(في ذكرى الأربعين لرحيل مَـن لم تكلَّ من العمل في سبيل الناس:
"روزيت وديع شوملي-سمرا" -أمّ صالح)
سـيـرة وعـزيـمـة
من سيرة هذه المرأة تَعلّمنا. تَعلّمنا أنّ ممارسة فعل الخير لا تحتاج إلى "عَزومة"، بل إلى عزيمة تتحدّى الأحزان.
هي امرأةٌ عصفتْ بها الأقدارُ فما زُعزِعَتْ. فَجَعَها الموتُ المرُّ مرارًا، فانتقمت منه بأن أقبلتْ على حياة العطاء. حَرمَها الهناء، فاستحالتْ هي إلى نبع عطاء. عطاء؛ تبرُّع؛ بِناء -تلك هي الأقانيم التي قامت عليها حياةُ هذه المرأة التي اجتمعت فيها عَظَمَةُ البسطاء...
عـطـاء وعـطـاء...
عن روح نجلها صالح تبرّعت للجنة الطائفة الأرثوذكسيّة في عبلّين بمبلغ مقداره خمسة عشر ألف شاقل.
مظلّة القرميد في ساحة كنيسة القدّيس جوارجيوس شُيّدت بمبادرة من أمّ صالح.
بادرت أمّ صالح إلى تجهيز الكنيسة بالثريّات والأثاث الكنسيّ والمَراوح.
كانت أمّ صالح من أوائل المؤسِّسات لـِ "مدرسة الأحد".
بادرت إلى تأسيس "نادي النساء الأرثوذكسيّ".
بادرتْ إلى تأسيس "جمعيّة البيت الدافئ" (الجمعيّة التي تُوفّر أماكنَ عمل لتسع عاملات)، ومنحتْ بعضًا من مساحة منزلها ليكون مقرًّا لحضانة هذه الجمعيّة وروضتها دون مقابل. وفي إطار البيت الدافئ، فاضَ عطاءُ أمّ صالح:
جنّدتْ تبرّعات لشراء الهدايا والألعاب والموادّ الغذائيّة لتقديم وجبات طعام ساخنة مجّانيّة للأطفال قامت هي بتحضيرها (أيّ قلبٍ رحيب رحيم رهيفٍ هذا الذي تَعتبِر صاحبتُه الثكلى كلَّ الصغار أبناءً لها وأحفادًا؟!).
بذلتْ كلّ ما في وسعها لجباية رسوم مخفَّضة جدًّا من أهالي أطفال الحضانة، ولا سيّما ذوي الإمكانيّات المادّيّة المحدودة، سعيًا ورغبةً في تحفيز النساء على العمل خارج المنزل.
كانت أمّ صالح مِن بين مَن دعموا جعْلَ الخدمات المقدَّمة في الروضة مجّانيّة، وإلغاءَ رسوم التسجيل، والمساهَمةَ في تكلفة نقل الأطفال بالسيّارات إلى حدّ جعْلِهِ في العام الأخير مجّانيًّا.
وفي إطار البيت الدافئ، بادرتْ إلى مشروع الطُّرود الغذائيّة في عيد الفطر التي تُقدَّم للعائلات ذات الإمكانيّات المحدودة. فالمؤمن خَيْره لغَيْره. المسيحيّ تُقاس مسيحيّته بمقدار ما يَكون خيرُهُ عَميمًا، فلا يستثني ولا يستبعد ولا يُقْصي ولا يُلغي ولا يَنفي. هكذا يحلو لي أن أتصوّر معنى الإيمان (في كلّ الأديان). مَحبّة بلا حدود، جود بلا حدود.

بـيـن قـوسـيـن...
وفي هذا الصدد، لا أُنكرُ إكْباري لِما قام به نجْلُها قدس الأب ديمتريوس (كاهن رعيّة الروم الأرثوذكس في حيفا) بُعَيْدَ وفاة والده، قبل نصف عام، حين أقام مائدة إفطار رمضانيّة في منزله، عن روح المرحوم والده الذي تُوُفّي خلال ذاك الشهر الفضيل، ودعا إليها لفيفًا من أهل عبلّين مسلمين ومسيحيّين. لفتةٌ اجتماعيّة وطنيّة كريمة تحتاجها عبلّين التي نخشى دومًا عليها من البغيضة: الطائفيّة. لفتةٌ انتشيتُ لها، ولا زلتُ أنتشي كلّما ذكرتُها أو تحدّثتُ عنها أو كتبتُ، وذلك أنّها تطمئنني قليلاً إذ تؤكّد لي ولِسِواي وُجودَ مَن يحرص على عبلّين نسيجًا مختلفًا مؤتلِفًا: مختلفًا أطيافًا؛ مؤتلِفًا وُجودًا ومَصيرًا.
رحـلات
أمّا عن الرحلات، فحدِّثْ وذكِّرْ... نظّمتْ أمّ صالح رحلة إلى تركيّا قبل ثلاثة أشهر. بادرتْ إلى تنظيم رحلات إلى الأماكن المقدّسة والمناطق المحتلّة، استجابةً لدعوة صدَرَت عن التنظيمات الفلسطينيّة تُهيب إلى دعم الاقتصاد الفلسطينيّ. يُضاف إلى هذا تنظيمُ رحلات مهرجان الأعياد في بيت لحم، وذلك بالتعاون مع الغرفة الصناعيّة والتجاريّة هناك...
تـلـك الـمـرأة...
كلّ هذا، وغيره الكثير من مبادرات وأعمال هذه المرأة التي حوّلت حياتها إلى رحلة عطاء امتدّت إلى يوم ارتحالها، كلّ هذا علّمَنا الكثير...
علّمَنا أنّ البساطة والعظمة ليستا على طرفَيْ نقيض. علّمتنا سيرتُها أنّ الأعمال المُهِمّة والعظيمة يمكن أن يُنجزها أناسٌ بسطاءُ لم تَكْرُم عليهم الأقدارُ بعِلْمٍ وثقافةٍ واسعَيْن. تَعلّمنا من سيرتها، مِن عملها وتعامُلها مع الحياة، أنّ الأعمال تَصنع الأبطال (كما أنّ الأبطال يصنعون الأعمال)، وأنّ الفضيلة بطولة.
علّمتْنا هذه المرأة، من حيث لم تعرف ولم تقصد (وفي هذا ما يجعل العطاء عظيمًا بهيًّا نقيًّا)، علّمتنا أنّه لا ينبغي للفقدان أن يُفْقِد المرءَ رغبتَه في العيش، وأنّ العيش لا يكون عيشًا إذا انكفأ المرء على أحزانه الشخصيّة، وأقصى نفسَهُ عن الناس. ذكّرتْنا هذه المرأة أنّ العيش الحقيقيّ لا يكون إلاّ بين الناس، ومع الناس، ومن أجل الناس.
تلك امرأة كان هدفها، هي التي فُجعت بفقدان شقيقها "لويس" باكرًا، وبثكْلها نجْلها "صالح" وهو في الثانية والعشرين، وبفقدانها شقيقتها "جولييت" باكرًا، ثمّ ترمُّلها بفقدانها "أديب" زوجها، ورغم ما اعتراها من عِلَل أصابت الجسدَ ولم تَمسّ الروحَ، كان هدفها في الحياة: أن يكون لها هدف في الحياة، أن يكون لحياتها معنى. ولم تجد سوى العطاء والخدمة الجماهيريّة والتبرّع سبيلاً. لم تُعلّمنا بالكلام. علّمتنا بالعمل. كانت تتأهّب لمضاعفة نشاطها المبارَك بعد حلول ذكرى مرور نصف سنة على رحيل أبي صالح. على ما يبدو، كانت تبغي الانتقام مِن بَغْيِ الحياة عليها بأن تعيش حياتها حتّى الثمالة، أن تملأها عملاً، دون تَـقاعُس، ودون إرجاء، ودون تذرُّعٍ بأنّ العمْر قد وَلّى، أو بأنّ الجسد قد وَهُنَ، أو بأنّ الروح قد غدَتْ إِثْرَ الفواجع حُطامًا.
أمّ صالح واجهت الهموم بالهِمّة وبالمَهامّ وبالاهتمام. واجهت الهموم بالهِمّة العالية والهامَة المرفوعة. واجهت همومَها الشخصيّة بتَوَلِّي المَهامّ الخدماتيّة، وبالاهتمام بمحيطها الذي آزَرَتْه أكثر ممّا آزَرَها بما لا يُقاس.
أمّ صالح استبدلت الحزن والنحيب بالعمل الصالح، بالعمل العامّ المُجْدي الذي يَرى صاحبُهُ أنّ العطاء هو الوجه الآخَرُ للأخْذِ والمتمِّمُ له. إنّه العمل الطيّب... العمل الطـيّـب هو الذي يجعل ذِكْر المرء طِـيـبًا. حين يكون العُمْرُ إِعْمارًا، يغدو أَعْمارًا.
الحياة التي تَجود بأمثال أمّ صالح جديرة بأن تُبارَك...
تَباركَت الحياة...
عـبـلّـيـن
14/2/2010
