتى ليبدو صاحبها انه مفرط ومتذلل، لا بل مشارك ومسبب لنكبة شعبه، وهذه هي حالة بركة اليوم.
المحزن أن كثيرين من قادة الدولة اليهود يمتعضون هم أيضاً من مشاركة بركة هذه. وبعضهم بدأ يحاول وضع العراقيل لمشاركته. منهم من لا يريد أن يصدق إنسانية هذا الموقف ورسالته السياسية، كما عبر وسيعبر عنها بركة، والآخر يؤثر أن لا يشوب هذا الاستعراض الصهيوني عنصر غريب، خاصة فلسطيني، كي لا تتاح الفرصة للمقاربة أو التذكير بين ضحية الماضي وضحية الضحية الحالية التي سيمثلها في هذه الحالة وجود بركة.
لا أرى فرقاً بين من يجيز زيارة أوشفيتس في وفد شيوعي أو غيره ولا يجيزه في حالتنا هذه، فبركة عضو في البرلمان الإسرائيلي ويذهب إلى هناك حاملاً ما آمن به إزاء النازية وجرائمها، وما يؤمن به إزاء إسرائيل وجرائمها، وهو بهذه الزيارة يؤكد ما آمن به أولاً وثم آمن به أبراهم بورغ وشولميت الوني وغيرهما، ويكمله من موقع انتمائه الإنساني الأصيل أولاً وانتمائه فرداً لشعب وقع ضحية ما زالت دماؤها تنزف جراء ما تقترفه إسرائيل. ويبقى الأهم كيف نستطيع ونحسن نحن توظيف هذا.
إسرائيل ليست مقصورة على برلمانها ومؤسساتها ففيها شعب يجب علينا أن نخاطبه ونحاول تغييره وعنوان هذه الزيارة، بما تحمله من معان إنسانية عامة وسياسية خاصة، يبقى هؤلاء.
لبركة، وما يمثله سياسياً، الحق بمثل هذه المشاركة، وللآخرين حق في الاستنكاف عن مثلها، وما بين هذا وذاك يبقى التخوين والتجريح سلاحاً غير مجدٍ ففي أوشفيتس كانت الكارثة ولا بأس أن تتداعى صفورية هناك من خلال ابنها. فهل سنجيد توظيف هذه المفارقة التي يسعى بعض غلاة اليمينيين إلى حجبها؟
