تعيش وتُحيي الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، ومعها القوى السلامية والديمقراطية في الشارع الإسرائيلي، في هذه الأيام، الذكرى الأربعين لهبة الأرض الخالدة في الثلاثين من آذار 1976، حيث انطلقت الشرارة الأولى من مثلث وقرى البطوف: سخنين وعرابة وديرحنا، وسقط الشهداء دفاعًا عن كرامة هذه الجماهير ومستقبلها.
اكتسبت وتكتسب الذكرى ويختلط الموضوع بالسنوات الأربعين العابرة، لتشكل مع مرور الوقت والزمن طابعًا وبعدًا نضاليًا ووطنيًا هامًا في حياة وقاموس البقاء والوجود لهذه الأقلية الباقية في وطنها، فالحدث التاريخي قد جسد ورسخ معركة البقاء في الوطن بالرغم من خطورة المرحلة الحالية في ظل سياسة نتنياهو واليمين العنصري التي تتبع أسوأ سياسة تمييزية عنصرية اقتلاعية تجاه كل من هو أصلي وعربي في هذه البلاد.
ويوم الأرض الخالد، وفي ظل الصراع على الأرض وضمن معركة البقاء والوجود والصمود. فإن هذه المناسبة الجبارة التي تحمل في طياتها كل معركة الهم الوطني والمشروع السياسي للشعب الفلسطيني ومعركة المساواة والسلام والديمقراطية لمن ترسخ وتشبث في ارض الوطن، حيث أخذت واكتسبت بُعدًا وطنيًا جارفًا، على الصعيد المحلي، وكذلك تعاطفًا عربيًا وفلسطينيًا ودوليًا، مع الحق الفلسطيني وضرورة حماية الأرض وما تبقى منها، من همجية السلب والنهب الاستيطاني الصهيوني الزاحف إلى الأمام دون توقف أو رادع من احد.
تحمل هذه الذكرى كل معاني الوطن والوطنية وكذلك معنى النضال والتضحيات، فالأرض هي محور المحاور في فرضية الصراع والملتقى الأساسي في ساحة المواجهة مع الحركة الصهيونية سارقة وناهبة الأرض الفلسطينية منذ ولادتها قبل أكثر من قرن من الزمن، وقبل وعد بلفور المشؤوم. أي منذ ان بدأت الفكرة الصهيونية تتحول إلى حقيقة واقعية وأصبحت الأرض الفلسطينية فكرتها اليومية والأساسية.
موضوعان قامت عليهما الحركة الصهيونية. الأول، وظفت نفسها لخدمة الرأسمال الأجنبي الاستعماري، ومؤخرًا الامبريالي الأمريكي على وجه الخصوص، باعتبارها تمثل الرأسمال اليهودي المنتشر في أوروبا في حينه، وهو بدوره جزء من حركة الرأسمال الاستعماري، حيث قبلت الصهيونية ان تكون الأداة والشرطي لخدمة المخططات الاستراتيجية لأكثر القوى الامبريالية عدوانية.
الأمر الثاني ان للصهيونية لا يوجد ارض بمفهوم وطن ولا تعرفه إطلاقا، على اعتبار ان للرأسمالية لا يوجد وطن، لان مجالها الجوي والأرضي هو السلب والنهب والاستغلال والعبودية لمجمل المجتمع البشري. وبما ان الحركة الصهيونية تمثل أصحاب رؤوس الأموال اليهودية الكبرى، وبمساعدة الانتداب البريطاني في فلسطين وبتشجيع أفواج الهجرة الصهيونية، تم الاستيلاء على الأرض والوطن الفلسطيني. واعتمدوا في ذلك على إنشاء صناديق وجمع تبرعات من المستثمرين اليهود وغيرهم، بهدف الضغط أكثر على كبار الملاك والإقطاعيين العرب والفلسطينيين وعقد صفقات البيع والتنازل عن مساحات شاسعة في فلسطين وتحقيق حلم بناء "وطن قومي للشعب اليهودي" وفق "وعد بلفور المشؤوم".
منذ تلك المرحلة اشتد العدوان والصراع على الأرض وما عليها بين الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والوطن، وبين الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل وأسيادهم المستعمرين. فالحركة الصهيونية وعلى مدار كل الفترة المنتهية ولغاية الآن، وهكذا ستكون في المستقبل، تسعى بكل قوة وبمختلف القوانين والحيل مستخدمة القوة تارة، وأخرى متذرعة بشتى الأعذار والاحتياجات إلى تجريد الشعب والمواطن العربي في إسرائيل من أرضه ووطنه، فهي تجد نفسها فقط على أراضي الغير.
وبما أنها هي من جاء إلى هذا الشرق وتحت كنف الاستعمار وبدعم وتنسيق معه، فميزتها وخصالها العنصرية والكولونيالية السلب والنهب والبطش والقمع والاستيلاء على أملاك الغير والسيطرة بالقوة على مخزون الأرض، عن طريق حرمان المواطن والشعب الفلسطيني عامة من فسحة الأمل في بناء مستقبله على ارض آبائه وأجداده عبر مئات السنين، فالزحف الكولونيالي الاستيطاني الصهيوني سيطر على كامل التراب والوطن الفلسطيني بالكامل، أما الهاجس والحلم الصهيوني فقد شكلا حالة نفسية على طول مراحل الصراع، وهي كيفية استلاب واغتصاب الأرض الفلسطينية. فيما ينظر المواطن الفلسطيني نظرة حقد وكراهية ممزوجة بالمقاومة والنضال على استرداد حقه المشروع والمغتصب.
الصهيونية ترى من جانبها بان المقاومة العربية لمشاريعها ومخططاتها التي لا تنتهي، هي تهديد مباشر و"إرهاب" يهدد اليهود وموجه ضد اليهود ودولة إسرائيل.
إن مقولة انه يوجد شعبان يتصارعان على نفس قطعة الأرض، هي مقولة غير عادلة وبعيدة عن روح المساواة. إذ تساوي بين السارق الصهيوني الكولونيالي الذي أتى إلى هذه الأرض والغريب عنها، وبين صاحب الأرض الأصلي الذي طُرد منها، أي تساوي بين الحركة الصهيونية وتظهرها وكأنها حركة تحرر عادلة لشعب وكأنه محروم من وطن وارض، وبين ارض ووطن تظهره وكأنه فارغ من عنصر البشر والناس وأصحابه الشرعيين، وبين حركة التحرر الوطني للشعب الفلسطيني، الذي غدرت به الحركة الصهيونية والاستعمار بالتعاون ومن خلال التواطؤ مع حركة الرجعية العربية.
الآن ونحن على أعتاب الذكرى الأربعين ليوم الأرض الخالد، إذ لم ينتهِ الصراع طيلة قرن كامل، بل في غمرة الأحداث والحروب التي افتعلتها وتفتعلها إسرائيل منذ قيامها على أنقاض بيوت وقرى ومدن الشعب الفلسطيني، الذي أصبح مشتتًا وممزقًا بعد ان حُول إلى شعب من اللاجئين، نرى ان الصراع على الأرض ما زال هو المحور والمحرك للمزيد من العنف والحروب ويستعر بزخم ونفَس الماضي، بهدف خلق وقائع جديدة على الأرض للحيلولة دون تطبيق القرارات الدولية والإتفاقات التي تم التوصل إليها في عشرات المحادثات: كامب ديفيد وأوسلو أ وأوسلو ب ووادي عربة وغيرها. وخنق وقتل وحصار الأرض المتبقية القليلة للمواطن العربي والبلدات العربية. ومنع تطورها والحيلولة دون توسيع مسطحاتها وحصارها بالأحراش والمحميات الطبيعية وغيرها. وإطلاق العنان لسياسة هدم البيت والمأوى للمواطن العربي الذي ما زال يتمسك بعروبته ووطنيته ومتجذرًا فيما تبقى له من ارض قليلة جدًا.
فوجود واستمرار الاحتلال قائمًا على الأرض الفلسطينية، فهو حجر العثرة أمام تطور المجتمع الفلسطيني من كافة الجوانب الحياتية، فهو مصدر الهم والشرور والعنف والقتل والحرب والمواجهات اليومية الحاصلة، إذ يلتهم مساحات شاسعة من الأرض الفلسطينية لصالح الاحتلال وأدواته التنفيذية وذراعه البلطجية من سوائب المستوطنين الفاشيين والعنصريين، من تكثيف سياسة بناء وتجديد وتوسيع المستوطنات وشل الحياة للمجتمع الفلسطيني وسقوط الشهداء يوميًا، بعد انهيار فرص وغياب أية أفق محتملة للوفاق والتوصل إلى السلام المنشود، فيما ينتقل الصراع من جيل إلى آخر، فالأرض ستبقى عربية سمراء، ولكن الصهيونية لم ولن تتنازل عن طبيعتها العدوانية الكولونيالية لأنها متوحشة لا تشبع والأيام ستري.
(كويكات /أبو سنان)
