-1-
هذا المثل الشعبي له أهمية لا يستهان بها من الناحيتين السياسية والاجتماعية محليًا، وعلى نطاق واسع بين أكثر الناس. وهو من أمثالنا العربية "الدارجة" لم تتناوله الأجيال، إلا بعد مئات من السنين أو بعد قرون، وبعد تجارب مرت على الإنسان، أينما كان، وبأي مجتمع فوق الكرة الأرضية.
وحري بنا ألا يهمش هذا المثل، وبعدئذٍ يُرمى بسلة المهملات كما يحصل في شرقنا العربي في هذه الظروف: المميزة بالضعف بعد القوة، والتفرق بعد الاجتماع كما يقال.
وكوننا أبناء وأصحاب أقدس منطقة في العالم، بنظر المؤمنين، ومهد الديانات السماوية الثلاث، والممر الرئيسي الهام، بين شرق الكرة الأرضية وغربها، وكون شرقنا مهد الحضارات في التاريخ، شاءت الصهيونية العالمية أو أبت، ورضي الاستعمار الغربي، أو رفض، لهذه الأسباب بعضها أو كلها، فمن واجباتنا الملحة التمسك بمضامين ومحتويات هذا المثل، واستعماله كبوصلة، لأطفالنا وشبابنا وشيوخنا، علها تبعدهم عن ظلمة التيه في صحاري الحياة المتعبة، وتهديهم سواء السبيل.
وربما ليس يرضي الكثيرين، الذين يتصيدون في المياه العكرة، التمسك بهذا المثل: نحرسه بعقولنا وعيوننا وحواسنا. حيث في هذه الايام يعيش شعبنا العربي من المحيط إلى الخليج بأقسى الظروف وأصعب المؤامرات.
ومن المؤكد ان هذا الوضع مخطط له منذ عشرات السنين على أيدي محترفين: لا ضمير لهم، دينهم دراهمهم، محاطين بعملاء وجيوش مركبة من أهمل خلق الله وانكر خلق الله وافسد خلق الله.
فها هم على سبيل المثال يعتدون على جميلات العرب، يزنون بهن ويدللون عليهن بالأسواق الرخيصة، ويتاجرون بأطفالهن، ويسرقون بترول العرب وغازهم، والتحف الثمينة من متاحفهم، ويعتدون على الكنائس والمساجد والمدارس، ويهدمون الآثار التاريخية في بلاد العرب المشهورة محليًا وعالميًا، تلك التي تدر على الوطن يوميًا ملايين الدولارات، تحت شعار مسلم ومسيحي، سني وشيعي، ودرزي، مع ان الدين لله والوطن للجميع.
ترى بأي بنك أو مؤسسة أو معهد تُصرف أو تُقبل هذه الأفكار والمعتقدات التي يطرحونها في ربوعنا العربية.
-2-
كل الرحمات تتنزل على الأديب الكبير ميخائيل نعيمة، ويا ليته بيننا ليصفعهم ويسمعهم ما قال في يوم من الأيام:
" لكل إنسان دينه، حتى الذين كفروا بكل دين، ليسوا بلا دين، فدين هؤلاء في كفرهم، ولكن قليل جدًا هم الذين بلغوا قلب الدين الفسيح، المضياف، الذي لا حد لسخائه، ولا نهاية لحنانه، ذلك لان الطريق المؤدية الى قلب الدين طريق لا يستطيع سلوكها إلا الذين اتخذوا لهم دليلًا اصدق واعرف بالطريق من دليل الحواس الخارجية.
ولو ان المنتمين الى الدين بلغوا منتهاه وأدركوا لبه، لما كان ذلك الدين مجلبة للجدال والخصام".
نعم هذا الذي يحصل في ديارنا العربية سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا أو تونس أو اليمن أو غيرها من الأقطار العربية، مجلوب بتطرية مادية مغرية ووعود تتحقق بالخيال، من الدول الأجنبية المعروفة لنا جميعًا، ولا يتجاهل حالنا هذا المشين أي إنسان عربي حتى لو كان من مرضى العقول أو القلوب.
وكون بيتنا الكبير الذي يتسع لنا جميعًا، مسلمين ومسيحيين ودروز، ولأبنائنا وأحفادنا وأحفاد أحفادنا، لم يكن بناؤه محكمًا كما يجب ان يكون البناء فجدرانه، للأسف الشديد يتخللها الثقوب والسلوع على جانب عظيم من الخزي، ومثلها الشبابيك والأبواب لا تخلو من الشقوق.
وعليه لم يكن من الغرابة في شيء ان هذه الشقوق واخواتها هي هي الأسباب التي مكنت: الحيات والعقارب وأم الأربعة والأربعين والثعالب والكلاب والضباع وغيرها من الوحوش البشرية المفترسة، من الدخول إلى دارنا العامرة بأهلها، وعليه فقد عربدت ودمرت وخربت وشردت ملايين العرب الى أوروبا وغيرها من القارات.
ولولا تمويل هذه الحركات كما قلنا وتدريبها في معسكرات دول أرقى الحضارات المزيفة في عصرنا الحديث فرنسا، بريطانيا،أميركا، تركيا،وإسرائيل لما استطاعت الوصول الى شرقنا بهذه السهولة والبساطة.
-3-
ولا بد لي من تعريف هذه الدول وزعامتها الى الذين لا يهتمون بدراسة التاريخ. مع ان دراسته والغوص في أعماقه أو السباحة بين موجاته، ذات المد والجزر لا تخلو من المتع والتأملات والتقلبات والمخاطرات.
وكوني اشك بفوزي في الغوص إلى الأعماق، للكشف عن الحقائق في صدور اولئك الذين يديرون امور تلك الدول لأني لم أتقن السباحة كما يجب في شبابي، فكيف أتقنها وقد بلغت من العمر عتيا!!
ومهما يكن من أمر، فلا بد لي من المغامرة التي قد تثير في قلوبهم الغيظ والغضب، وتزعجهم في يومهم وليلهم. مع انها تكلفني الجهد والوقت والتعب. ولست ادري هل يرغب القارئ طول المسافة أو انه يصاب بالملل؟ وعندئذٍ يتوقف على أمل ان يعود ويكمل المشوار؟
وهنا أميل إلى الرأي الذي يشدني ان اناقش عن قرب موقف زعامة تلك الدول المشار إليها سابقًا، من عالمنا العربي، المستهدف منذ عقود وقرون:
فإذا عرفنا ان الاستعمار الفرنسي في الجزائر قتل مليون جزائري وحرق الأخضر واليابس، وهتك الأرض والعرض، واستعمل من الظلم والظلام ما لم يكن في التاريخ، لدرجة ثارت ثائرة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر واصدر كتابه المشهور "عارنا في الجزائر": إذا كنا نود ان نضع حدًا لهذه الأعمال الوحشية القذرة والكئيبة، وننقذ فرنسا من العار، وننقذ الجزائريين من الجحيم، فليس أمامنا إلا وسيلة واحدة ان نفتح المفاوضات ونعقد السلام.
فهل نجرب التقرب والتودد لفرنسا مرة أخرى، لعل وعسى يتغير للأحسن والأفضل؟ مع انه قيل "من جرب المجرب، عقله مخرب!! "
واذا عرفنا ان بريطانيا هي التي وعدت الصهيونية العالمية بقيام دولة إسرائيل في فلسطين وعليه فقد كان المندوب السامي البريطاني الأول سنة 1914 يهوديًا ليدخل الخازوق في المكان المعد له دون عناء، وبالطرق والأساليب البريطانية التي يعرفها كل عربي واجنبي تمكن الشعب اليهودي من تشريد الشعب الفلسطيني وقيام دولة إسرائيل. والخليق بالذكر بعد هذا التاريخ تناست بريطانيا قرار التقسيم وأهملت قرار هيئة الأمم قيام دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل ونزع فتيل الصراع في الشرق الأوسط الا يتذكر أبناء العروبة: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.
-4-
وإذا عرفنا ان أميركا وبريطانيا وفرنسا لا ولن تحك جلودنا إلا بأظفار مسممة، لتقسيمها شوارع وخنادق وبؤر ومطبات، من شأنها تدمي وتؤلم وتوجع، ولن يكون لأي عربي أي أمل من قيادة هذه الدول إلا إذا تغيرت فينا: عقولنا، قلوبنا، نفوسنا، وعيوننا، وتركنا الدين لأهل الدين والسياسة للسياسيين والطب للأطباء والتربية للمدارس والأمهات...
واذا عرفنا وأكدنا ان هذه الدول وعلى رأسها أميركا رفضت التعاون مع مصر لبناء السد العالي وهوجمت مصر بقيادات وجيوش بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وأقام الجنود الإسرائيليون شتى العروض في مياه القناة من سباحة إلى فقاقيع في الهواء الى كاميرات تصور نشوة النصر ترسلها للصحف الأجنبية وغير الأجنبية ناهيك عن كوانين الفحم والشواء الاحتفالية. والحكومة الإسرائيلية والأحزاب المتطرفة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب رقصت وغنت.
وحول هذا العرس الاسرائيلي في مصر وسوريا والعراق وسائر دول الشرق الاوسط والدول الاشتراكية ودول أمريكا الجنوبية والحركات التقدمية في إسرائيل، هذا الزخم من البشر خرج للشوارع يستنكر ويرفع الأعلام ضد عشاق الحروب.
وفي هيئة الأمم المتحدة وقف "خروتشوف" الزعيم السوفييتي الكبير كشر وزمجر وضرب الطاولة بحذائه وهدد وتوعد إذا لم يعودوا. وهكذا انقلبوا على ظهورهم خائبين وراجعين إلى حيث كانوا، وبمهمة الاتحاد السوفييتي بني السد العالي وتمت الفرحة في أنحاء مصر.
-5-
وأممت القناة وأصبح لمصر ثقل بين دول عدم الانحياز. بل اضحت مصر في مقدمة دول عدم الانحياز.
ومنذ ذلك الحين إلى يومنا هذا لم نسمع ولم يجل في بالنا ان الاتحاد السوفييتي هاجم دولة عربية وإنما كان يفتح صدره لأي دولة عربية لمساعدتها. وظفره يحك جلودنا ولا يدميها وكأنه منا وفينا. بينما امريكا وعيونها واطرافها واحلافها فقد عملت ما عجز البرابرة عمله في سالف العصر والزمان فخلفت نزيف الدماء، وسكب الدموع وشر الويلات ودمرت الحضارات في سوريا والعراق وليبيا واليمن...
وامسى العرب في وضع محزن وهموم تكبر وتثقل: لا أمن في البيوت ولا أمن في الشوارع ولا أمن في المدارس ولا أمن في المعاهد العليا ولا أمن بالمزارع والمحلات التجارية ولا أمن للأطفال والنساء والعُجز ولا أمن بالمساجد والكنائس ولا أمن بالمحلات العامة.
اذا عرفنا هذه الامور كلها فهل يبقى بعد اي لوم على طلب النظام السوري التدخل السوفييتي؟!
اجل اجاك يا بلوط مين يعرفك.
لو فكرت هذه الوحوش الكاسرة، ان العالم لن يقف مكتوف الأيدي لما يحصل في سوريا وغيرها من الدول العربية لما تجرأت واخترقت القوانين والنظم العالمية. وعلى كل حال مش كل مرة تسلم الجرة..
الله يسامح الاخوة العرب الذين لا يطمئنون للتدخل الروسي في سوريا.
لو لم يتدخل الاتحاد السوفييتي لقرأنا الفاتحة على سوريا والعراق وقد يطال كل العالم العربي دون استثناء، لان الطبخة لا زالت على النار ولم ترتفع على طاولة المؤامرة الخبيثة وتقسيمها. ومن المؤكد ان تكون حصة سوريا أُذْن الجمل ليس إلا.
أبشروا خيرًا ان شاء الله وراجعوا حساباتكم فقد كانت سوريا الكبرى تشمل لبنان والاردن وفلسطين لكن الاستعمار الأجنبي بالتواطؤ مع زعامتنا العربية قطع أوصالها فخرجت من هذا البيت الكبير الاردن وفلسطين ولبنان ولم يكتفِ ما فعله الاستعمار بسوريا والعراق واليمن وليبيا وتونس بالتخطيط مع إسرائيل من إرهاب وتشريد وتدمير، إنما النوايا سلخ شمال سوريا عن جنوبها وبث الفتن بين العلويين والسنيين، أو بمعنى أوسع زرع الخلافات بين الحركات الإسلامية المتنازعة ليصبح الجرح اكبر واخطر.
-6-
والسؤال الذي لا بد منه وماذا بعد.
هل نتناسى ماضينا المضيء في عهد هارون الرشيد الذي كان يتطلع إلى الغيوم في السماء، فيقول لها أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك؟
وحضارتنا في الاندلس في حين كان الغرب كله في غياهب وظلام الحضارات ونستسلم لاعاصير الحياة الحاضرة تتقاذفنا ذات اليمين وذات الشمال كيف تشاء؟
او نرتفع فوق هذه الظلمات المرعبة ونتحد ونتوحد ونعمل على أساس: وطننا العربي الكبير انا وانت مش يا أنا يا أنت.
وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته؟
لقد مر على أوروبا زمن صعب أيام مطامع نابليون وشهواته باحتلال الدول المجاورة له.
في ذلك الحين كانت ألمانيا مقسمة إلى ثلاثمئية دويلة متفرقة ومتباغضة، فوحدت بتسعة وثلاثين دويلة ثم وحدت فيما بعد بدولة واحدة على يد بسمارك.
وكانت ايطاليا مجزأة إلى اثنتي عشرة ولاية. وحدت في ثلاث فقط ثم تم توحيدها على يد ماتزيني وكافور وغاريبالدي.
إذًا، هل يروق لنا هذا الغباء السياسي الذي يملأ نفوسنا وافكارنا ويخيم على كل أقطارنا العربية وشعبنا الفلسطيني المنقسم على بعضه في الضفة وقطاع غزة! وهل تكون النتائج سليمه على هذا الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، أو ان العواقب الوخيمة ننتظرها لا محالة؟
وحينئذٍ نضرب الكف بالكف ونقول يا ندمنا في حين لا ينفع الندم؟!
دير الأسد
