بانتهاء الحرب العالمية الأولى، تحقق ما كان قد حذّر منه الأمير شكيب من خيانة انجلترا وفرنسا لمواثيقهم ووعودهم للعرب وتقسيمهما للبلاد العربية، وهو الذي بدأ عندها في الدعوة إلى الوحدة العربية وعزة العرب، والذي شهد له الملك فيصل الأول بقوله لشكيب بأنه أول عربي تكلّم مع الملك في الوحدة العربية عمليًا.
كان قد كتب مقالًا تحت عنوان "النصرانية جاءت من الشرق"، أبدى فيها دفاعًا عن الشرق واصفًا إياه بالمهد الأصلي للمدنيّة، فهو في نظرهِ ينبوع المبادئ الأساسية التي تفخر بها أوروبا حيث يذكرنا أنّ المسيح قد جاء من الشرق وبتعاليم شرقية.
إنَّ الأمير شكيب أرسلان اسم غنيّ عن التعريف، فقد كان سياسيًا معروفًا، وكاتبًا يشار إليه بالبنان، وهو الرّحالة متعدد الرحلات، وهو نصير وحدة العرب وأخوة الإسلام، وهو "أمير البيان" المؤلف لعدد كبير من الكتب والآثار، وشكيب ينتمي من الناحية السياسية الطائفية الرسمية الشكلية إلى طائفة الموحّدين الدروز بني معروف في لبنان.
ولد الأمير شكيب أرسلان في 25 كانون الأول من عام 1869 وتوفي في 9 كانون الأول سنة 1946. وكان شكيب قريبًا في العمر من شقيقهِ نسيب، فكانا يظهران وكأنهما توأمان. وقد اعتنى والدهما الأمير حمود بتربيتهما وتعليمهما منذ الصغر، فقد دخل الشقيقان في المراحل الأولى من التعليم، بعد رجوع الأسرة إلى "الشويفات"، المدرسة الأمريكية بالقرية، وفي سنة 1879 دخلا "مدرسة الحكمة" في بيروت، وهي مدرسة مارونية مشهورة بإجادة تعليم اللغة العربية حيث مكث فيها شكيب مدة ثماني سنوات تتلمذ فيها على الشيخ عبدالله البستاني اللغوي الأديب الشاعر والذي كان مشهورًا بعشقهِ وتعصبهِ للغة العربية والدفاع عنها بكل علمهِ ومعرفتهِ وجوارحهِ. والشيخ عبدالله البستاني هو صاحب المعجم اللغوي المعروف "البستان". وعند زيارة الإمام محمد عبده مدرسة الحكمة آنذاك، أعجب الإمام بشكيب الفتى الذكي الذي بدأ بقول الشعر، وتوسّم فيه ذلك الشاب الذي يتوقع له مستقبلًا زاهرًا، ومنذ ذلك الحين توثقت علاقة شكيب بالإمام فتأثّر بهِ وكان دائم الاستماع لهُ.
وفي أواخر سنة 1890 سافر شكيب إلى "الآستانة"، والتقى هناك بالسيد جمال الدين الأفغاني، فتأثّر به إلى حد كبير مستذكرًا مآثر الشيخ محمد عبده. وبعد ان زار شكيب فرنسا وعاد إلى لبنان، عُيّن سنة 1908 مديرًا للشويفات سنتين، ثم عُيّن في منصب "قائم مقام" لمقاطعة "الشوف" ثلاث سنوات.
وعندما صدر الدستور العثماني سنة 1908 وتألف مجلس "المبعوثان" بالآستانة في تركيا عام 1909 تمّ اختيار شكيب ليكون ممثلًا ونائبًا عن "حوران".
ومن المعروف عن شكيب أنه كان عثماني النزعة، لأنه كان يرى في الخلافة العثمانية عزًا للإسلام وقوة العرب، ومع اشتداد الخلاف بين العرب والحكّام الأتراك، حاول شكيب قدر استطاعته أن يعمل لإزالة أسباب التوتر بين الطرفين قبل الحرب العالمية الأولى، ولكنه لم يتمكن من إصلاح ذات البين ورأب الصدع بين الطرفين لما أصاب الدولة من ضعف واستبداد الحكام والولاة، وطموح العرب إلى الاستقلال والحرية.
ومع نشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1914 وانضمام تركيا إلى ألمانيا ضد الحلفاء، عيّنت تركيا أحمد جمال باشا واليًا على الشام والحجاز، وظهر للناس طغيانه وبغيه الذي أخذ يتزايد مع الأيام وكان جمال باشا يعرف ويعلم ما للأمير شكيب من مكانة رفيعة بين قومه وشعبهِ، وبالتالي فقد عرف شكيب كيف يستغل هذه المكانة لمصلحة قومه ِ، والتخفيف من مظالم وطغيان هذا الوالي حيث تشفّع للكثيرين عنده، وأنقذهم من استبداده ِ وعنفه وعدوانهِ. ومن الأمثلة على مواقف الأمير شكيب المشرفة في هذا المجال أنّ َ بطريرك الموارنة السابق المرحوم السيد الياس الحويك كان يجاهر بأنّ تدخل الأمير شكيب بينه وبين جمال باشا حال دون بطش هذه الطاغية بالبطريرك ورجال الدين أجمعين.
ويذكر الدكتور أحمد الشرباصي في كتابه القيّم عن الأمير شكيب أرسلان أنّ من أمثلة وساطة شكيب لدى جمال باشا لمصلحة العرب أنّ قرارًا صدر عن جمال باشا بنفي الشيخ خليل الخوري – وهو من كبار موظفي حكومة جبل لبنان حينئذ ٍ – إلى القدس، وبدأ النفي فعلًا، ولكنّ الأمير شكيب توسط له فأعيد الشيخ من الطريق، وفي سنة 1946 توسط الشيخ بشارة الخوري رئيس جمهورية لبنان وابن الشيخ خليل المذكور – لإعادة شكيب من سويسرا إلى لبنان ليجازي بالجميل جميلا.
ويخبرنا الدكتور الشرباصي في كتابه أن شكيب يعترف بأنه كان في أول الأمر ذا خطوة تامة عند جمال باشا، وأنه استغل هذه الخطوة لمصلحة قومه ِ، وأن العداوة بدأت بينه وبين جمال باشا بعد ذلك بسبب ميل الأخير إلى الشّدة والقسوة وتعنّته، فاتسعت الفجوة وازداد الشقاق بينهما.
*الخيانة والتقسيم*
وبانتهاء الحرب العالمية الأولى، تحقق ما كان قد حذّر منه الأمير شكيب من خيانة انجلترا وفرنسا لمواثيقهم ووعودهم للعرب وتقسيمهما للبلاد العربية، وهو الذي بدأ عندها في الدعوة إلى الوحدة العربية وعزة العرب، والذي شهد له الملك فيصل الأول بقوله لشكيب بأنه أول عربي تكلّم مع الملك في الوحدة العربية عمليًا.
ومن المعلوم عن شكيب أنه تنقّل كثيرًا في سفرهِ وإقامته لا سيما في برلين بألمانيا وفي جنيف بسويسرا. وقد كان شكيب عدوًا لدودًا لفرنسا بسبب سياستها الملتوية تجاه الشام والعرب، وقد فضح ألاعيبها مع تركيا على حساب سوريا، وسلخ لواء "أنطاكية" والأسكندرونة لتقديمهما إلى تركيا.
وكانت فرنسا قد سمحت للأمير شكيب أن يزور سوريا في صيف 1937، فاستقبل هناك استقبالًا رائعًا من أبناء وطنهِ، وسعد بتقبيل يد والدته السيدة أم البنين، وتمّ تعيينه رئيسًا للمجمع العلمي العربي بدمشق، ولكن بعد أن نقضت فرنسا معاهدتها مع سوريا، ترك شكيب رئاسة المجمع، وعاد إلى أوروبا.
وبعد زيارته لمصر عام 1939، وزياراته العديدة إلى أوروبا وبانتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وتحرّر سوريا ولينان، عاد شكيب إلى وطنه عام 1946 ليلقى ترحيبًا واسعًا منقطع النظير والمتمثّل بالأعداد الكبيرة من الوفود التي جاءت للتسليم عليه والاحتفاء بقدومه ِ. وبعد مرور كل هذه السنين من الكفاح، والمتاعب ضعفت صحته وكثرت الأمراض عليه ِ لينتقل إلى جوار ربه في التاسع من ديسمبر سنة 1946 وذلك بعد حياة حافلة بالأحداث الجسيمة والمتغيرات الشاملة حيث تمت الصلاة عليه في جامع العمري ببيروت، ودفن جثمانه في قريته الشويفات بجوار أخيه عادل أرسلان. وقد ترك الأمير شكيب بعد وفاته زوجته "السيدة سليمى الخاص بك حاتوغو" الشركسية الأصل التي تزوجها سنة 1916، وأولاده الثلاثة منها وهم: غالب، ناظمة ومي (والسيدة مي هي زوجة المعلم الزعيم كمال جنبلاط ووالدة الأستاذ وليد بك جنبلاط).
*ثروة الكتب والزيتون*
ومن اللافت أن الأمير شكيب لم يترك بعد وفاته ثروة سوى كتبهِ وبيت في برلين بألمانيا، وزيتونات في قطعة أرض بلبنان.
وقد عُرف عن شكيب تديّنه وحبّه للصلاة والقراءة والكتابة، وكان يحب الفاكهة والحلوى والرائحة الطيبة، ولا يتعاطى المسكرات، ولا يدخّن، ولكنه يشرب القهوة المرّة، وكان معجبًا بقول الإمام النابلسي في القهوة:
قهوة البن حلال وإن نهى الناهون عنها
كيف تُدعى بحرام وأنا أشرب منها؟!
وعلى الصعيد الأدبي، فقد تأثر الأمير شكيب من القدماء: الجاحظ، وبديع الزمان الهمذاني، والخوارزمي، وابن المقفع، وابن خلدون وغيرهم.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أنّ الأمير شكيب طالما تغنّى واعتزّ بعروبته وعروبة طائفته، طائفة الموحدين الدروز بني معروف، وقد كان حريصًا على تأكيد ذلك بشتّى الإثباتات والبراهين التاريخية والعرقية خصوصًا وأن بعض المعادين له كان يشيع أن أجداده ليسوا عربًا، وأنهم من الأتراك، وحجتهم أن كلمة "أرسلان" مشهورة الاستعمال عند الأتراك مع أنّ هذه الكلمة قد نقلها العرب واستخدموها وسموا بها.
وقد كان شكيب يدعو ويوصي العرب بالحفاظ على قوميتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وعدم تقليد الأجانب تقليدًا أعمى، ويرى أن يأخذ العرب منهم ما هو نافع، مع الإبقاء على هوية وشخصية الأمة العربية ومميزاتها وخصائصها الأساسية.
وهكذا كان شكيب من الرّواد الذين تصوّروا العالم العربي في العصر الحديث ممتداّ من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي. ولعلَّ هذا التطور ما جعل شكيب يطالب بلواء " الأسكندرونة " منطقة عربية سورية لا حق للأتراك في أخذها.
ويصرّ الأمير شكيب على أصالة الثقافة العربية، ويرى أنّ الذين يعتبرون العرب ناقلين مقلدين للحضارات اليونانية والفارسية والهندية هم من الشعوبية أعداء الأمة العربية. ويشيد شكيب بالزيّ العربي الذي يحافظ على تقاليد قومه، ويخالف أولئك الذين يرون في هذا الزيّ علامة تأخر أو تخلّف.
في إحدى مقالاته الطويلة يقرّر شكيب أنّ " العروبة جامعة كلية " ويتحدث في هذه المقالة على أن المسلمين والمسيحيين من أرومة عربية واحدة، تجمعهما رابطة الدم وقوتها، وأن العقيدة الدينية ليست كل شيء مشيرًا إلى الروابط التي تجمع بين المسلمين والمسيحيين كالأصل، والمصالح، واللغة، والوطن، وكيف أن نصارى العرب يرجعون إلى أصول عربية. ويتحدث أيضًا عن اللغة وإتقان الكثير من المسيحيين لها، مبيّنًا أنه ليس هناك تعارض بين الوحدة الإسلامية والوحدة العربية. ويعتقد شكيب أن العامل الاجتماعي هو أقوى عوامل الترابط بين الأمم، وأن ركنه وأساسه هو اللغة والثقافة قبل كل عاملٍ رابطٍ آخر. وهو يناشد الأمة بنبذ ونسيان الطائفية والتعصّب، ويدعو إلى المساواة بين جميع أبناء الشعب العربي في كل مكان لأن البلاد هي لأهلها وحدهم من جميع الطوائف والمذاهب. وكان شكيب قد كتب مقالًا تحت عنوان "النصرانية جاءت من الشرق"، أبدى فيها دفاعًا عن الشرق واصفًا إياه بالمهد الأصلي للمدنيّة، فهو في نظرهِ ينبوع المبادئ الأساسية التي تفخر بها أوروبا حيث يذكرنا أنّ المسيح قد جاء من الشرق وبتعاليم شرقية.
ويرى شكيب أن الوطن العربي الكبير بمسلميه ومسيحيه ينهض ويتقدم بمشاركة الجميع في خيرات بلادهم ليسود بينهم السلام والوئام، مبينًا العلاقات الطيبة بين المسلمين والمسيحيين في الوطن العربي، فهو يقول مؤكدًا أن العرب سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين هم عرب، لا يقدرون أن يتبرأوا من أصلهم، ولا أن ينسلخوا عن أرومتهم العربية. ويعتقد الأمير شكيب أن التجربة قد أثبتت أن رابطة الدين رغم أهميتها لم تكن هي كل شيء وأن رابطة اللغة ورابطة الدم لا تقلان أهمية عنها. ويضيف شكيب بأنه عند ظهور الإسلام اسلم أكثر العرب، ولكن بقي من بني غسّان ومن بني تغلب ومن لخم وجذام ومن تنوخ كثيرون من هؤلاء النصارى لم يدخلوا في الإسلام، وكذلك فإن سائر من في الشرق من المسيحيين الذين يتكلمون بالعربية لن لم يكن أصلهم من العرب الصراح، فإنهم من سلائل الآراميين أو الفينيقيين الذين جميعهم راجعون إلى الأرومة السامية التي أعظم فروعها الأمة العربية، وبالتالي فهم والعرب المسلمون من عائلة واحدة.
ويمتاز الأمير شكيب بوفائه لأصحابهِ، وثباتهِ في صداقتهِ، فإذا رحل الصديق عن الدنيا ظل شكيب وفيًا لصداقته ِ هذه ومن الأمثلة على ذلك إخلاصه ووفاؤه لذكرى صداقته مع أحمد شوقي ورشيد رضا اللذين كتب عنهما كتابين يدوران حول صداقة أربعين سنة جمعت بينهم.
ولقد كان شكيب مخلصًا لأستاذه الشيخ عبدالله البستاني، وظل يراسله طوال حياته ِ، ورثاه يوم وفاتهِ بقصيدة مشهورة. وهكذا فعل في علاقته مع أستاذه الإمام الشيخ محمد عبده.
ومما يعرف عن شخصية شكيب تلك النزعة الأخلاقية التي يتحلى بها، فهو إنسان حر، يكره الظلم لجميع الناس ويدافع عن المظلومين والمستضعفين في الأرض. وعلى صعيد الكتابة الأدبية، فقد أصدر الأمير شكيب العشرات من الكتب ما بين مؤلفة ومحققة ومشروحة ومعلق عليها.
*من كتبه المؤلفة*
الباكورة – لماذا تأخر المسلمون – تاريخ غزوات العرب – ديوان الأمير – شوقي وصداقة أربعين سنة – الوحدة العربية – عروة الإتحاد - إلى العرب – رحلة ألمانية وغيرها من الكتب التي ألّفها.
ومن الكتب التي حققها أو علّق عليها ونشرها: الدّرّة اليتيمة لأبن المقفع – روض الشقيق – تاريخ ابن خلدون – حاضر العالم الإسلامي وغيرها.
ومن مخطوطاته ِ: بيوتات العرب في لبنان – تاريخ بلاد الجزائر – حياة شكيب بقلمه – الحلة السنية – مدنية العرب، وغيرها.
وله مجلة بالفرنسية في الشؤون العربية ظل يصدرها عدة سنوات، واسمها الأمة العربية La Nation Arab .
وخلاصة القول أن الأمير شكيب أرسلان قد تناول في أدبه ِ ومقالاته مختلف الموضوعات في شتّى الميادين، فقد كتب في مسائل السياسة، والقومية، والدين، والأدب، والنقد، والاجتماع، والمفاكهة، والإخوانيات، وغيرها، فكان بذلك وافر المعلومات، والقلم بيده سيّال مما استحق أن يطلق عليه الكثيرون من أصدقائهِ ألقابًا كثيرة أشهرها لقب "أمير البيان"، ولقب "كاتب الإسلام" ولقب "كاتب الشرق الأكبر" وذلك وفقًا لما أورده الدكتور أحمد الشرباصي في كتابه عنه، فعلى روحهِ رحمات الله الواسعة، وطيّب الله ذكراه.
