"بالفعل كنّا الطّليعة"

single

حينَ نقولُ عن امرأة أنّها أخت الرّجال نقصد فيها أنّها صلبة العود، قويّة العزيمة،  سديدة الرّأي، ثابتة في نهجها، وشُجاعة في معركتها ومقدامة في خطاها، لا تهن ولا تخاف أو تهاب شيئًا، وقد جاء في الحديث الكريم أنّ النِّساء شقائق الرّجال. وإن كانت الرّفيقة عضوًا في الحزب الشّيوعي فإنّ الرّفيقات شقائق الرّفاق حيث يُكَوّنون جسمًا واحدًا يكمل فيه الجزءُ جزءَه الآخر فليست كلّ النّساء هنَّ أخوات الرّجال وليس كلّ الرّجال رجال وهنا لا نعني فيما جاء أنّنا نؤكّد على الانتماء الجنسي هذا دون الآخر، ذكوري أم أنثوي، فالنّساء مثيلات الرّجال، لا أحدٌ قوّام عليهنَّ وحقّ الذّكر كحقِّ الأنثى بالتّناصف والعكس صحيحٌ.
والمرأة هي النّصف الأوّل للمُجتمع أو أكثر بكثير من نصف المُجتمع فلولاها لم نكُن ولم نبقَ ولم ندُم ولَم ننتصر أو نصمد..
لذلك وضع حزبنا الشّيوعي بندًا مهمًّا في دستوره أنّه يُناضل من أجل مساواة المرأة في كلِّ المجالات ولإيقاف كلِّ أشكال العنف والقمع تجاه النّساء. 
نعرِّفكم في هذه الحلقة على أخت الرّفاق وشقيقتهم، الرّفيقة أوديت إبراهيم حنّا نمر، وُلِدت في مدينة النّاصرة، عاصمة الجليل، في العشرين من شهر كانون ثاني عام ألفٍ وتسعِمائةٍ وثلاثةٍ وثلاثين.
توفّى والدها وهي طفلة، فلَم تعرفه، وتركت والدتها البيت بعد وفاته، واحتضنت الجدّة الأولاد، وتوكّلت تربيتهم، حيث ربّتهم على التّواضع والعصاميّة والإباء والشّجاعة والمقاومة والكفاح ضدّ الظّلم فكانت جدّتها الزّيتونة الخضراء التي لا تُسْقِط ثمارها بعيدًا عن جذعها.
بعد أن أنهت رفيقتنا أوديت الصّفّ السّادس في المدرسة الحكوميّة في النّاصرة، اندلعت حرب احتلال البلاد حيث حالت دون تكملة دراستها. فقد كان عمرها حينها، خمسة عشر عامًا. إنّ تركها لمقاعد الدّراسة آلمها جدًّا، فقد أحبّت المدرسة والعلم والتّعليم وبهذا فقد قضى الاحتلال على جميع أحلامها وأمانيها..
 تقول الرّفيقة: "تركتُ المدرسة بعد الاحتلال وتوكّلت جدّتي تربيتي مع أخويَّ، مع أنّي كنت طالبة مجتهدة وأحببتُ المدرسة والدِّراسة كثيرًا، لكنّي لازمت البيت لمعاونة جدّتي في عملها البيتي. واستمرّت علاقتي بزميلاتي على مقعد الدّراسة وداومت على المطالعة والتّثقيف الذّاتيّ كهواية خلال عملي المنزلي في بيت جدّتي".
التقت بالشّيوعيّين عام النّكبة، حين أرادت المشاركة في مظاهرة ضدّ ترحيل الأهل من الحارة الشّرقيّة في المدينة. فقد قام الحاكم العسكري بمحاولة طرد المئات من تلك الحارة بحجّة عدم امتلاكهم تصاريح إقامة وهويّات زرقاء.
لقد عاد النّازحون إلى مسقط رأسهم، النّاصرة، بعد أنْ كانوا قد تركوها خوفًا على أرواحهم من عبث جيش الاحتلال بأرواح السّكّان العرب أهل المدينة الأصليّين، كما جرت عادته في باقي مناطق الوطن.
وحين عادوا منحت السّلطات قسمًا منهم الهويّات الحمر تمهيدًا لنقلهم لاحقًا عبر الحدود لطردهم من بلادهم التي ولدوا فيها، أرض آبائهم وأجدادهم أو ليكون تجديد الإقامة تحت رحمتهم والقسم الباقي عملت جاهدةً على طرده في الحال، وبدأت معركة الهويّات الحمر في النّاصرة لمنع ترحيلهم وبدأت كذلك معركة البقاء في أرض الأجداد، وننشِد معًا نشيدًا طالما أحبّت رفيقتنا أوديت إنشاده:

عليك منّي السّلام يا أرض أجدادي
ففيك طاب المقام وطاب إنشادي

حضر الرّفيق صُبحي السّروجي، أبو عاطف، إلى دار جدّتها ليسأل عن خالها إيليا نمر، حيث كان أبو عاطف ورفاقه يجمعون المؤن للسّكّان المحاصرين في الحارة الشرقيّة، وحين سألته أوديت عن هويَّته قال لها نحن من عصبة التّحرّر وبعد أن فسّر لها غايته من زيارته، حملت أوديت ابنة الخامسة عشرة، بمبادرتها الخاصّة، سلّتها غير آبهةٍ بذئب الغاب وبدأت تجمع المؤن من الجيران لتُسلّمها للرّفاق في الجابية، والجابية هي عبارة عن المكان الذي يسقون فيه الماء للدّواب والمواشي ويُطعمونها، فضلاً عن وجود العلف وبعض المواد الزّراعيّة، وحين وصلت الجابية لم تجد فيها أحدًا، لأنّ العسكر نقل المُعتقلين بالحافلات إلى المسكوبيّة، فسارت مشيًا على الأقدام وفي عزّ الحرّ إلى هناك.
تقول الرّفيقة أوديت:"رأيت هناك شيئًا زعزع كياني، رأيتُ بطولة قلّ مثيلها، رأيتُ النّساء والرّجال يفترشون الأرض أمام شاحنات التّرحيل، وحين سألتُ عنهم، أجابوني إنّهم الشّيوعيّون أعضاء عصبة التّحرّر الوطني".
فقد قال شاعر الشّعب توفيق زيّاد:

قالوا شيوعيّون، قلتُ أجلّهُم
حُمرًا بعزمِهم الشُّعوب تحرَّرُ
قالوا شيوعيّون، قلتُ منيّةً
موقوتةً للظّالمين تقدّرُ

 وتُتابع حديثها:"وأعجبتُ بهم وببطولتهم، وسألتُ نفسي كيف يُضحِّي هؤلاء بأنفسهم من أجل بقاء غيرهم، الأمر الذي فتّح آفاقي وحبِّ استطلاعي وبدأت أقرأ أدبيّات العصبة واشتركت في عدّة ندوات وفعّاليّات لجمعيّة النّهضة النِّسائيّة التّابعة لعصبة التّحرّر حيث كان مركز الجمعيّة في بيت الرّفيقين زكريا وإسماعيل توما قرب المسكوبيّة، وأوّل محاضرة كنت قد استمعتُ إليها واستمتعتُ بها كانت للرفيق فؤاد خوري، أبو جابر، عن دور المرأة في المجتمع، حيث أعطى مثالاً عن دورها في مجتمعنا: بأنّ الطاولة ترتكز دائمًا على أربعة أعمدة ودور المرأة هو كدور ركيزة هذه الطّاولة فإن كُسِرت هبطت الطّاولة وطار كلّ ما عليها، واختلّ توازنها وبَطُل استعمالها وتُرمى بعدها في المزبلة أو تُحرق وهكذا كان لي الشّرف أن أتعرّف عليهم وأنتسب إليهم".
انتسبت الرّفيقة أوديت إبراهيم حنّا نمر إلى الشّبيبة الشّيوعيّة في مدينة النّاصرة قبل
ثمانيةٍ وخمسين عامًا، في العام ألفٍ وتسعِمائةٍ وواحد وخمسين، حيث كان عمرها خمسة عشر عامًا، وبعد قبولها عضوًا في صفوف الشّبيبة ناشدت بنفسها جميع الرّفاق والأصدقاء بأن يدعوا أخواتهم وصديقاتهم للانضمام للشّبيبة حتّى تكون بالفعل شبيبة تضمّ شبابًا وشابّات، ويكون شعار المساواة والوحدة الوطنيّة صحيحًا "وحدة وحدة وطنيّة الشّب بحدّ الصّبيّة" وقد لاقى نداؤها آذانًا صاغية واستطاعت أن تؤسّس أوّل خلية شبابيّة تضمّ رفاق ورفيقات من النّاصرة وقد كانت اللقاءات تُقام في نادي النّهضة النّسائيّة، وحين بلغت الثّامنة عشرة قُبِل طلب انضمامها للحزب الشّيوعي، عام ثمانية وخمسين من القرن الماضي.

 

فتحية عوايسي واوديت نمر:
شهادة تقدير من مدرسة الزهراء بمناسبة يوم المرأة سنة 2009


تذكر أنّها شاركت مرّة في مظاهرة رفع شعارات للشّبيبة في النّاصرة حيث كان صوتها يصدح عاليًا بالهتافات الدّاعية إلى سقوط الحكم العسكريّ وتحرير الأسرى والمعتقلين وعودة اللاجئين وتقول الرّفيقة أوديت:"وإذ بالشرطة تحضر لاعتقالي فهربتُ، وكنتُ ألبس بلوزة بلونين مختلفين، وكان اللون الدّاخلي يختلف عن الخارجي، وحالاً غيّرت بلوزتي حيث أصبح اللون الدّاخلي خارجيًّا وهكذا لَم تستطع الشّرطة معرفتي مع أنّي مررتُ بقُربهم ونجيتُ من الاعتقال". 
رفض الحاكم العسكري إصدار تصريح لمظاهرة الأوّل من أيّار في النّاصرة التي دعا إليها حزبنا الشّيوعي في العام ألفٍ وتسعِمائةٍ وثمانية وخمسين، سنة العاشورا أي مرور عشر سنوات على الاحتلال، بعد أن أفشل رفاقنا احتفالاً كانت قد أقامته الحكومة ليكون احتفالاً مركزيًّا بعيد الاستقلال في النّاصرة تُظهر فيه للعالم مدى رضا وسعادة عرب فلسطين لقيام الدّولة، وقرّر رفاق الحزب في اليوم التّالي تنظيم مظاهرة كبيرة وتجنيد جميع رفاق المنطقة لإنجاحها كردٍّ على احتفالهم وقد أتت وفود القرى المجاورة إلى النّاصرة ليلاً وتوزّعوا على المناطق المحيطة بالمكان المعدّ لانعقاد المظاهرة، وقد كان ردًّا ملائمًا للحاكم العسكري وزمرته وأعوانه، وصفعة في وجه كلّ متطاولٍ على حقّ رفاقنا في التّظاهر ضدّ الاحتلال ومن أجل العودة وحقوق العاملين، وكان على رفاقنا الإثبات أنّهم "قدِّ التَّحدِّي وغصبن عن بن غوريون والبوليس وما لفّ لفّهم وكانوا على قدِّ الحِمِل.."
وتقول الرّفيقة أوديت نمر:"لقد أرسلني رفاق الحزب إلى منطقة تواجد رفاقنا من القرى المجاورة ليبدأوا في التّحرّك وقد تعالت حناجر الرّفاق بالهتافات المنادية بسقوط الحكم العسكري وبحياة عبد النّاصر، وقد استطاع رفاق الشّبيبة تجنيد غالبيّة أهل النّاصرة، بعد أن أفشلنا احتفالهم الذي تحوّل إلى احتفال هشٍّ وراقصٍ على هزّات خصر فايزة رشدي ونغمات عود وصوت موشيه إلياهو ومقدِّمة البرامج ليلى نجّار حيث انضمّ المشاركون في ذلك الاجتماع إلى مظاهرة حزبنا وبدأوا بترديد هتافات رفاقنا لنصرة شعبنا وحزبنا، فبعد أن حاولوا الاعتداء علينا هتفنا سويَّةً شعبنا شعب حيّ دمنا ما بصير ميّ، وقد أقنعنا جميع المشاركين بأنّ احتفال الحكومة هو رقص على قبور شهدائنا واحتفال بتشريد شعبنا ونشبت اشتباكات دامية بين رجال الشّرطة والمتظاهرين واعتُقل يومها حوالي تسعمائة معتقل".

 

اعتُقلت في عام ألفٍ وتسعمائة وثمانية وخمسين، بعد النّجاح الكبير لمظاهرة الأوّل من أيّار في النّاصرة وقد حُكِم عليها بالسّجن مدّة شهرٍ مع دفع غرامة ماليّة قدرها خمسين ليرة وإن لَم تدفع الخمسين ليرة تُسْجن شهرًا آخر، فقد قال لها القاضي:
"حتّى تتعلّمين من صغرك عدم إلقاء الحجارة وعدم تجنيد الأطفال للقيام بهذا العمل" لأنّ مهمّتها كانت في تلك المظاهرة تجنيد وحشد أكبر عدد ممكن من الأطفال للمشاركة في مظاهرة الأوّل من أيّار وحين نجحت في هذا التّجنيد "طار ضبان عقلهم".
لقد كانت حياة السّجن حياة سياسيّة نشِطة ونقاشات حادّة وجادّة بينها وبين السّجينات وحين دعتها مديرة السّجن، عراقية المولِد، لجلسة استفسار حول حلقاتها السّياسيّة داخل السّجن، استطاعت أن تُمرّر للسّجّانة موقف الحزب من النّضال العربي اليهودي وحلّ القضيّة بدولتين للشّعبين وحدّثتها عن قرار التّقسيم الأمر الذي أثار استغرابها لجهلها مواقف حزبنا الأمر الذي زاد احترامها لأوديت. لقد علّمت وأنشدت داخل السّجن أناشيدنا الثّوريّة مع سجينات يهوديّات من أصل أوروبي شرقي، فقد أنشدت معهنّ نشيد القرى الثّائرة ويا شعوب الشّرق، وحين خرجت من السّجن قُمن بتوديعها والعبرات تقطر من مآقيهنّ، كذلك استلمت من مديرة السّجن أجر الطّريق.
لَم يثنِها السّجن عن مواصلة الطّريق، فقد تحرّرت يوم الجمعة من سجن نافيه
ترتسا، يوم صدور صحيفة الحزب الاتّحاد، فذهبت حال وصولها مدينة النّاصرة إلى المقرّ لتأخذ مكانها في توزيع الصّحيفة وتذكر أنّها وزّعت في منطقة السّوق كميّة مضاعفة من العدد الذي كان يوزّع عادةً، وقد لاقت تجاوبًا كبيرًا وتضامنًا عظيمًا من أهل البلد وبعدها وزّعتها في الحيّ النّمساوي. وقد كتبت، لاحقًا، مقالاً في مجلّة الغد بعنوان "عادات وتقاليد تسقط أمام الإرهاب" تبيّن فيها أنّ اعتقال النّساء لأسباب وطنيّة ما هو إلا وسام شرف لها، وتسقط باعتقالها كلّ العادات والتّقاليد.
حين كانت غائبة عن قيامها بالواجب بتوزيع الصّحيفة، عندما كانت في المعتقل، قامت جدّتها ابنة الخمسة والسّبعين عامًا وهي تتّكِئ على العكّاز، بتوزيع الاتّحاد في منطقة العين وكذلك جمعت التّبرعات لنصرة الأسرى والمعتقلين.
كذلك كانت الرّفيقة أوديت نمر عضوًا في جوقة الطّليعة للإنشاد حيث كانت من مجموعة ألتو وكانت ألسّولو في الألتو.

 


سهام بلال - اوديت نمر - وفاء زعبي - آمنة صبيحي - مريم عبداللة - ماري حوا قبطي - ايهاب نمر

 

 لقد تأسّست الجوقة في شهر أيلول من عام النّكبة، في مدينة النّاصرة وذلك
خلال أحدى اجتماعات عصبة التّحرّر الوطني. وتصوّروا التّوقيت، بعد الاحتلال تتأسّس فرقة للإنشاد! وإن دلّ هذا على شيء، فإنّه يدُلّ على روح المقاومة  والتّضحية ورفض الذّل والعنصريّة وقبول الإخاء والتّسامح وأخذ كلّ ذي حقّ حقّه.  وتذكر الرّفيقة أوديت أنّه حين أنشَدوا، في الاجتماع، مع فرقة "رون" لفرع الحزب الشّيوعي في تلّ أبيب نشيد الأمميّة، تأثّروا كثيرًا وثارت في نفوسهم النّشوة وعزّت عليهم عدم معرفة كلمات النّشيد بالكامل أو لحنه، وأرادوا حفظ هذا النّشيد، فتوجّه الرّفاق بشارة عبّود وصليبا خميس وحنّا أبو حنّا إلى الموسيقار ميشيل درملكنيان الّذي كان حاضِرًا  الاجتماع وشاوروه في الاقتراح وقد بارك الفكرة حيث أخذت التدريبات مجراها. واستأجروا غرفة قبالة المسكوبيّة واستأجر الموسيقار ميشيل درملكنيان البيانو من حيفا ونقله إلى النّاصرة.
بدأت الفرقة كجوقة للرّفيقات وبعد ذلك انضم بعض رفاق الشبيبة إلى الجوقة.

 

كانت جوقة الطّليعة تُحيي المهرجانات والمؤتمرات الّتي كان يُقيمها الحزب
بأناشيدها الثّوريّة والوطنيّة المحليّة والعالميّة وكذلك كانت تجوب القرى والمدن.
وكان حضورها في كلّ مناسبة من أهمّ أسباب نجاح الاجتماع، مع أنّ آلات الجوقة الموسيقيّة كانت عبارة عن عود، كمان وطبلة، وكانت في النادي آلة رابعة هي البيانو.
تقول الرّفيقة أوديت:" دُعينا إلى كفر ياسيف لإحياء مهرجان شعبي هناك، وكان التّنقّل بين القرى والمدن بتصريح من الحاكم العسكري الذي رفض إعطاءنا إيّاه فما كان منّا إلا السّفر دون تصاريح وسافرنا في حافلة نقل مواد بناء، تراكّ، واعتقلتنا لعدم حيازتنا على تصاريح، من التّاسعة مساءً إلى الثّامنة صباحًا، وقد أنشدنا طيلة تلك الليلة أناشيدنا الشّعبيّة والثّوريّة، قرقعناهم، حيث كان السّجن في تلك الليلة مكانًا للتّدريب على الإنشاد، وقد أفرجَ عنّا في اليوم التّالي..

 

وتذكر رفيقتنا أوديت أنّ رئيس جمعية مكافحة السّرطان في الناصرة، السيِّد نعمة
أيّوب، قد دعا فرقة الطليعة لإحياء أمسية لها في سينما أمبير، حيث كان الحضور غفيرًا، وقد بدأوا الاحتفال بنشيد العودة، حيث كانت الرّفيقة عفاف ديب تدخل النّشيد بأوّل سولو وبعدها تدخل الرّفيقة أوديت بالسّولو الثّاني، وخلال النّشيد قطعوا التّيّار الكهربائي عن القاعة، لكنّ الشّموع المُحضَّرة للحظات كهذه، لأنّنا كنّا دائمًا على استعداد لكلّ طارئ، أضاءت المسرح واستمرّ الإنشاد في الظّلام وبدون مكبّر صوت، الأمر الذي أثار إعجاب الجمهور الغفير الصّامت والسّامع بكلّ حواسه وكانت موجات التّصفيق تهزّ جدران قاعة السينما! "بالفعل كنّا الطّليعة".

 

أرسل الحزب الشّيوعي الرّفيقة أوديت للدّراسة في الاتّحاد السّوفييتي، في المعهد
العلمي بموسكو على اسم لينين، في العام ستّة وستّين من القرن الماضي، موضوع
العلوم السّياسيّة والاجتماعيّة، حيث ما زالت تُتقن اللغة الرّوسيّة إلى يومنا هذا، وبعد أن تخرّجت من الجامعة وعادت إلى البلاد، قرّر الحزب تفعيلها، تقديرًا لنشاطها ومكانتها، في إطار حركة النّهضة النّسائيّة التي أصبحت بعدها حركة النّساء الديمقراطيّات، حيث تعرّفت على مشاكل المجتمع عامّة والنّساء خاصّةً وأهميّة دمجهنّ في العمل السّياسي.
"رفضْتُ اقتراح ترشيحي، من قبل الحزب، لعضويّة اللجنة المركزيّة مرّتين، وذلك لأنّني أردْتُ أن أكون مع القاعدة وأعمل مع النّاس وأتجوّل وأعمل بينهم في  مدينتي وفي فروع المنطقة وتعوَّدْتُ على هذا العمل ولا أريد تغييره، لأنّني أريد أن أربّي أجيالاً تحمل راية الحزب وتحميه برمش العين عن اقتناع، ولذلك عُيِّنتُ سكرتيرة حركة النِّساء الديمقراطيّات في منطقة النّاصرة".
اشتركت في جميع دورات الحزب القطريّة التي كانت تُقام في الكيبوتسات وفي
الدّورات المحليّة التي كانت تُقام في فروع المنطقة، وقد تأثّرت جدًّا بالرّفاق
المحاضرين ممّا شدّ من عزيمتها بصدق وصحّة اختيارها لهذه الطّريق.
تتابع الرّفيقة أوديت نمر حديثها:"بعد انهيار النّظام في الاتحاد السُّوفييتي، كادت الأمور تضيع من بين أيدينا فقرّرتُ أن أتابع عملي في الحركة النِّسائيّة رغم شِحَّة الموارد، فقمنا باستئجار مكان وحوّلناه إلى مخيطة وبدأنا نعمل في الخياطة بالأجرة على أن تأخذ الخيّاطة قسمًا من المبلغ والباقي للنّادي النّسائي كذلك قمنا بتنظيم رحلات سياحيّة إلى مصر وأوروبا وهذا أيضًا كان موردًا للمال لتغطية مصاريف فعّاليّاتنا ومشاريعنا، كذلك أقمنا دورة خياطة وأشغال يدويّة وعملتُ في هذا الإطار محترفة دون مقابل..".
لقد حصلت على أوسمة تقدير واعتزاز من منطقة النّاصرة للحزب الشّيوعي ومن رئيس بلديّة النّاصرة الرّفيق رامز جرايسي ومن الجبهة الدّيمقراطيّة، القطريّة، ومن الطّلاب الثّانويّين في مدرسة الزّهراء البلديّة حصلت على شهادة تقدير.

 

الرّفيقة أوديت إبراهيم حنّا نمر مناضلة وثائرة على الظّلم والاحتلال والتّمييز العنصري والاضطهاد، مناصرة للحقّ مهما كان الثّمن فمنذ شبابها المُبكّر خاطرت بحياتها من أجل عودة اللاجئين وضدّ التّرحيل ومن أجل مساواة المرأة بالرّجل، قياديّة من الصّفوف الأماميّة المواجهة دفاعًا عن السّلام العادل والثّابت في منطقتنا، حياتها ما زالت حياة غزيرة بالعطاء والوفاء والحبّ.

 

فيا رفيقتنا أوديت لكِ منّا كلّ الوفاء والتّقدير والمحبّة ونتمنّى لكِ الصّحّة والعافية والعمر المديد والعقل السّديد، أبدًا على هذه الدّرب. 
ونهتف مع هذه الشّيوعيّة العريقة والإنسانة المناضلة عاليًا قول الشّاعر الكبير عبد الكريم الكرمي، أبو سلمى:

قالوا: شيوعيّون.. قلت: أجلّهم قولاً ومبدا
هذي المطارق والمناجل تحصد الظلام حصدا
وتحرّر الإنسان حتى لا ترى في الكون عبدا

قد يهمّكم أيضا..
featured

كل حليف لواشنطن، حليفٌ للاحتلال الاسرائيلي!

featured

"شر البليّة ما يضحك"

featured

طالما يصرون على الفحيح لن يرى السلام النور

featured

إنه الاستعمار يا غبي

featured

الثورة السورية في اطارها الصحيح ..!

featured

صباحك سلام يا طمرة

featured

الفرح الإنسانيّ

featured

لـمْ تَـعُـد الأغـانـي ضـلالاً ولا تـضـلـيـلاً