لا أدري الخلفية الاجتماعية أو السياسية للمثل المشهور أو القول المأثور: الكذب ملح الرجال، فلا يمكن أن يكون الكذب ملحا أو سكرا بل هو مثلبة أخلاقية تفوق المثالب الإنسانية الأخرى مثل السرقة والخيانة والنفاق والزنا وغيرها، وأما إذا أصرّ البعض على أنّ الكذب ملح الرجال فأرى أنه الملح الذي يضرّ مرضى ضغط الدم العالي وقد يودي بحياة من يكثر منه. وأنا أكره الكذب وأحتقر الكاذبين، وعالجتُ ظاهرة الكذب المنتشرة في مجتمعنا في مسرحيتيّ "إضراب مفتوح" و "حوض النعنع" حينما لمستُ انتشار هذا المرض الاجتماعيّ والأخلاقيّ وبعدما عانيتُ عدة مرات من كذب بعض المعارف أو بعض الذين ذكرهم القرآن الكريم في سورتيّ "الفلق" و "الناس".
يطلق القرويون على الكاذب أو الكذّاب عدة أسماء منها: هشّات، فشّار، دجّال، حلول، ذمته واسعة، لسانه فرط، سلاخ كوسا.
وكانت والدتي رحمها الله تقول لي بأنها لا تصدق نشرة الأحوال الجوية في راديو إسرائيل: لأنهم لا يعرفون طقس البلاد فالبلاد ليست بلادهم بل جاءوا إليها في الببور من كل بقاع الدنيا.
و الكذب ليس محصورا في فئة ما فهناك تجار وسياسيون ورجال دين وفنانون وشعراء وإعلاميون يمارسون الكذب يوميا.
سمع دافيد بن غوريون، أول رئيس حكومة في إسرائيل، من قيادة الجيش عن اعجابهم بضابط شاب اسمه أرئيل شارون فدعاه إلى جلسة في مكتبه وبعد أن انتهت الجلسة كتب بن غوريون في يومياته: "لا أصدق كلمة واحدة مما يقوله هذا الضابط الشاب" وأما رئيس حكومة إسرائيل إسحاق شمير فعندما قيل له في إحدى جلسات الكنيست بأن كلامه كذب أجاب: إنه أمر جيد أن يكذب من أجل الدولة، وأما بنيامين نتنياهو فحدّث عنه ولا حرج.
هناك شخصيات دينية تكذب ولا تخجل من كذبها ويزعمون بأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد سمح للرجل بأن يكذب على زوجته. ذات مرة اتفقتُ مع شخصية دينية إسلامية مرموقة في بلادنا على موضوع ما وبعد أيام سمعته يتحدث عكس ما اتفقنا عليه فلما واجهته بالحقيقة قال لي: نعم أنا أكذب ومن أجل المصلحة. قلتُ له: سوف نسميك الشيخ الكذاب، فأجابني بدون خجل: سمّني ما شئت !!
كذبت قيادة الإخوان المسلمين في مصر عدة مرات علانية في السنة الأولى للثورة. قالوا أنهم سينافسون على ثلث مقاعد البرلمان فقط فلما جاءت الانتخابات نافسوا على جميع المقاعد وحصلوا على الأغلبية، وقالوا أنهم لن يترشحوا لرئاسة الجمهورية ومن سيترشح فسيفصلونه من الحركة فلما جاءت الانتخابات رشحوا زعيمهم خيرت الشاطر فسقط ترشيحه قانونيا فرشحوا مباشرة د.محمد مرسي، وهناك مسلسل كذب إخوانيّ ينافس المسلسلات التركية التلفزيونية.
في إحدى السنوات الخالية زارني شاعر وأخبرني أنّ دعوة ثلاثية وصلت إلى صديقنا فلان كي نسافر نحن الثلاثة إلى باريس للمشاركة في معرض الكتاب الذي سيفتتح بعد ثلاثة أسابيع وطلب مني أن أحضر جواز سفري وحقيبتي، وهكذا فعلت. و مرت ثلاثة أسابيع ولم يتصل بي أحد فاتصلت بصديقنا فلان مستفسرا فضحك ملء صدره وقال: "وصدقته" !؟
لا أدري لماذا لا تجري مسابقات محليّة وقطريّة ودوليّة في الكذب ولو جرت لكان لبعض أبناء شعبنا القدح المعلى. مثلا لي قريب يأخذني في الكذب إلى النيل ودجلة والفرات ويعيدني عطشان. حينما يبدأ الحديث في حضوري يوأوئ قليلا ثم ينطلق ويحلق ويلف ويدور وهو يهشت ويفشر وأنا أبلع وأبلع. وهناك أناس يكثرون من القسم بالله في كل جملة ينطقونها فأدرك عندئذ أنهم يكذبون ويغطّون كذبهم بالصلاة على النبيّ. وأما المصيبة الكبرى فهي أن الكاذب يصدق نفسه.
قسما بلحية الشيخ القرضاوي ولحية الراب عوفاديا ولحية البطريارك (اسمه غريب) أنّ كل ما ورد في هذه المقالة صادق وخال من الكذب.
هل تصدقونني؟
بلاش كذب !!!
