هشام النجداوي فقدان قامة وطنية

single

ما الذي يجعلنا نحزن بحرقة على رحيل هشام النجداوي؟ هل لأنه صديق لكل من يعرفه عن كثب؟ أم لأنه رحل وهو في ذروة العطاء لشعبه كما لأسرته؟ قد يكون السببان معًا، مما ترك أثرًا ملموسًا على موقف وقلب كل من يعرف هشام النجداوي، الإنسان والنقابي والحزبي والجبهوي.
فقد كان ودودًا بقدر ما كان عنيفًا في الذود عن حزبه وعن قناعاته الوطنية والقومية، وكان معطاء في التعبير عن موقف البعثيين بقدر ما كان شغوفًا بمحاولات خلق وعي جبهوي بينه وبين الآخرين، وبناء تحالف متين بين حزبه والأحزاب المماثلة، والانحياز نحو تحقيق مظاهر مشتركة بين الأحزاب القومية واليسارية.
هشام النجداوي وطني غيور، فلسطيني حتى نخاع العظم، بقدر ما كان سلطيًا، وأردنيًا متباهيًا بنفسه، بقدر ما كان قوميًا عربيًا بعشق وولاء حتى الاندماج، وزاده  في الاندفاع لهذا الاتجاه الثمن الباهظ الذي دفعه البعثيون لدى احتلال العراق وخسران نظامهم، بقدر ما كانت مفاخرتهم بفقدان رمزهم وقائد مسيرتهم ورئيس مشروعهم القومي صدام حسين، الذي قضى شهيدًا على مقصلة الاعدام بشجاعة، وكان آخر ما قاله قبل التشهد "عاشت فلسطين حرة عربية" لا يقولها ولم يقلها من قبله سوى شهداء الحرية، شهداء فلسطين الثلاثة على مقصلة الاعدام في عكا أمام المستعمر البريطاني “ محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير ".
قضى هشام النجداوي أشهرًا يُصارع المرض، كان يتعامل مع مرضه على أنه عدو رجعي طائفي استعماري لعين، قاومه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولكن المرض هزمه، كما هزم الاحتلال الأميركي البعثيين ونال من صدام حسين، بالتحالف اللعين مع قوى المعارضة الرجعية والطائفية ومع أدوات إقليمية عربية وإيرانية غدرت به، وحققت مرادها ولكنها دفعت ثمن غبائها العربي، مثلما قبضت ثمن خباثتها الإيرانية.
نحزن لرحيل هشام النجداوي ونستذكره مع رفاقه ومحبيه، ومع أصدقائه الذين كرموه بما يستحق، بل بأقل ما يستحق، ومع ذلك سيبقى هشام رمزًا، وظاهرة وطنية، إلى جانب قامات رفيعة فقدناها في الأردن كما في فلسطين، وفي الحالتين كما في العراق والعديد من أمثالهم على امتداد الوطن، وهي نقلة طبيعية تؤدي إلى خلو الحياة من الديمومة والخلود، فالظاهرة الانسانية بمثابة رياضة التتابع، حيث يقدم الجيل لما بعده ويحمله رايات الاستمرارية، ولكن العامل المأساوي لدينا أن تضحيات القامات الوطنية هذه لم تعط النتائج المطلوبة، منذ ولادة حركة التحرر العربية بعد الحرب العالمية الثانية، وتطلعات العرب إلى الحصول على الاستقلال، حيث فشلنا في إنجاز شعارات الأحزاب ونضالات الشعوب العربية في تحقيق أهدافها:
أولًا: فشلنا في استكمال خطوات الاستقلال السياسي والاقتصادي لغالبية بلادنا العربية.
ثانيًا: فشلنا في تحقيق العدالة الاجتماعية وإزالة الفقر والجوع وسوء الخدمات وصد التخلف.
ثالثًا: فشلنا في نيل الديمقراطية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع وتداول السلطة.
رابعًا: فشلنا في إنجاز الهدف الأسمى بين شعوبنا في الوحدة العربية، وليس هذا فحسب، حيث أخفقنا في حفظ ما تم إنجازه من خطوات، فالاستعمار بأشكاله المختلفة بات جاثما على صدورنا وأرضنا وقراراتنا، وبات التحالف مع أعدائنا ظاهرة تطبيعية عادية متسربة ومنتشرة ومقبولة، وباتت الأمراض الخبيثة الجهوية والمتعصبة والطائفية والانغلاق والعداء للأخر والتصفيات والإعدامات بدون محاكمة، والادعاء باحتكار الحقيقة، ظاهرة منتشرة جسدتها أحزاب التيار الإسلامي بدءًا من "الإخوان المسلمون"، مرورًا بأحزاب ولاية الفقيه، وليس انتهاء بتنظيمي داعش والقاعدة، وما الحروب البينية في العديد من البلدان العربية سوى تعبير عن هذا التخلف وتدمير الذات.
لهذا كله نحزن بعمق ونقلق، وتدهمنا الخسارة لفقدان أشخاص وأصدقاء وحزبيين أمثال هشام النجداوي من القوميين واليساريين وما يوازيهما.
قد يهمّكم أيضا..
featured

المُسْتَأجِرُ يُحاصرُ المالِكَ الشّرعيَّ

featured

- أمراض القلب الاحتقانية –(2-2)

featured

ليس كل تغيير يستحق اعتباره ارتقاء وتصحيحًا للمسار

featured

للحياة الإنسانية الجميلة عنوانها!

featured

إضراب ضروري لأجل المصالحة

featured

زنوبيا تكسر أغلالها

featured

الغاز ونتنياهو والحيتان وأميركا

featured

لا شرعية للجامعة الاستيطانية