الروافع المساندة لموقف الرئيس الأميركي

single

رفع الرئيس الأميركي باراك أوباما درجة أهمية إقامة دولة فلسطينية إلى مستوى يتطابق مع درجة تحقيق وحماية المصالح الأميركية، وهو تطور مهم وغير مسبوق في الخطاب الأميركي وفي كيفية التعبير عنه، وقد أكدت هذا الموقف شخصية أميركية غير دبلوماسية هو رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأميركية حينما بادر وطلب اللقاء مع الرئيس الفلسطيني في واشنطن، وأبلغه باعتباره قائد الجيوش الأميركية حرصه على عودة 230 ألف جندي أميركي إلى بلادهم سالمين من العراق وأفغانستان، وأن ذلك مرتبط بنجاح سياسة أبو مازن، والذي سأل الجنرال مندهشاً: كيف؟ فرد عليه القائد العسكري بقوله: إن عودة الجنود الأميركيين إلى بلادهم مرتبط بنجاح إقامة دولة فلسطينية، والإدارة في واشنطن وصلت إلى قناعة مفادها أن أحد أهم أسباب استمرار التوتر والحروب والإرهاب على امتداد العالمين العربي والإسلامي هو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي لا يحل ولن يهدأ من وجهة نظر صاحب القرار في واشنطن سوى بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
إلى هذا المستوى وصل الاهتمام الأميركي وإلى هذا الحد تبد إقامة دولة فلسطينية ضرورة أميركية، وبالتالي فهي سياسة تقترب من درجة أهمية حماية أمن إسرائيل باعتبارها أولوية قصوى في الإستراتيجية الأميركية انعكاساً للنفوذ اليهودي الصهيوني الإسرائيلي وتأثيره على مؤسسات صنع القرار الأميركي.
رغم ذلك لا فضل للرئيس أوباما وإدارته لخيار الدولة الفلسطينية، فقد تطور الموقف الأميركي بشكل تدريجي من موقف الرئيس جورج بوش الأب في مؤتمر مدريد 30/10/1991 إلى موقف أفضل وأوضح في عهد الرئيس كلينتون الذي جمع الرئيس الراحل ياسر عرفات مع ايهود باراك في كامب ديفيد 2000 بدون أن يتوصلا إلى حل نهائي، إلى موقف الرئيس جورج بوش الابن الذي بذل جهوداً وجمع محمود عباس مع ايهود أولمرت في أنابوليس وما بعدها، بدون أن يتوصلا إلى حل نهائي، بعد أن قدم الرئيس بوش رؤيته التي أطلقها في 12/حزيران/2001 في خطابه بقوله آنذاك " إنه أمر غير مقبول أن يعيش الشعب الإسرائيلي في خوف. وهو أمر غير مقبول أن يعيش الشعب الفلسطيني في بيئة قذرة وفي ظل الاحتلال " و " رؤياي هي لدولتين تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن " و " هذا يعني أن الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967 سينتهي من خلال تسوية يتم التوصل إليها بالتفاوض بين الطرفين، على أساس قراري مجلس الأمن 242 و 338 مع انسحاب إسرائيلي إلى حدود آمنة ومعترف بها. ويتوجب علينا أيضاً أن نحل المسائل المتعلقة بالقدس ومعاناة ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين" و " يمكن أن يتم التوصل إلى هذا الاتفاق خلال ثلاثة أعوام من الآن وستقود بلادي وأنا نشاط نحو ذلك الهدف".
هذا ما قاله جورج بوش عام 2001، ومع ذلك لم يتحقق من هذا الهدف المعلن شيئاً إلى الآن رغم مرور سبع سنوات على رؤية الرئيس الأميركي لإقامة دولة فلسطينية، بل لقد تطور الوضع على الأرض إلى ما هو أسوأ، حيث تم احتلال المدن التي سبق وانحسر عنها الاحتلال وفق اتفاق أوسلو، وتم الاستيلاء على المزيد من الأراضي وبناء المزيد من المستوطنات، سواء في القدس أو محيطها، كما تم بناء الجدار العنصري العازل.
هذا يعني أن خطاب الرئيس الأميركي في جامعة القاهرة وإصراره على حل الدولتين ووقف الاستيطان، يمكن أن يمر عليه سنوات بدون أن تتحقق مطالبه أو أي من محتوياته، ثم يتآكل الموقف الأميركي وتتراجع اهتماماته مع وقوع أحداث تفوق أهميتها من وجهة نظر المصالح الأميركية، أهمية إقامة دولة فلسطينية.
ولذلك يبقى السؤال حول كيفية بقاء الاهتمام الأميركي يقظاً ومندمجاً لتحقيق المعادلة القائمة على حماية المصالح الأميركية مع إقامة دولة فلسطينية، سؤالاً مطروحاً على العرب والفلسطينيين معاً.
إن الأمر مناط بتحقيق وتصليب عدة روافع مساندة للموقف الأميركي وهي:
أولاً الرافعة الفلسطينية صاحبة المصلحة الأولى في زوال الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال.
والرافعة الثانية هي الرافعة العربية المساندة والقادرة على جعل المصالح الأميركية في منطقتنا تنظر بعين أخرى غير العين الإسرائيلية.
والرافعة الثالثة هي الرافعة الإسرائيلية لجعل إقامة الدولة الفلسطينية مصلحة إسرائيلية بنفس القدر كمصلحة فلسطينية تحقيقاً للتعايش بين الشعبين على الأرض الواحدة، حيث لا أمن لطرف دون الآخر، ولا استقرار لأحدهما على حساب الآخر، رغم التفوق في القدرة الإسرائيلية، ورغم العدالة في الحقوق الفلسطينية.
بدون هذه الروافع الأساسية، إلى جانب الأسانيد الإسلامية والأوروبية، لن تتحقق الرؤية الواقعية الإنسانية وفق قرارات الأمم المتحدة واللجنة الرباعية والمصلحة الأميركية لأنهاء الاحتلال ونيل الفلسطينيين حقوقهم، وستبقى رؤية نتنياهو واليمين الإسرائيلي وروايته هي السائدة على الوضع في منطقتنا، وتبقى خطوته في التقدم إلى الأمام نحو قبوله النظري بحل الدولتين غير قابلة للتنفيذ بالاشتراطات التي وضعها ومع استمرارية الاستيطان وتهويد القدس واستكمال الجدار العازل.
الروافع الفلسطينية والعربية والإسرائيلية هي أدوات أوباما وهي التي ستدفع اليمين الإسرائيلي للتراجع، بدون ذلك ستبقى رؤية أوباما أخلاقية محترمة ولكنها غير قابلة للتنفيذ.


h.faraneh@yahoo.com 

قد يهمّكم أيضا..
featured

مستنقع الحكومة والتلويث الاستيطاني

featured

الشرطة في قفص الاتهام

featured

النّاهــض مــن الأزمــات

featured

من فمك أدينك!

featured

مَا مِن مجتمع متجانس

featured

مندوبة واشنطن، وقاحة وكذب

featured

صبرًا يا آل غزة فإن موعدكم النصر

featured

انفجار كذبة "القدس الكبرى"!