جلطات سياسية

single

في غياب الحوار يكون البديل تداعيات لا آخر لها، مما يؤدي إلى تعاظم الأوهام، وقد قيل قديمًا إن الشرارة لا تندلع من حجر واحد، إذ لابد من احتكاك حجرين كي تولد. ورغم مجازية هذا القول إلا أنه من صميم التاريخ.
فالحوار يختبر منسوب الصواب والخطأ، ومنه يأتي النقد الذاتي الذي يتعرف الإنسان من خلاله على نقاط الضعف في وجهات نظره.
وما من لعبة في الحياة تتم من طرف واحد وبلا شبكة وحكام.
وما يلاحظ الآن رغم سهولة التواصل بين البشر هو أن المونولوج أصبح مناخًا سائدًا، خصوصًا في الميديا المؤدلجة، حيث يكون الفرد أسير رغائبه فقط، لا يرى غير ما يريد ولا يسمع غير صدى صوته!
إن المونولوج السياسي يحصن الأخطاء من أي نقد أو مراجعة، ومن يمارسه تأخذه العزة بالإثم، ولا يعرف شيئًا عن ثقافة الاستدراك والاعتذار.
لكن الحوار ليس هبة مجانية من التاريخ أو الطبيعة، إنه مران وتأهيل، ويشترط الاعتراف بما تسميه الكاتبة إيريس ميردوخ وجود شخص حقيقي واحد على الأقل خارج الذات، ولكي يكون الحوار حوارًا بالفعل وليس مجرد تراشق بالكلمات واشتباك لغوي، يجب أن يكون هناك إدراك بأن للآخر حقه في إبداء الرأي، والمجتمعات التي لا تمارس رياضة الحوار وهي رياضة عقلية بامتياز تصاب بتصلب الشرايين، وبما يمكن تسميته الجلطات السياسية. وحين يصبح الفرد مقياس الخطأ والصواب على طريقة السوفسطائيين فإن الحقيقة تتعدد، وتسقط القواسم المنطقية المشتركة. والمثل القائل ما من رقصة تانغو من راقص واحد فقط يقبل تأويلات لا آخر لها، في السياسة والثقافة وشتى مناحي حياتنا!
المونولوج يفاقم الأزمات بعكس الديالوج أو الحوار الذي يجعلها قابلة للانفراج، لأنه يتيح الفرصة لكل طرف كي يعبر عما يدور في داخله.
وما يسمى فلسفة تدوير الزوايا الحادة هو التعبير الأدق عن الحوار.
لكن هناك في عالمنا من يلعبون مع أنفسهم بلا شبكات أو حكام ليكتشفوا أخيرًا أن ما سجلوه من أهداف كان في مرماهم!
قد يهمّكم أيضا..
featured

الأرض والصهيونية والرابط بينهما

featured

أشجع من حصان أعمى

featured

... إكْرامِيّة...

featured

المشكلة فينا وعندنا

featured

لحماية الفلسطينيين واللبنانيين فورًا!