هيكل و «التبسيط المُخلّ»

single

“التَبسيط المُخِل»، هذا المُصطلح الذي يرد في أغلب النقاشات وحلقات الجدل بين فريقين لا يريد أحدهما سماع الآخر هو - وبكُل جدارة - عنوان المرحلة التي نعيشها الآن على المستوى السياسي بشكل خاص. فالسجال السياسي لم يعد يهدف إلى الخروج من المأزق بقدر حفاظ كُل فريق على وجوده المبني على تفريغ الفريق الآخر من محتواه وإلغاء وجوده المعنوي وربما المادي أيضاً.
أيضاً ونحن بصدد الحديث عن مفكّر راحل له شأنه السياسي والمهنيّ، فنحن هنا نواجه آلهة التبسيط المُخل من فئة آكلي لحوم الموتى طبقاً لأحدث الصيحات على الساحة العربية. فلدينا الكثير والكثير من هؤلاء الذين ينتظرون رحيل أحدهم لبدء نهشه وتسفيه رحلته على الأرض واختصارها في لفظ أو عبارة بدلاً من السرد والتفكيك والتحليل وبناء الرؤية الأقرب إلى الشمول.
بمجرد إعلان وفاة الكاتب الصحافي والمفكّر محمد حسنين هيكل، توالت الأقلام لنقش كلمات العزاء والحزن المعتادة وخرج هواة سبّ الموتى لتأدية أدوارهم المعتادة في لَيّ عنق الأحداث والتواريخ لكيل الاتهامات للرجل، الأمر الذي وصل إلى حدّ تحميله ما وصلت إليه مصر الآن على مستوى الحريّات والحياة السياسية، وكأنه مُبارك الذي همّشه وتجاهله وأبعده، أو أنور الذي اعتقله.
كان هيكل يستخدم لفظ «التبسيط المُخل»، حينما يحاوره أحدهم ويقوم خلال الحوار بطرح فكرة في هيئة استفهامية بينما هذه الفكرة لا تلقى استحسان «الأستاذ» حينما تقع على مسمعه. وهنا كان يبادر المُحاور إلى القول «هذا تبسيط مُخلّ لقضيّة أكثر تعقيداً». وتدور الأيام ويقع هيكل ضحية للتبسيط المُخلّ وربّما يمكننا تسمية هذا التحامل أيضاً بالـ «تضخيم المُخلّ». فتحميل كاتب صحافي ومفكّر ذنب ما آلت إليه أحوال البلاد هو ذبح لرجل أنشأ خطّاً مهنيّاً يسير عليه الآن أغلب الصحافيين الجدد، وهو خط الصحافة الاستقصائية، وهو أيضاً الرجل الذي حمل على أكتافه مؤسسة بحجم «الأهرام» لينقلها من جريدة مقبلة على الإفلاس إلى المؤسسة الصحافية الأولى في الوطن العربي والتي تدهور حالها بعد إبعاد السادات للكوادر التي نشأت على نهج هيكل بداخلها، ثم قيام مبارك بإسناد أمرها إلى أنصاف الموهوبين في مجال الصحافة وكبار الموهوبين في مجال الإطراء على الحاكم والتهليل للسياسات الحكومية.
وبنظرة سريعة على حال الصحافة في مصر في عهد هيكل وحالها الآن، لن نحتاج إلى تعمّق في الأمر كي نرى كيف تحوّل المنهج الصحافي في مصر من صحافة الاستقصاء والدراسة إلى صحافة الـ «ترافيك» التي لا ترى أي غضاضة في نشر شائعة يعلم الصحافي أنها لا تستند إلى أي حقيقة لمجرّد إثارة الجدل. وهنا يمكنك وبكُل بساطة التبرؤ مقدّماً من الذنب بإضافة كلمة «أنباء عن» أو «مصادر تؤكد» أو «تداول نشطاء التواصل الاجتماعي» قبل سردك للخبر، وكي تكون أكثر حرفية يمكنك أن تكتب الخبر كعنوان وتسرد تلك الجمل داخل المتن. هل هيكل هو المسؤول عن ذلك أيضاً؟
الشاب العشريني الذي حمل حقيبته ونظّارته المعظّمة إلى الفالوجة العام 1948 لتغطية أوّل مواجهة بين الجيش والمستوطن الصهيوني، أصبحنا نرى منه المئات وربّما الآلاف الآن في الرقة وحلب ودمشق وصنعاء وعدن وسيناء وغزّة ممن حملوا على عاتقهم نقل الحقيقة من ميدان المعركة، مُلقين بحيواتهم رهناً لدى أعداء من هنا وهناك بينما يجلس أحدهم خلف شاشة ليكتب عن سبعة أمور مثيرة للجدل في حذاء كيم كرديشيان الجديد ليجلب آلاف القراءات وربما الملايين. أي نموذج هنا يقع تحت مسؤولية هيكل؟
اتّسع الفراغ الإلكتروني وأصبح يضم نماذج صحافيّة مميزة في مجال الاستقصاء والتحليل وتفكيك الخطاب، وأصبحت لدينا نماذج مشرّفة للصحافة المستقلّة الحرّة بتكاليف مادية لا تُذكَر، بينما هناك مؤسسات كبرى في مصر تتحرّك في اتجاه الهجوم على فئات بعينها وتُفبرك لها القصص والاتهامات إرضاءً لهذا وذاك في حملات تستهدف النَيل منها، فأي نموذج هُنا يمكننا تحميل هيكل مسؤولية ظهوره؟
في العام 1967 وعقب النكسة لم يقم هيكل بمحاورة عبد الحكيم عامر وزير الحربية إبان الحرب، ولم يأتِ بخبير عسكري لينقل من خلاله للأمّة إمكانيّة إعادة ترميم ما كُسر وبناء ما هُدم أو للحديث عن المؤامرة المقيتة التي ألقت بالأمّة في تلك المأساة. بل قام الأستاذ بإجراء حواره الصحافيّ الشهير مع كوكب الشرق السيّدة أم كلثوم والتي قدّمها بعبارة وصفها بها بأنها «أقوى فرقة في كتيبة قوّة عبد الناصر»، وحينها نقل من خلالها الأمل للجماهير. فحينما يتوقف الناس من الصدمة ويفقد الساسة مصداقيتهم ولو بشكل جزئي، لا يوجد سوى الفن وأهله حاملاً للأمل في المقبل الأفضل. أعلنت أم كلثوم خلال هذا الحوار إقبالها على إجراء جولتها الفنّية الشهيرة في عدد من دول العالم بالإضافة لجولتها في محافظات مصر وتبرّعها بكامل أجرها في كل تلك الحفلات لمصلحة المجهود الحربي وإعادة بناء جيش مصر. وقد استمرّت هذه الجولة أربع سنوات لم تحصل بها السيدة على جنيه واحد. فأي أمر هنا يتحمّله هيكل، «النكسة» أم الأمل في النصر الذي حدث بعد ست سنوات من إجراء الحوار؟
مؤسسة «الأهرام» الصحافيّة التي لولا هيكل لكانت موجودة فقط على صفحات التاريخ، مرّت بعقود من الاضمحلال والتراجع الرهيب وخاصة في عهد مبارك الذي استمرّ ثلاثة عقود، تسلّمها هيكل العام 1957 وهي على وشك الإفلاس وقام بتأسيس «مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية» وهو المركز الأب لكل مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية في مصر حتى الآن، وأعاد إحياء المؤسسة حتّى أنها صمدت أمام العجز والاختلاس والتضليل في عهد مبارك حتى تسلّمها أحمد السيد النجار في العام 2014، وهو أحد أنبغ تلاميذ هيكل، الرجل الذي أعاد للمؤسسة قدراً كبيراً من بريقها وتميّزها برغم كُل الظروف التي تمر بها البلاد الآن.
إن كسر القوالب والتابوهات وهدم أصنام النماذج التاريخية الجامدة هو أمر محل اتفاق بين الأسوياء، ولكن أين القوالب الفاسدة من الكسر الذي ينتهج منهج «الاستسهال» حينما تكون الأمور أكثر تشابكاً من حسبة 1+1=2، ويصبح من السهل دائماً الهجوم على التفاصيل الظاهرة بدلاً منى تفكيك التشابك وتحليل الواقع وتكوين الرؤية. التبسيط المُخل يظهر دائماً في حالات الكسل عن تفكيك القضيّة وتفنيد الوقائع وبناء الأحكام السويّة على الأشخاص والأحداث، وهيكل الذي يرى فيه الكثيرون أباً للصحافة المصريّة والذي فارق عالمنا بعد خمسة وسبعين عاماً من الصحافة قد وقع اليوم وبعد وفاته ضحية لذلك التبسيط المُخِل، ولكن بعد هدوء الموجة ستزول عبارات القُبح والتشفّي ويبقى الأرشيف مطروحاً للجميع ليقرأه ويرجع إليه حينما تضيق به الطرق. (السفير)

قد يهمّكم أيضا..
featured

تحية فلسطينية للبرازيل ورئيسها

featured

يخطئ من يظن أنّه...

featured

الجبهة مصدر اعتزاز

featured

الرسائل المتبادلة.. ماذا بعد؟!

featured

رجل الشموخ والإباء - ( لذكرى طيب الذكر العم داود تركي رحمه الله )

featured

لن تفلتوا بريشكم من معاقبة جرائمكم

featured

اللَّهُمَّ اشهَدْ!