سلام لروحك أبا زريق

single

    لا أظنني شعرت برهبة القلم ... أو بمسئولية وضع سواد على بياض كما أشعر الآن وأنا أكتب هذه السطور، فالمساهمة في مواد كتيب رثاء ليس بالأمر السهل، فكم بالحري إن كان الحديث عن أبي زريق؟!
أبو زريق،حامل اسم العائلة ...عائلتنا التي يحمل اسمها بين طيات أحرفه تاريخا، وجعا، تميزا وعراقة.
ماذا أكتب وكيف ألخّص ببضعة أسطر؟
كيف أنجح بوصف شخص عاصر أربعة أجيالٍ؟!
كما لو أنني أكتب سيناريو فيلم وثائقي عن حياة قائد اجتماعي من نوع آخر لم ولن نحظى بمثله للاسف.
قالت العرب قديما في رثاء من اعتبر مثقفا حسب مقاييس ذلك الزمان:-
 "كان قاري...كان كاتب...كان يعرف ع الساعة"!
فأي كلمات استخدم لأرثي أنا اليوم شيخ العائلة المثقف، المدرك، الواعي، المتطوع، المتبرع المعطاء؟!
فأن ترثي شخصا ستُوارى جثته الثرى بعد عام على وفاته ليس بالأمر العادي...وتقف للتساؤل
أتراها جثة شهيد النضال أحضرت لتدفن في أرض الوطن؟!
أتراها جثة مهجَّر توفي في المهجر أعيدت  إلى عيلبون؟!
أم تراها جثة فارس مغوار أتعبه المشوار؟!
إنها جثة رجل جمع كل ذلك في انٍ معًا....وأكثر!
إنها الجثة الوحيدة-في المنطقة على الأقل- التي تبرع بها صاحبها لمصلحة الأبحاث الطبية والعلمية...جثة رجل لم يكتف بالقراءة والكتابة ...ولا بمعرفة الوقت من خلال الساعة، بل تعدّى ذلك بدرجاتٍ ودرجات تفوّق من خلالها على نفسه،على أبناء جيله وحتى على من هم أصغر منه سنا أيضا.
إنها جثة رجل ذي مبادئ وأفكار نيرةٍ لطالما أثارت إعجاب من عرفه!
فأن تكون دمثا،خلوقا ،كريما،طيبا،متواضعا،معطاء في آن...ليس بالمفهوم ضمنا...
أن تكون مشجعا للعلم والثقافة كما الفن...وأن تكون ناشطا اجتماعيا محبا للناس ومحبوبا من قبلهم...وأن تكون قادرا على التواصل مع كافة الشرائح العمرية ناجحا بامساك العصا من الوسط...ليس بالمفهوم ضمنا!
بعد عام على اندلاع الحرب العالمية الأولى...ولد أبو زريق، وليس عبثا أطلق عليه اسم فريد...فقد كان فريدا بالفعل!
تزوج بعد عامين من انطلاق ثورة الـ36 ليكون عرسه صامتا نظرا للأحداث والإضطرابات...
أن تطلق اسم عائلتك على ابنك البكر لتحظى بكنية (أبو زريق) فتحمل العائلة بالإسم والمسمى ...ليس من السهولة بمكان ولا بالمفهوم ضمنا.
عمل شرطيا في القدس زمن الانتداب البريطاني وسعى دائما لمساعدة المعتقلين والموقوفين في السجون...منحه هذا الانخراط في سلك الشرطة البريطانية مهارتين، هما إجادة اللغات وقيادة السيارات...مهارتان ساهمتا بمنحه الحياة من جديد في الـ48...!
كان أبو زريق واحدا من خمسة رجال  مرشحين للقتل على يد الصهاينة يوم احتلال القرية في نهاية تشرين الأول48 مع ثلاثة عشر تم إنتقاؤهم لهذا الغرض...ليأتي الإنقاذ غير المقصود إذ طلب القائد خمسة رجال يجيدون قيادة السيارات ليستخدموا كدرع واقٍ-إن صح التعبير- يمشون بسيارات الجيش أمام قافلة الجنود خوفا من تفجر ألغام مزروعة في الأرض...وهكذا أنقذت مهارة القيادة أبا زريق وأصدقاءه من الموت المحتم بطلقة نارية فيساهم الحظ أيضا في خروجهم أحياء من مهمة الموت تفجرا حماية لجيش الاحتلال، ليعود وأربعون معتقلا سالما إلى أهله بعد قضاء ستة أشهر في المعتقل.
عرفت من والدي أن الحياة كتبت له لجدتي ولأعمامي من جديد بفضل أبي زريق الذي فهم أمر القائد...فقام بتحذيرهم ليعودوا أدراجهم بسرعة قبل أن يطلق النار عليهم.
أن تجيد العبرية فتقرر فتح صف لتعليم شباب قريتك بعد التهجير والعودة ليس بالمفهوم ضمنا...وهذا ما فعله أبو زريق في الكنيسة الأرثوذكسية إدراكا منه لحاجتهم لهذه اللغة من منطلق المقولة (مجبر أخوك لا بطل) في المستقبل القريب.
أن تكون شيوعيا وتصلي الأحد في الكنيسة كل أسبوع معتبرا أنّ الدين أخلاقٌ بالدرجة الأولى...ليس بالمفهوم ضمنا خاصة مع اعتبارك عيد العمال أهم الأعياد كونه عيدا عالميا وأمميا.
أن تعمل في شركة مكوروت الإسرائيلية في أوائل الخمسينيات وتوزع راتبك على العمال من أبناء بلدتك ،أبدا ليس بالمفهوم ضمنا!
حال وصول أبي زريق سن التقاعد لم يألُ جهدا من اجل إنشاء نادٍ للمسنين في القرية...وسرعان ما بات هذا النادي الأكثر نشاطا وتميزا في المنطقة .
لطالما استغربنا من مقدرته على التحدي،التصدي والاستمرار وإن سئل قال:
وما نيل المطالب بالتمني    ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
ويضيف ليس هناك مفهوم ضمنا في الحياة ولا بد للمرء من البحث والعمل الجاد،ومن أراد أن يترك أثر فراشة فعليه بالعمل لمصلحة المجتمع وأن يؤمن بالعلم والتطور.
صدقت يا أبا زريق فالحياة أعظم وأجمل من أن ندرك كنهها كاملة...وما كان تبرعك السخي ،الجريء والواعي بجثتك لصالح الأبحاث العلمية والطبية تحديدا إلا إثباتا على تصالحك مع ذاتك في الموت كما في الحياة...فعلّنا نتعلم من سيرة حياتك وموتك شيئا يساهم في إعطاء مشوارنا في هذه الدنيا معنًى ومغزًى آخر.
دامت ذكراك تعبق بالياسمين
فسلام لروحك أبا زريق وإلى جنات الخلد أيها الكبير.

 


(عيلبون)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الظروف تغيّرت...

featured

الصحة النفسية تحفظ الصحة الجسدية

featured

"روحية ادريس"

featured

نحو مؤتمر شيوعي، مميَّز وعملي وناجح

featured

شعبنا أعطاكم فهاتوا

featured

صرخة ألم ابو مازن لها مدلولها السياسي

featured

وجهة نظر حول تهمة "عرقلة عمل شرطي"

featured

ألا يوجد من يشكم هذا الجزار العربيد !