يوم الارض بدونك؟

single

حبذا لو ارجأت رحيلك.. توفيق زياد في ذكرى ليوم الأرض

 

    أمر الوزير وأمر الوزير مطاع.
    أمر الزمن أن يتحرك إلى الأمام، فما كان للزمن سوى أن يتحرك إلى الأمام! وبسبب "ذكائي" الخارق، صدقت الوزير في مسألة التوقيت. لم آبه بسخرية زوجتي وهي تراني "اربط" الساعة الرنانة، على الثانية بعد منتصف الليل، كي استيقظ، انهض من فراشي، أقدم ساعتي ساعة، ثم أعود إلى الفراش، محاولا استئناف نومي وحلمي.
    وليس كثيرا على أي فرد من شعب الرب، ان يأمر، لا رعاياه فقط، بل ان يأمر الرب فيطيعه! ألم يفعلها حين كان يشوع بن نون، بحاجة إلى بعض الوقت لانجاز مهمته في مدينة جبعون؟!
    تقول الرواية التوراتية، ان يشوع فرض على اريحا – معتمدا على ان الرب يحارب معه –حصارا دام سبعة ايام ( حصار غزة مستمر منذ سنين). كان سورها يحول دون اقتحامها، فاذا بالهتاف الشديد الصادر عن حناجر بني اسرائيل، يقوّض السور، فينقض أبناء "المتحررين" من عبودية مصر، على المدينة . يقتلون من فيها، ويبيدون ما فيها، ويتركون اقدم مدينة في التاريخ، قاعا صفصفا. وكله بأوامر ربانية! وحدها راحاب، صاحبة أقدم مهنة في التاريخ، تنجو، مكافأة لها على ما اقدمت عليه من خيانة مدينتها، وارشاد الغزاة على مداخلها السرية!
    ثم انتقل يشوع ومحاربوه الى مدينة عاي، فلقيت المصير ذاته، قتلا وتدميرا واحراقا، ثم الى مدينة جبعون...
     هنا كان خليفة موسى بحاجة الى بعض الوقت لانجاز مهمته. أمر الربَّ فامتثل للأمر. فاذا بالشمس تتشبث بموقعها لاهبة متأججة، يوما كاملا، حتى تنتهي طقوس القتل والتدمير على هدي نورها، اذ لم تكن البروجكتورات ذات النور الساطع، قد وجدت بعد، ولا الآلات التي تجرف الاشجار في الضفة والقطاع قد بدأت نشاطها بعد. اما كان بالامكان اذًا، تمديد فترة حياتك، بضع سنوات أخرى، كي تواصل أعمال الصيانة والحماية، للشارع الوطني الذي شققته وصحبك، طريقا معبدا لجماهيرنا ولصبية الدراجات الهوائية ايضا ؟!!
حبذا لو ارجأت رحيلك.
أنت تعرف ما اقصد يا أبا الامين.
ففي ذات يوم من أيام آذار الهدار سنة 76، وحين كنتم محاصرين في قلعة شفاعمرو، يحف  بكم الضعفاء والمهزومون والمتواطئون، لم تبتلع لسانك، ولم ترهبك حشود الجنود المتربصين بكم حول القلعة. بل اطلقته مجلجلا، بحسك الوطني المرهف، وبنظرتك الثاقبة البعيدة: "الشعب قرر الاضراب "! كنت تدرك انك محاصر فعلا، لكنك كنت تدرك ايضا، ان محاصريك محاصرون بحشود الشعب الذي نطقت باسمه، فكان يوم الارض الذي صنعت أنت ورفاقك القلائل، وحرصتم على تشحيم عجلاته الوطنية في كل ذكرى، كي لا تتآكل او تصدأ.
فهل ما زالت الذكرى هي الذكرى بعد رحيلك؟
لا أظن!
    لقد بات من كانوا يعتبرون احياء الذكرى بدعة، ومن لم يكونوا ينصاعون لقرارات القيادات العربية، وبات المضاربون بأسهم البورصة الوطنية، يتصدرون المسيرة، ويصمت صناع يوم الارض الحقيقيون، لا ضعفا بل حرصا على ما تم التوافق على تسميته "وحدة الصف"!
    لقد تم انتهاك هذه الوحدة يا ابا الامين! والمنتهكون ليسوا سوى رفاقك!
    كأني بك تسألني غير مصدق : ماذا فعلوا ؟
    فاقول : كانت الحشود تلتحم ببعضها، ولا يرتفع في سمائها سوى العلم الذي دفعت حياتك ثمنا لرفعه، عندما كان الآخرون المراهقون يرفعونه للتوريط او الايقاع بالنضال الواعي.
   وفجأة... فجأة ارتفع علم أحمر! أهذه عملة يعملها وطني؟!
    بل إن رفاقك هتفوا ضد من افتى بجواز غزو سوريا، على غرار غزو العراق وغزو ليبيا!
    لم ينتبه الكَتبة الجدد، الذين اخذوا على عاتقهم كتابة تاريخنا في هذه البلاد، الى القبعات الخضراء والرايات الصفراء في هذه السنة، وفي كل سنة، بل لم ينتبهوا الى الحطة العراقية الملفوفة "كرادية"، على رأس واحد أو واحدة ممن يتقدمون المسيرة!
     وهؤلاء الكتبة الجدد، درجوا على كتابة تاريخنا بطريقة حديثة متطورة، معتمدين صيغة المبني للمجهول او ما يوازيه، فيوم الارض "وقع"! ولجنة الدفاع عن الارض "أقيمت"! ولجنة المتابعة "اُنشئت"! ومعارك النضال "خيضت"!
    اما من سعى ومن أقام ومن أنشأ ومن خاض ومن قاد ومن اعتقل ومن سجن، فتوافه لا يلتفت اليها الكتبة الجدد!
    ما الحاجة الى استذكار توفيق زياد وجمال طربيه ونمر مرقس وفضل نعامنة وصليبا خميس والقس شحادة وحسن خطبا وأمين عساقلة ويونس نصار (واعتذر لعشرات الاسماء اللامعة التي نسيتها)!
   نحن فعلا في عصر الدراجات الهوائية يا أبا الامين.
    فلتعذرني، وأنا اشارك في وضع الورد على الورد، على ضريحك في الناصرة، اذا صارحتك بهواجسي. يلح علي السؤال : هل كتب على تاريخنا أن يتشوّه باسم وحدة الصف؟ ألم نتعلم من دروس أمتنا العربية حيث كانت وحدة صف زعمائها، تضم جمال عبد الناصر، جنبا الى جنب، مع الملوك والحكام، الذين باعوا فلسطين واشتروا بثمنها زجاجات ويسكي امريكية وفنادق ومطاعم في اوروبا.
    إثر فشل وحدة الصف المزعومة، انتقل بعض الزعماء العرب الى "وحدة الهدف"! وحتى هذه الوحدة لم تخلُ من مساحات شاسعة، يتسلل اليها المتآمرون والمتواطئون من شتى الانتماءات!
    فما العمل اذًا؟
    وهل نرى في آذار القادم، عددا من المسيرات، بعدد الفصائل والاحزاب والحركات الفاعلة، لكي يقف كل منها على وزنه وحجمه؟
   لا تنزعجوا، سنظل نهتف "واوحدتاه" ونفسح في المجال أمام قادة شعبنا، للتدخل فيما بيننا لرأب الصدع وإعادة الوحدة، ولو من باب رد الجميل لنا من قبل حماس وفتح! 
        وازياداه......

قد يهمّكم أيضا..
featured

للتطاول أيضا توجد حدود

featured

المربي شوقي حبيب .. من طلائع الجامعيين العرب - قامة تربوية خالدة

featured

الإمام الجديد..

featured

إدانة لسياسة التمييز الطبقي والقومي السلطوية!

featured

تفكيك السلطة، وتنصيب دحلان

featured

عندما يكون الانسان بلا ضمير!

featured

في الطريق إلى الاقتراع

featured

بين سلطة الجامع وسلطة الكنيسة