حين اندلعت الانتفاضة الاولى، 1987، عفويا، أصيبت قيادة منظمة التحرير الفتحاوية، في اﻷيام اﻷولى، بالارباك، ظنا منها أن قيادة بديلة في الداخل فجرتها!
**فتح والمال السعودي
تمّ تدشين العلاقة بين فتح والنظام السعودي، في لقاء رسمي بين قيادة فتح ووفد سعودي رفيع المستوى، في دمشق، عام 1968، أي عقب الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني، المنعقدة أواسط تموز 1968، حين دخلت فتح وجميع المنظمات المسلحة الى منظمة التحرير واتضح أن فتح ستتولى قيادة منظمة التحرير، في ضوء اختيار عبد الناصر لها لملء هذا الموقع، بعد اطمئنانه الى نهجها البراغماتي، وتفضيله لها على حركة القوميين العرب( الجبهة الشعبية ﻻحقا) "العقائدية". وبالفعل، تمّ توليها، رسميا، لهذا الموقع في الدورة الخامسة لهذا المجلس أوائل شباط 1969. وقد أرسى هذا اللقاء السعودي - الفتحاوي علاقات وطيدة لم تعرف الازمات. ويعتقد بعض المؤرخين أن رسوخ هذا التحالف المتميز يعود لعاملين رئيسيين، الاول: اطمئنان حكام السعودية لنوعية العناصر المؤسسة لحركة فتح، حيث سبق لمعظمهم أن مرّوا بتنظيم الاخوان المسلمون، وأن أيا منهم لم يسبق له أن كان في تنظيم يساري؛ والعامل الثاني، تعهد حركة فتح بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للسعودية.
في ضوء هذا الاتفاق، سمحت السعودية لمنظمة فتح، دون سواها، بافتتاح مكتب رئيسي لها في العاصمة السعودية، الرياض، ومكاتب فرعية في عدد من المدن السعودية، تحت أسماء فلسطينية ذات طابع انساني، وليس باسم منظمة التحرير الفلسطينية التي اعتبرها حكام السعودية، منذ لحظة تأسيسها عام 1964، بقرار من مؤتمر القمة العربي الاول، مشروعا مصريا- ناصريا، ناصبه هؤلاء الحكام السعوديون التجاهل والجفاء.
وهكذا، بدأ تدفق المال السعودي الغزير منذ العام 1968، على تنظيم فتح حصرا. وقد صاغت السلطات السعودية، في هذا المجال، "نظاما يدفع بموجبه المتبرعون السعوديون1% من مرتباتهم، ويدفع الفلسطينيون (العاملون في السعودية) 10% منها". (من كتاب "المملكة العربية السعودية وقضية فلسطين"، تأليف :الدكتور عبد الفتاح حسن أبو علية ورفيق النتشة؛ والاخير كان عضوا في اللجنة المركزية لفتح ومندوبها في العربية السعودية لسنين طويلة، ص 440). وفي وقت لاحق، تمّ تعديل اسهام الفلسطينيين العاملين في السعودية ليصبح 5% بدﻻ من 10%؛ ويجري جمع هذه التبرعات باسم "اللجان الشعبية لمساعدة أسر ومجاهدي فلسطين"، (المصدر السابق)، وقد "تمّ الاتفاق في البداية على أن يكون ريع هذه اللجان بنسبة 10% لأبناء الشهداء و90% لحركة فتح، ولكن بعد ذلك أصبحت تحوّل بأكملها لحركة فتح لتقوم بمهمات الانفاق على الشهداء والاسرى والمعاقين والمقاتلين من مختلف التنظيمات الفلسطينية"، (نفس المصدر السابق).
ولكن الى جانب هذه التبرعات الشعبية، كان هناك الدعم المالي من خزينة الدولة السعودية الذي يذهب الى تنظيم فتح حصرا. وقد حذت دول خليجية أخرى حذو السعودية في تقديم دعم مالي لفتح دون سواها من التنظيمات الفلسطينية. وبنتيجة ذلك تراكمت في خزائن فتح ثروات طائلة، قدّرتها صحيفة الـ "هيرالد تريبيون"الاميركية الدولية، أواخر العام 1979، ما بين سبعة الى تسعة مليارات دولار، بقيمة الدولار آنذاك.
وهكذا، غدت فتح، ومنذ بداية ثمانينات القرن الماضي، تمتلك وتدير مصالح ومشاريع اقتصادية وشركات تجارية تمتد من الخليج العربي وحتى نيكاراغوا في أميركا اللاتينية خلال فترة حكم الساندنيين الاولى، اضافة الى مزارع شاسعة ومصالح أخرى في القارة الافريقية، وأراض وعقارات في عدد من البلدان العربية. وفي هذا الاطار، كان "عيدي أمين"، دكتاتور أوغندا السابق، قد منح فتح مساحات شاسعة من الارض للاستثمار في بلده. لكن حين غزت القوات التنزانية أراضي أوغندا، بغرض التطويح بحكمه، والذي تحقق في 11/4/1979، كانت قيادة فتح قد أرسلت، لدى اندلاع تلك الازمة، قوة عسكرية للدفاع عن نظام أمين المذكور، وكان على رأس تلك القوة قائد سلاح المدفعية الفلسطينية جنوبي لبنان، آنذاك، واصف عريقات.أي غدت مصالح فتح تعلو على مصالح الوطن الفلسطيني المحتل، الى حدّ التصرف كقوة عدوان وتدخل في شؤون الغير، من شعب واقع تحت الاحتلال!.
في البدء، كان المال السعودي نوعا من الرشوة، الغرض منها ضمان عدم تعرّض الفدائيين الفلسطينيين لانابيب شركة أرامكو الاميركية، التي تنقل النفط السعودي؛ ولكن بعد أن تعوّدت فتح ورتبت أمورها على أساس استمرار تدفق هذه الموارد المالية الغزيرة، انقلب هدف السعودية من وراء تقديم هذا المال، وغدا ممارسة النفوذ على قيادة فتح، التي عزز المال السعودي هيمنتها على الساحة الفلسطينية. والملاحظ، في هذا السياق، أن قيادة فتح اختلفت علنا، والى حد الخصام أحيانا، خلال الخمسين سنة المنصرمة، مع مختلف الانظمة العربية المتصلة مباشرة بالقضية الفلسطينية، بدءا بالنظام الاردني، فالناصري المصري، وانتهاء بالسوري والعراقي والليبي، عدا النظام السعودي حصرا، إذا استثنينا الفتور المؤقت في هذه العلاقة، خلال حرب الخليج الثانية1991.
لكن نموذج هذه العلاقة بين فتح والسعودية فتح المجال لبعض اﻷنظمة العربية لتقيم لها، بدورها، داخل الساحة الفلسطينية، تنظيمات تنطق باسمها وتحمل تصوّرها الخاص لمعالجة القضية الفلسطينية. وهكذا، غدا النموذج الذي دشنته فتح في علاقاتها الخاصة بالسعودية سببا في تحويل الساحة الفلسطينية الى ميدان تجاذبات وصراعات، أحيانا، للأنظمة العربية المختلفة، وعلى حساب وحدة الحركة الوطنية الفلسطينية.
**قيادة فتح والانتفاضة الاولى
حين اندلعت الانتفاضة الاولى، خريف العام 1987، تلقائيا وعفويا، في الاراضي الفلسطينية المحتلة 1967 ، فان قيادة منظمة التحرير الفتحاوية، التي تفاجأت كالكثيرين غيرها بالحدث أصيبت، في اﻷيام اﻷولى، بحالة من الارباك والفزع، ظنا منها أن تفجير الانتفاضة جاء على يد قيادة بديلة في الداخل. ورغم أن تشكل القيادة الموحدة للانتفاضة وصدور بيانها اﻷول أكدا على الوحدة الوطنية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي: دحض هذه الهواجس الوهمية، فان قيادة فتح بدأت وعلى الفور العمل للسيطرة على هذه الانتفاضة التي فاجأتها.
ولما بلغ تدخل قيادة منظمة التحرير الفتحاوية من تونس، عبر الفاكس والمال أساسا، مستوى معينا في تصاعده، فقد شكل ذلك منعطفا وتحوّلا سلبيا في مسار الانتفاضة وانحدارا واضحا في طابعها الشعبي الشامل ومبادراتها الخلاقة. فقد حلّت عملية تجييش هذه الانتفاضة محلّ المشاركة الجماهيرية الشاملة. وهذا ما قلّص نوعيا قاعدتها الجماهيرية. ومع التجييش راح يجري استبدال المبادرات والابداعات الجماهيرية بأوامر المليشيات، وحلّ فرض المليشيات للإضرابات محلّ اﻹقناع والاقتناع الذاتي. ووصل الامر حدّ اعلان عرفات من تونس، للصحافيين، أنه يحتفظ في درج مكتبه في تونس بالبيان رقم 75 للقيادة الموحدة للانتفاضة، في وقت كان آخر ما صدر من تلك البيانات عن القيادة الموحدة في الداخل، والتي تنظم فعاليات الانتفاضة اليومية، لم يتجاوز رقمه نصف الرقم الذي ذكره عرفات للصحافيين. ومن الواضح أن عرفات كان يوجه بهذا اﻹعلان، رسالة لمن يهمه اﻷمر في الخارج، بأنه أصبح يحرّك الانتفاضة ب"الريموت كونترول" من تونس!.
ويعكس هذا السلوك من القيادة الفتحاوية لمنظمة التحرير نظرتها وتقييمها لقيادة النضال الفلسطيني في الداخل، باعتبارها مجرد أحد أذرع منظمة التحرير وليس قيادة فعلية للداخل وشريك في منظمة التحرير الفلسطينية. يشير الى هذه القضية بسام الصالحي في كتابه "الزعامة السياسية والدينية في اﻷرض المحتلة: واقعها وتطورها، 1967-1991" (القدس: دار القدس للنشر والتوزيع،1993، ص. 124)؛ يقول الصالحي، في هذا الصدد: "كانت بعض الاختلافات التي ظهرت مع تشكيل القيادة الموحدة، مجرد تغليف للخلاف اﻷساسي فيما يمكن اعتباره تحديد دور القيادة الوطنية الموحدة بين أن تكون قيادة استراتيجية فعلية للأرض المحتلة، أو أن تكون ذراعا ل م.ت.ف. وبين أن تكون تشكيلا جبهويا متكاملا، أو مجرد لجنة تنسيق محدودة المهام…".
وفي إطار هذه اﻹجراءات للسيطرة على الانتفاضة، راح المال الفتحاوي يتدفق بغزارة على اﻷراضي المحتلة، في ظروف تضييقات الاحتلال لقمع الانتفاضة، بما فيها العقوبات الاقتصادية وارتفاع منسوب البطالة، ليلعب هذا المال دورا تخريبيا في ضرب وحدة المنظمات الجماهيرية، التي شكلت عصب الانتفاضة، كالنقابات العمالية والروابط الطلابية وغيرها من المؤسسات الجماهيرية، وذلك بشراء الوﻻء لفتح واستبدال هذه المنظمات الجماهيرية الفعالة بأطر بيروقراطية شكلية. يشير لهذه الظاهرة الصحافي الفرنسي المعروف ألن غريش، في كتابه
: 1- Alain Gresh : The PLO: THE Struggle Within(London:Zed prss,1985),p.216 (نقلا عن كتاب د. غسان الخطيب " السياسة الفلسطينية وعملية سلام الشرق اﻷوسط"، ص ٥٩) حيث يقول غريش :"لقد بلغ اﻷمر بفتح شق صف الحركة النقابية، وتوجيه تمويل منظمة التحرير نحو ’أشخاص موثوق بهم’".
في الوقت ذاته، شكّل هذا التخريب للمنظمات الجماهيرية الفاعلة، ضربة قوية لعملية تشكل مجتمع مدني فلسطيني، أساس البنية التحتية ﻷي نظام ديموقراطي. وقد مهّد هذا النشاط التخريبي لضرب وحدة المنظمات الجماهيرية الفاعلة، لانتشار ظاهرة المنظمات غير الحكومية الممولة من الدول الغربية، كبديل للعمل التطوعي، الذي أبدعته اﻻنتفاضة، وكبديل أيضا لمجتمع مدني حقيقي يمثل قاعدة العمل الوطني والاجتماعي، وتحويل اهتمام الجمهور الفلسطيني عن أهدافه الجوهرية، كالاحتلال وتداعياته، الى أهداف ثانوية كقضايا الجندر وأمثالها؛ وليس من باب الصدف أنه ﻻ توجد منظمة واحدة من هذه المنظمات، في اﻷراضي الفلسطينية المحتلة، عنوانها مقاومة الاحتلال اﻹسرائيلي.
وحين تمّ لقيادة فتح السيطرة على الانتفاضة بالأساليب السالفة الذكر، باشرت باستعمالها، أي الانتفاضة، كورقة مساومة مع دولة الاحتلال. وكانت اﻷولوية في هذه المساومة هي لتأمين اعتراف الطرف اﻹسرائيلي بقيادة منظمة التحرير الفتحاوية، كممثل للشعب الفلسطيني، وهذا ما أكدته، ﻻحقا، محادثات أوسلو السرية ونتائجها. (يتبع غدًا)
