في ذكرى التطهير العرقي في فلسطين (2-2)

single

*تحديد المكان*

 

كانت الخطوة الأولى في اتجاه الهدف الصهيوني، المتمثل في الحصول على أكثر ما يمكن من فلسطين مع أقل عدد ممكن من الفلسطينيين، هي تحديد ما يشكل دولة قابلة للحياة بمصطلحات جغرافية. لقد خصصت خطة التقسيم الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي أضفى عليها القرار181 الصفة الرسمية، لليهود النقب، والساحل، والسهول الشرقية (مرج ابن عامر وسهل بيسان)، والجليل الأسفل. لكن ذلك لم يكن كافياً. وكان بن غوريون اعتاد الاجتماع بصورة منتظمة مع ما كان يسميه «حكومة الحرب»، التي كانت مؤلفة من مجموعة خاصة من الضباط الذين خدموا في الجيش البريطاني (اضطر لاحقاً الى حلها بفعل ضغط أعضاء آخرين في الهاغاناه). وكان شرع في إقناع هؤلاء الضباط بفكرة أنهم يجب أن يبدأوا التحضير لاحتلال البلد بكامله. ففي تشرين الأول/اكتوبر 1947، كتب بن غوريون الى الجنرال إفرايم بن أرتسي، أعلى هؤلاء الضباط رتبة، شارحاً أنه يريد إنشاء قوة عسكرية قادرة على صد هجوم متوقع من جانب الدول العربية المجاورة، وأيضاً على احتلال أكثر ما يمكن احتلاله من البلد، أو كله إن أمكن.
وريثما يصبح الأمر ممكناً، قررت القيادة الصهيونية تحديد المساحة الجغرافية لدولتها العتيدة بناء على موقع المستعمرات اليهودية الأكثر بعداً وعزلة. وكان ذلك يعني أن الأراضي الواقعة بين هذه المستعمرات، المنعزلة في الأطراف القصوى للدولة الانتدابية، يجب أن تصبح جميعها يهودية، ويفضل أن تحيط بها «مناطق أمنية» كمساحات فاصلة بينها وبين أماكن سكن الفلسطينيين.
وبما أن عدداً من أعضاء القيادة كان على علم بالمفاوضات الجارية مع الهاشميين في شرق الأردن، فقد سمح لعامل تقييدي وحيد بالتأثير في شكل الخريطة العتيدة، وهو إمكان أن تصبح مناطق معينة في شرق فلسطين، في الضفة الغربية الحالية، جزءاً من أردن مستقبلي أكبر، لا من اسرائيل كبرى. وكانت الوكالة اليهودية أواخر سنة 1946 قد شرعت في مفاوضات مكثفة مع ملك الأردن، عبد الله. وكان هذا من سلالة العائلة الملكية الهاشمية الآتية من الحجاز «الشريف حسين" - حيث توجد المدينتان المقدستان لدى المسلمين، مكة والمدينة- والتي حاربت الى جانب البريطانيين في الحرب العالمية الأولى. وكانت بريطانيا منحت الهاشميين، مكافأة على الخدمات التي قدموها لها، مملكتي العراق والأردن اللتين أوجدهما نظام الانتداب. وكان الهاشميون في البداية (في مراسلات الحسين- مكماهون) قد وُعدوا، حسبما فهموا على الأقل، بمنحهم سوريا، في محاولة من بريطانيا للحؤول دون استيلاء فرنسا على ذلك الجزء من الشرق الأوسط. لكن، عندما طرد الفرنسيون فيصل، شقيق عبد الله، من سوريا، عوضه البريطانيون بإعطائه العراق، بدلاً من إعطائه لعبد الله.
وبما أن عبد الله كان الابن البكر في السلالة، فإنه لم يكن سعيداً بحصته من الصفقة، وخصوصاً أن الحجاز، موطن الهاشميين وقاعدتهم، كان انتزعه السعوديون منهم في سنة 1924. فشرق الأردن لم يكن أكثر من إمارة صحراوية قاحلة شرقي نهر الأردن، فيها قبائل بدوية وعدة قرى شركسية. لذلك لا عجب في أن يكون عبد الله راغباً في التوسع بضم أجزاء من فلسطين الخصبة والعامرة بشعب متحضر، وأن تكون جميع الوسائل مبررة لتحقيق هذه الغاية. وسرعان ما اكتشف أن الوسيلة المثلى لتحقيق غايته هي إقامة علاقة جيدة مع القيادة الصهيونية. وتوصل بعد الحرب العالمية الثانية الى اتفاق من حيث المبدأ مع الوكالة اليهودية بشأن كيفية اقتسام فلسطين بينهما بعد انتهاء الانتداب. واصبحت الأفكار الغامضة بشأن اقتسام البلد أساساً لمفاوضات جدية بعد تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181 في 29 تشرين الثاني 1947. وبما أنه لم يكن هناك سوى مستعمرات يهودية قليلة جداً في المنطقة التي أراد الملك الحصول عليها (الضفة الغربية الحالية)، فإن قادة المجتمع اليهودي كانوا في معظمهم «راغبين» في التخلي عن هذا الجزء من فلسطين، مع أنه كان يحتوي على عدد من المواقع التوراتية اليهودية، مثل مدينة الخليل. إن كثيرين منهم سيندمون لاحقاً على هذا القرار، وسيؤيدون الاندفاع لاحتلال الضفة الغربية في حرب حزيران 1967. لكن التعويض الأردني في ذلك الوقت كان مغرياً حقاً: وعد الملك عبد الله ألا ينضم الى أية عمليات عسكرية ضد الدولة اليهودية. وقد شهدت هذه المفاوضات تقدماً وتراجعاً، لكنها ظلت قائمة لسببين: الأول لأن عدد اليهود في الضفة الغربية كان قليلاً جداً، والثاني لأن الأردنيين، بمساعدة فرقة عسكرية عراقية، نجحوا في صد المحاولات اليهودية المتكررة لاحتلال أجزاء من الضفة الغربية خلال النصف الثاني من سنة 1948 (كان ذلك من الفصول المضيئة القليلة في التاريخ العسكري العربي لسنة 1948).
هذا العامل حسم أمر المساحة الجغرافية التي تطلعت اليها الحركة الصهيونية، وهي- بكلمات أخرى- فلسطين بكاملها، أي المساحة نفسها التي طالبت بها الحركة في برنامج بلتمور في سنة 1942، لكن مع تعديل وحيد سببه، اذا قبل المرء- كما هو حال معظم المؤرخين اليوم- أن القيادة الصهيونية التزمت بما تواطأت عليه مع الزعماء الأردنيين. ومعنى ذلك أن القيادة اليهودية توقعت ان تمتد دولتها العتيدة على 80% من فلسطين الانتدابية، أي على نسبة 56% التي خصصتها الأمم المتحدة لليهود، مضافاً اليها نسبة 24% مأخوذة من الدولة العربية التي خصصتها الأمم المتحدة للفلسطينيين. أما نسبة 20% المتبقية، فتوقعت أن يلتقطها الأردنيون.
ان هذا الاتفاق الضمني مع الأردن شكل، من نواحٍ عديدة، الخطوة الثانية في اتجاه ضمان أن تتقدم عملية التطهير العرقي من دون عوائق، إذ إنه حيّد الجيش الأقوى في العالم العربي، وحصر معركته مع القوات اليهودية في جزء صغير جداً من فلسطين. ومن دون الجيش الأردني (الفيلق العربي) لم يكن لدى العالم العربي قدرة جدية على الدفاع عن الفلسطينيين، أو على إحباط الخطة الصهيونية لإقامة دولة يهودية في فلسطين على حساب السكان الأصليين.

 

 

*إيجاد الوسائل*

 

الخطوة الثالثة، وربما الأكثر حسماً، في اتجاه ضمان تطهير عرقي ناجح، كانت بناء قدرة عسكرية ملائمة. وقد أرادت الهيئة الاستشارية أن تكون القوات المسلحة للمجتمع اليهودي، بما لا يدع مجالاً للشك، قوية بما فيه الكفاية كي تنفذ الخطة الرامية الى تحقيق هدفين: الاستيلاء على معظم فلسطين، واقتلاع الفلسطينيين منها. إذ إنه بالاضافة الى الاستيلاء على الدولة الانتدابية فور مغادرة آخر القوات البريطانية، كان يتعين على هذه القوات أن تصد جميع المحاولات التي قد تقوم بها قوات عربية لغزو الدولة اليهودية الآخذة في التكوّن، وفي الوقت نفسه تطهير المناطق التي ستحتلها من فلسطين من سكانها الفلسطينيين. وبالتالي فإن جيشاً محترفاً كفؤاً جداً أصبح اداة حيوية لبناء دولة يهودية ثابتة في فلسطين الانتدابية سابقاً.
عشية حرب 1948، كان إجمالي عدد القوات اليهودية المقاتلة نحو 50000 جندي، منهم 30000 جندي مقاتل، والباقون احتياط يعيشون في مستعمرات متعددة. وكان في استطاعة هؤلاء الجنود أن يعتمدوا، في أيار 1948، على مساندة من سلاحي جو وبحر صغيرين، وعلى وحدات دبابات وعربات مدرعة ومدفعية ثقيلة مرافقة لها. وكانت تقف في مواجهتهم مجموعات فلسطينية شبه عسكرية لا يتجاوز عدد افرادها 7000 مقاتل: قوة مقاتلة تفتقر الى هيكلية أو هرمية قيادية، ومجهّزة تجهيزاً رديئاً قياساً بالقوات اليهودية. وبالاضافة الى ذلك، دخل فلسطين في شباط 1948 نحو 1000 متطوع من العالم العربي، وارتفع هذا العدد الى 3000 في الأشهر القليلة التالية.
على هامش القوة العسكرية اليهودية الرئيسية نشطت مجموعتان متطرفتان: الإرغون (يشار اليها عادةً بالعبرية بتسمية إيتسِل)، وعصابة شتيرن (ليحي). والإرغون منظمة انشقت عن الهاغاناه سنة 1931، وكان يقودها في أربعينيات القرن الماضي مناحم بيغن. وكانت طورت سياسات خاصة بها معادية جداً للوجود البريطاني وللسكان المحليين سواء بسواء. أما عصابة شتيرن، فكانت فرعاً من الإرغون انشق عنها سنة 1940. ومع الهاغاناه، شكلت المنظمات الثلاث جيشاً موحداً خلال أيام النكبة . إن جزءاً مهماً من المجهود العسكري الصهيوني كان تدريب وحدات الكوماندو الخاصة، البالماخ، التي أنشئت في سنة 1941. وكانت هذه الوحدات أنشئت في الأصل لمساعدة الجيش البريطاني في الحرب ضد النازيين في حال وصول هؤلاء الى فلسطين. لكن سرعان ما وُجهت حماستها ونشاطاتها الى العمل ضد الفلسطينيين في المناطق الريفية. وابتداء من سنة 1944، أصبحت هذه الوحدات أيضاً القوة الرائدة الرئيسية في بناء المستعمرات اليهودية الجديدة. وقبل أن يتم حلها في خريف سنة 1948، كان افرادها نشيطين جداً، ونفذوا عدداً من عمليات التطهير الرئيسية في شمال البلد ووسطه.
في عمليات التطهير العرقي اللاحقة، كانت قوات الهجانا والبالماخ، والإرغون تحتل القرى، وتسلمها بعد فترة وجيزة لقوات أقل قدرة قتالية، لوحدات من سلاح الميدان («حيتس» بالعبرية)، الذي أنشئ في سنة 1939، وكان يشكل الذراع اللوجستية للقوات اليهودية. وتتحمل هذه الوحدات الاضافية مسؤولية ارتكاب عدد من الأعمال الوحشية التي رافقت عمليات التطهير.
وكان لدى الهاغاناه وحدة استخبارات أيضاً، أسست في سنة 1933، وكانت مهمتها التجسس على السلطات البريطانية، واعتراض الاتصالات بين المؤسسات العربية داخل البلد وخارجه. وهي الوحدة التي كانت مشرفة على إعداد ملفات القرى وإنشاء شبكات التجسس والمتعاونين داخل المناطق الريفية، وساعدت في تحديد هوية آلاف من الفلسطينيين أُعدموا لاحقاً فور اعتقالهم، أو سجنوا فترات طويلة، بعد بدء التطهير العرقي.
لقد شكلت هذه القوى المسلحة مجتمعة قوة حربية ضخمة بما فيه الكفاية لتعزز ثقة بن غوريون بقدرة المجتمع اليهودي على أن يرث الدولة الانتدابية ويستولي على معظم الأراضي الفلسطينية والأملاك والثروات الموجودة فيها.
بعد تبني الأمم المتحدة القرار 181 مباشرة أعلن القادة العرب رسمياً أنهم سيرسلون قوات عسكرية الى فلسطين للدفاع عنها. ومع ذلك، لم يشعر بن غوريون والمجموعة الصغيرة من الشخصيات القيادية الصهيونية المحيطة به، في أية لحظة بين تشرين الثاني 1947 وأيار 1948، بأن مستقبل دولتهم اليهودية في خطر، أو أن العدد الضخم من العمليات العسكرية التي يجب القيام بها يمكن أن يؤثر سلباً في مهمة طرد الفلسطينيين. وقد رسم قادة المجتمع اليهودي، في العلن، سيناريوهات مرعبة، وحذروا جمهورهم من «هولوكوست ثانية» وشيكة. لكن في لقاءاتهم الخاصة لم يستخدموا قط مثل هذا الخطاب، إذ كانوا يعرفون جيداً أن لغة الحرب الطنانة العربية لم تكن مقرونة بأية استعدادات جدية على أرض الواقع. وكما رأينا، كانوا على علم تام بافتقار الجيوش العربية الى العتاد العسكري الجيد، والى الخبرة القتالية، والى التدريب، وبالتالي كانت قدرتها على شن أي نوع من الحروب محدودة. وكان القادة الصهيونيون واثقين بتفوقهم عسكرياً، وبقدرتهم على تنفيذ معظم خططهم الطموحة. وكانوا مصيبين في تقديراتهم.
كان موشيه شاريت، وزير خارجية الدولة اليهودية (غير الرسمي)، خارج البلد خلال الأشهر السابقة لإعلان قيام الدولة. وكان يتسلم بين حين وآخر رسائل من بن غوريون تنبهه الى أفضل الطرق للعمل من أجل الحصول على دعم عالمي ويهودي لدولة يهودية مستقبلية تواجه خطر الإبادة، وفي الوقت نفسه اطلاعه على حقائق الواقع الفعلي على الأرض. وعندما كتب شاريت الى بن غوريون في 18 شباط/فبراير 1948: «سيكون لدينا قوات تكفي فقط للدفاع عن النفس، لا للاستيلاء على البلد»، رد عليه بن غوريون قائلاً:
« إذا استلمنا في الوقت الملائم الأسلحة التي اشتريناها، وربما قسماً من الأسلحة التي وعدتنا بها الأمم المتحدة، فإننا لن نكون قادرين على الدفاع (عن أنفسنا) فحسب، بل أيضاً أن ننزل بالسوريين ضربات قاضية في عقر دارهم، وأن نحتل فلسطين بأسرها. ليس لديّ شك في ذلك. نستطيع مواجهة القوات العربية كافة. هذا ليس ايماناً صوفياً، وإنما حسابات منطقية تستند الى معطيات عملية.»
وهذه الرسالة متساوقة كلياً مع رسائل أخرى كان الاثنان يتبادلانها منذ يوم أوفد شاريت الى الخارج. وقد بدأ تبادل الرسائل برسالة أرسلها بن غوريون في كانون الأول/ديسمبر 1947 الى شاريت بغية إقناعه بتفوق اليهود عسكرياً في فلسطين: «نستطيع أن نجوّع عرب حيفا ويافا (إذا اردنا ذلك)». إن هذه الثقة فيما يتعلق بقدرة الهاغاناه على احتلال فلسطين بأسرها، بل احتلال ما هو أكثر منها، ستستمر طوال مدة القتال، من دون أن يكبحها شيء سوى الوعود التي أعطيت للأردنيين.
لقد كان هناك، طبعاً، أوقات تأزمت فيها الأمور، أثناء تطبيق هذه السياسات. وقد حدث ذلك عندما اتضح أن من المستحيل الدفاع عن جميع المستعمرات اليهودية المنعزلة، أو تأمين طريق آمن لامداد الأجزاء اليهودية في القدس بحاجاتها الحيوية. لكن في معظم الأوقات، كانت القوات الموجودة في تصرف القادة الصهيونيين كافية للتأهب لمواجهة محتملة مع العالم العربي، وأيضاً لتطهير البلد من السكان المحليين. وعلاوة على ذلك، لم يحدث التدخل العربي إلا في 15 أيار 1948، أي بعد خمسة أشهر ونصف شهر من تبني الأمم المتحدة قرار التقسيم. وخلال تلك المدة الطويلة بقي معظم الفلسطينيين- باستثناء جيوب قليلة كانت تحاول فيها مجموعات شبه عسكرية تنظيم نوع من المقاومة- من دون قدرة على الدفاع في وجه عمليات عسكرية يهودية كان يجري تنفيذها. (انتهى)

 

(معليا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

موقف أميركي ونصيحة أردنية

featured

لماذا كان الفشل حصيلة صراعنا، على مدى خمسين عاما، مع الاحتلال الاسرائيلي؟ (2)

featured

مصر قادرة على تجاوز المِحن.. (2-2)

featured

أوباما وهيلاري وكابوسهما المفتعل - " النووي الاراني "

featured

حملة استيطانية هدفها الهيمنة