خالد يا أبا خالد

single

شيّعت جماهير غفيرة من شعبنا وقواها الوطنية، وفي مقدّمتهم رفاقنا في حزب الشعب، وكوكبة من المثقفين والأدباء والصحفيين، وعدد من أعضاء اللجنة المركزية لفتح ومجلسها الثوري، وعدد من أعضاء اللجنة التنفيذية وأمين سرّها والدكتور فيّاض رئيس الوزراء وعدد من وزرائه جثمان القائد والمفكّر والمثقّف النوعي والكاتب والناقد، والمناضل الشيوعي الكبير محمد خالد البطراوي في 13/3/2011، عن عمر ناهز الثمانين إلى مثواه الأخير، مكرّما، يليق بتاريخه النضالي الطويل. وقد كلّفتني قيادة الحزب أن ألقي كلمة بإسم الحزب في تأبينه في آخر أيام المأتم.
الرفاق والاخوة الأعزّاء الذين شاركتم، وتشاركون حزبنا لهذا المأتم الحزين المهيب، وفي وداع رفيقنا ( أبي خالد البطراوي) الذي شغل طيلة حياته النضالية عضوية الهيئات القيادية لعصبة التحرر الوطني، ووريثها الحزب الشيوعي، وشغل قبل رحيله عضوية المجلس الاستشاري لحزب الشعب الفلسطيني، فباسم حزبنا أشكركم الشكر الجزيل والتقدير البالغ وأحييكم، متمنيّا أن تظلّوا أنتم وأحباؤكم بخير، وألاّ تروا مكروها في حياتكم. 
لقد وُلد محمد خالد البطراوي، في قرية أسدود عام 1928 من أسرة فلاحة ميسورة، وتعلّم في مدرستها، وأنهى الصف السابع، حين كنت انا تلميذا في الصف الرابع، وانتقل إلى مدينة المجدل (عسقلان) لإكمال الصف الأول الثانوي فيها، وكان عليه إنهاء المرحلة الثانوية وأن يتوجّه إلى مدرسة الإمام الشافعي الثانوية بغزة، وهناك انتسب لعصبة التحرر الوطني – حزب الشيوعيين الفلسطينيين-  سنة 1945، ولنشاطه السياسي الواسع بين الطلبة الذي أهّله لعضوية اللجنة المركزية لاتحاد الطلاب الذي كان واحدا من التنظيمات الجماهيرية لعصبة التحرّر، فصله مدير المدرسة ممدوح الخالدي، فتفرّغ للعمل الحزبي، وصار أحد محرّري صحيفة (الاتحاد) الناطقة باسم العصبة التي ما زالت تصدر حتى الآن في حيفا، جنبا إلى جنب مع الراحل الكبير إميل حبيبي، وهو صبيّ، كما أسهم بدور بارز في تأسيس أول نقابة للعمّال في أسدود باسم (جمعية العمال العربية) التابعة لمؤتمر العمال العرب الذي أسّسته عصبة التحرر، كما نشط مع عدد من رفاق العصبة في قرية أسدود في تشكيل تنظيم للعصبة كان على رأسه المناضل الكبير الراحل محمد عبد الرحمن زقوت، وكان هذا التنظيم السياسي الوحيد في قرية أسدود.
وحين أقامت عصبة التحرر في منتصف عام 1946 مهرجانا حاشدا في قرية أسدود ضد الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية ومطامعها، واستمرار الهجرة اليهودية، وضرورة جلاء الاستعمار البريطاني عن فلسطين، وإقامة دولة ديمقراطية مستقلة يعيش فيها الفلسطينيون العرب واليهود على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، خطّط لنجاح هذا المهرجان محمد خالد البطراوي، ورفاقه في أسدود، وهيّأوا كلّ ما يلزم لنجاحه من حشدٍ جماهيري واسع، ليس من قرية أسدود وحسب وانما من القرى المجاورة، وقد حضر هذا المهرجان فؤاد نصّار الذي تحدث باسم العصبة، وفائق ورّاد، وعبد العزيز العطي وفهمي السلفيتي وإميل حبيبي عريف هذا الحفل، ومسلّم بسيسو، وعبد الرؤوف خيال رئيس حزب الكتلة الوطنية الذي ألقى خطابا أيّد فيه مواقف العصبة السياسية، ووجهة نظرها في حلّ القضية الفلسطينية، وحضر هذا المهرجان محمد نمر الهواري قائد حزب النجادة، واسماعيل الأزهري الذي صار فيما بعد رئيس وزراء السودان، وقد ألقى محمد خالد البطراوي كلمة ترحيب بالضيوف باسم أهالي قرية أسدود.
وبعد صدور قرار التقسيم الدولي في 29/11/1947 تغيّرت موازين القوى، ونشأت معطيات جديدة محليا وعربيا ودوليا دعت قيادة العصبة إعادة النظر في موقفها، فانعقد (الكونفرنس) في مدينة الناصرة في شباط / فبراير 1949 الذي أكد: ( أنّه رغم الإجحاف الكبير بحق الشعب الفلسطيني الذي مثَّله قرار التقسيم، إلا أن العصبة تدعو الشعب الفلسطيني الموافقة عليه) لأنها أدركت حينها خطورة المؤامرة الامبريالية الصهيونية الرجعية التي تستهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني بأسره من وطنه، إذْ لم يكن الخيار الحقيقي بين إقامة الدولة الديمقراطية في فلسطين، وبين التقسيم، وانّما بين التقسيم وبين التطهير العرقي، وتشريد الشعب الفلسطيني، وتقسيم وطنه بين الضّم والالحاق وطمس الهوية الوطنية الفلسطينية، ولهذا وافقت العصبة على قرار التقسيم، وطلبت من أعضائها ومناصريها بذل أقصى الجهود والنشاط من أجل ثبات الجماهير الفلسطينية وبقائها في مدنها وقراها مهما كانت النتائج، وكان مُحصّلة هذا النشاط الوطني المثابر بقاء أكثر من (130) ألف فلسطيني في ديارهم، رغم التطهير العرقي وعنصرية الصهاينة ومجازرها.
وحين انسحب الجيش الملكي المصري من قرية أسدود ليلاً وبشكل مفاجئ، هبّ محمد البطراوي ورفاقه في حملة نشطة بين الناس يطالبونهم بعدم النزوح، ولكن معظم أهاليها أخذ ينزح نحو الجنوب، وفي 27/10/1948 دخلت القوات الصهيونية قرية أسدود فوجدت فيها (500) مواطن و (50) عضوا من اعضاء العصبة، فطردت المواطنين الى مجدل/عسقلان التي لم تسقط بعد في يد الصهاينة، وأخذت أعضاء العصبة أسرى حرب، وفي مقدمتهم محمد خالد البطراوي الذي مكث في الاسر حتى 24/3/1949 حيث أُفرج عنه، ورموه في القدس وغادر الى الخليل ومنها تسلّل الى غزة، والتحق باللجنة القيادية للعصبة التي لم يكن يوجد غيرها من التنظيمات السياسية الفلسطينية.
وفي هذه الفترة شنّ الحكام العرب وجيوشها حملة شرسة ضد الشيوعيين، وفرضت الإدارة العسكرية المصرية حكما عسكريا إرهابيا معاديا لأبسط الحريات، وحظرت التنظيمات السياسية والنقابية، وفرضت إجراء قمع شديدة كالتوقيف الإداري، والاعتقالات بالجملة، وطبقت قانون الطوارئ الذي سنّه الاستعمار البريطاني عام 1936 لقمع الثورة الفلسطينية وتصفيتها، وفي 10/7/1949 اعتقلت الادارة العسكرية المصرية محمد خالد البطراوي، وعددا من رفاقه، ورُحّلوا الى معتقل قنطرة شرق في سيناء، وأُفرج عنه وعن رفاقه بعد اعلانهم الاضراب عن الطعام عام 1951، ووضع محمد خالد تحت الاقامة الجبرية، ولكنه استمرّ في نشاطه الحزبي من موقعه القيادي كاتبا، ومحرّضا، ومثقِفا لرفاقه في خلاياهم السرية.
وفي العاشر من آب / أغسطس عام 1952، وبسبب النشاطات الواسعة التي قام بها رفاق العصبة، ومنظماتها السرية شنت الإدارة المصرية حملة واسعة اعتقلت فيها (400) مناضل من أعضاء العصبة، فاختفى أبو خالد، وتسلل لاحقا إلى الضفة الغربية وتابع نضاله مع رفاقه في العصبة، وبعد جهد استطاع أن يحصل على جواز سفر أردني باسم (حسين خليل علي)، وغادر إلى الكويت قبل استقلالها، وتابع نشاطه السري مع عدد من رفاقه، وكان وهو في الكويت يرسل الينا ونحن معتقلون في السجن الحربي ومعتقل الواحات الخارجة مساعدات مالية ساهمت في تحسين ظروف حياتنا في هذين السجنين.
أيها الرفاق والاخوة الأعزاء
إن مسيرة حياة ونضال محمد خالد البطراوي طويلة، ومثمرة، وعميقة التأثير في رفاقه، ومن عرفوه من الشباب الفلسطيني والعربي، وسيرة حياته تحتاج إلى أكثر من كتاب لتسجيلها. ومحمد خالد البطراوي المربي والمعلم والعلَم ليس بمعناه الراية الخفاقة وحسب وإنما العلَم يعني أيضا سيد القوم وكبير العشيرة، ولكن أبا خالد لم يكن كبير عشيرة أو سيد قبيلة، وإنما كان سيد الكلمة، والموقف الملتزم، والفكر التقدمي والثقافة المنطلقة من حب الناس والنضال من أجل حقوقهم، وحقوق شعبنا الوطنية والديمقراطية والاجتماعية، وبناء مجتمع الحرية والتقدم والعدالة والاشتراكية، هذا الحلم الجميل الذي ناضل من أجله أبو خالد طيلة حياته.
ستظل ذكراك خالدة يا أبا خالد في قلوب رفاقك ومحبيك
وفي نهاية كلمتي أسمعت الحاضرين بدعوة من ولده (خالد) قصيدة كان أبو خالد قد نظمها وأهداها إلي تحت عنوان (واقف بالباب)، وقمت بالرد عليه بقصيدة طويلة أخذت شكل قصيدته، تحت عنوان (والبادي أكرم)، والقصيدتان موجودتان في ديواني الشعري (صهيل الجراح).
(رام الله)

قد يهمّكم أيضا..
featured

عام أحداثه المأساوية أكبر من الهم على القلب ولكن...؟!

featured

لمواجهة وتكسير انياب الفاشية العنصرية !

featured

مبروك لفلسطين

featured

الازمة الاقتصادية تنزف مآسي اجتماعية ونتنياهو يرش ملحا على الجرح!!

featured

اليمن: حرب قذرة من أجل أموال الخليج

featured

كانوا ومازالوا معنا

featured

العلَم الذي لا يرفرفُ

featured

تناقضات وضربات قانون التسويات