مفارقة أم حلم؟

single
"أنا يوسف يا أبي. إخوتي  لا يحبّونني، لا يريدونني بينهم يا أبي...".. كانت القصيدة رفيقتي وأنا أقود سيارتي في محاذاة المطار. سارحًا. صوت درويش يخفف زحمةً واختناقًا تسببه تلك "الجلطة المرورية" على مشارف تل أبيب حيث يزحف طابور من سيارات تتدفق إلى قلب الدولة النابض. فجأةً رن هاتف السيارة. حاولت إهماله لأبقى مع الكلمات وشمس صباح آذار الرقيقة. كان عنيدًا لا يكف.
صوت رجل واثق، صبّح عليّ بلغة التوراة. وكان في حديثه بعض الحدة والحزم.
"أريد أن أتحدث مع المحامي جواد بولس، يتحدث عيزر فايتسمان". هكذا بدون مقدمات مسقطًا، بثقة وربما بتواضع، ما يتقدم اسمه من وصف وموقع.
"معك جواد بولس فخامة الرئيس" أجبته. بادرني قائلاً: "استلمت منك رسالة وأريد أن تعرف أنها الأكثر قسوةً عليّ. أعمل في السياسة عقوداً ولم يخاطبني أحد بهذه اللهجة القاسية. على كلٍ أود أن أؤكد لك أنني لم أقصد ما عزوته إليّ فأنا لا أريد حرق العرب ولا المساس بهم. في جميع الأحوال إن مست أقوالي المنشورة في الصحف بك أو بغيرك، فأقدم بهذا اعتذاري لكم". انتابني انفعال لم أخفه. شكرته قابلاً الاعتذار. لم يقبل إنهاء المحادثة فاقترح أن نلتقي لأنه يرغب بمحادثة أطول وأعمق. وافقت وحدد موعدًا لاءم أوقاتي، إذ كنت على سفر لبضعة أيام. كان اللقاء وكان فريدًا. عنه سمع بعض الأصدقاء المقربين وفي طليعتهم الراحل الكبير فيصل الحسيني الذي أطلعته على ما دار من حديث في السيارة وفي اللقاء أيضًا.
لست من مدمني قراءة الصحف العبرية، لكنني أذكر أنها الصدفة التي أتاحت أن أقرأ تصريحاً على لسان رئيس الدولة في حينه عيزر فايتسمان، عنوانه أكد أنه "يجب حرقهم جميعًا فلا يمكن أن تجد إبرة في كومة قش" هكذا قال، على خلفية سلسلة تفجيرات حافلات ركاب في القدس وغيرها أودت بحياة عشرات الأبرياء. استفزني تصريحه فكتبت رسالة قاسيةً مستنكرًا عليه دعوته لحرق جميع العرب وأكثر.
بعدها بسنوات تورط فايتسمان في قضية مالية وقضي أن ينهي عمله وولايته وإبقاء بعض الاحترام لتاريخ رجل قدم ما قدم لشعبه ودولته! كان وضعه الصحي مترديًا وأطباؤه قرروا لزوم علاج قلبه الضعيف بشكل لا يحتمل التأجيل. أخبره الأطباء بإمكانيتين متاحتين. الأولى أن يستدعي طاقمًا طبيًا من أمريكا متخصصًا لإجراء ما يلزم، والثانية أن يقوم أطباء محليون بالمهمة.
المشكلة، هكذا قيل لفايتسمان، أن الطبيب المحلي المؤهل لهذه المهمة هو عربي!
في صبيحة يوم جمعة اتصل مدير مستشفى رامبام في حيفا بالدكتور منذر بولس واستدعاه ليحضر فورًا إلى المستشفى فعليه أن يعاين ومن ثم يعالج رئيس الدولة، فهذا آثر، وبحزم، أن يكون الطبيب هو الطبيب المحلي العربي. كان لقاؤهما وكانت العملية وكان نجاح وكتبت تلك الصحف أن طبيبًا عربيًا أصلح قلب رئيس الدولة.
في إحدى زياراته طلبت من أخي منذر أن ينقل تحياتي إلى فايتمسان. تردد منذر، لكنه نقل التحية وكانت أكثر من تحية وأقرب إلى رسالة.
أنهى فايتسمان ولايته وحظيت الدولة برئيس يدعى كتساف. وها هو الرئيس يتورط ويدان بتهم مشينة ومخزية. في المحكمة المركزية في تل أبيب قلب الدولة النابض بالمال والأعمال والجريمة يرأس عربي اسمه جورج قرا هيئة من ثلاثة قضاة ويقضي أن رئيس الدولة مذنب بما نسب إليه من أفعال اغتصاب وتحرشات وغيرها.
أهي المفارقة وحدها؟ رئيسان لدولة، تتآكل أعضاؤها وتعطب يومًا بعد يوم، قلب الأول يصلحه طبيب عربي ويمده بالصحة وبالحياة وقلب الثاني يخمد شره قاضٍ عربي ليقي من شره وشر أمثاله مجتمعاً ينوء بأشرار ورذيلة!
أهي المفارقة وحدها؟ أم هي طبيعة الحياة وواقع حال هذه الدولة وكيف لها أن تكون. واقع يشوهه مجرمون لا يمثلون أمام قضاء وعدل. مجرمون، بعنصرية وحقد أعمى يخصون الحياة الإنسانية ويغتصبونها يوماً بعد يوم.
مجرمون مصممون على أن ذلك الطبيب وذلك القاضي ولمن ينتمون أعداءُ لهذه الدولة. أغيار وغرباء لا مكان لهما ولقومهم هنا.
أهي المفارقة وحدها؟ أم هي شظايا لمرآة الديمقراطية تتكسر بأيدي أعدائها من عنصريين لا يهدأوا ولن يكلوا؟
هو واقع الحال وما يجب أن يكون، فنحن قوم نصرّ على الحياة، بقلوب سليمة ومعافاة، لنا ولغيرنا. نمقت الشر والجريمة وندينها بيننا وعند غيرنا. نحن قوم نريد أن نعيش هنا وعلى أرضنا. فحكاية الرئيسين عندي هي أكثر من مفارقة وأقرب إلى حلم يبدده واقع ما يحصل في هذه الدولة ولا أقلّ ما يحصل بيننا كذلك!.
قد يهمّكم أيضا..
featured

في رحيل الأحباء

featured

العلم في الصغر كالنقش في الحجر

featured

- احتشاء عضلة القلب –

featured

حفلات التكريم

featured

ثلاثة عَجَزَة، وحدهم في جَيْب معزولون

featured

سلام الشعوب بحق الشعوب!

featured

البندقية سيدة الموقف في نهج حكام إسرائيل

featured

حذار من سياسة دق الاسافين!