منذ سنوات مضت، كما أذكر، كان الاحتفال بيوم المرأة الثامن من آذار وقفا على حركة النساء الدمقراطيات إلى حد ما، واليوم صار الامر يختلف. فالعديد من المؤسسات والناس يساهم ويشارك ويقوم بجزء من الواجب تجاه عالم المرأة، لكن البعض، وهذا البعض كثير، يكتفي بكلمات المجاملة وتقديم باقات الورد، وهذا حسن ومطلوب، ولكن: الثامن من آذار يوم نضالي مطلبي من اجل رفع الغبن والاضطهاد عن المرأة من قبل نظم الحكم الرجعية وشرائح واسعة من المجتمع الذكوري الموروث من الماضي البعيد.
ومن نافلة القول ان هناك من يتنكر لهذا اليوم ويعتبره بدعة، ويحاربه!
وتختلف طرق التعبير عن قيمة هذا اليوم الهام، بحسب الانتماء الفكري والاجتماعي والطبقي والسياسي للفرد والمجتمع والنظام السائد. لا استسيغ ابدا الجمل الرنانة المكررة بأن معشر الرجال هم العقبة، وهم الداء لهذا الغبن. ان استلاب الحق المهضوم هو واجب المرأة والرجل على السواء، وخاصة المرأة بناء على المقولة المعروفة: الحق يؤخذ ولا يعطى. صحيح ان هنالك كومات وعرَمات ورواسب وعوائق امام المرأة، لكن احد جوانب البهجة والسعادة يكمن في اصرار المرأة ونشاطها الملموس المثابر وبشجاعة للتغلب على هذه العوائق، كما نرفض كلمات الدلع من البعض الكثير بأنه حان الوقت لإعلان يوم الرجل، وكأن المرأة اخذت كامل حقها وزيادة.. تتاح لي الفرصة احيانا لأشارك في اجتماعات مختلف الاطر المتعاونة للاحتفال بيوم المرأة، ويدهشني هذا الموقف القائل: الابتعاد عن السياسة!! إن اضطهاد المرأة هو موقف سياسي واجتماعي وطبقي وفكري.
عدد من النساء وصلن إلى رتبة ملكة، ورئيسة وزراء ووزيرة، منذ جلالة ملكة بريطانيا العظمى إلى بندرانايكا وتاتشر إلى يومنا هذا، فهل ساهم ذلك في رفع الغبن عن جموع النساء!!
كما ان هذه الرأفة بالمرأة وتخصيص أمكنة لها في لائحة مرشحين لا تحل المشكلة. المرأة مخلوق قوي ذات طاقة هائلة كزوجة وأم ومربية وعاملة وعليها هي ان تقتحم المضمار، وعندنا العديد من الامثلة على ذلك.
ان تعابير مثل حُرمة وحَرم وحَرمْلك وعرض وشرف العائلة وضلع قاصر، كلها اعشاب ضارة في المجتمع يجب اجتثاثها من اذهاننا. وقعت تحت نظري دعوة من احدهم لزواج ابنته: "تفضلوا على زواج "عاجزتي""، والعاجزة هي الابنة!! حدث ويحدث ذلك في دول ومجتمعات جنوب شرقي آسيا، وماذا مع بعض النظم العربية التي تدعي التدين وهي منه براء وتعج بالموبقات؟!
إن طبيعة التطور والعامل الذاتي البنّاء خلقت جيلا رائعا من النساء والفتيات في مجالات العلم والعمل والعطاء متحديات كل بنود وتوصيات الخنق والاضطهاد، ان تحرر المرأة اقتصاديا كفرد منتج هو شرط لتحررها الاجتماعي. وكم صدق آباء الماركسية، خاصة لينين عندما قام بخطوات ملموسة لانتشال المرأة من دورها السائد في المطبخ والأسرة وتوجيهها إلى العمل عن طريق اقامة الحضانات والمطاعم الشعبية لتجد المرأة جزءا من الوقت لتعمل وتتعلم. المرأة ليست "زينة" في اية هيئة او مؤسسة، بل هي عضو نشيط واثق وجريء.
في مجتمعنا الكثير من الادران مثل العنف والتعصب والتزمت الاجتماعي وكلها حجارة عثرة في طريق التطور، بينما كلمات ومقولات مثل: وهل الطائر الا بجناحين يطير!! او: "وحدة وحدة كفاحية الشبّ بجنب الصبية"، هي دواء لهذا الداء بلا مجاملة ولا اعتبارات ممجوجة فاسدة.
وهل الفصل بين "مدرسة البنات" ومدرسة البنين يؤهل لمجتمع سليم يتحلى بالعافية الاجتماعية والثقة!! في المظاهرات والمسيرات مثل "العودة" وذكرى النكبة وضد الاحتلال نرى جموعا غفيرة مباركة من النساء، هكذا يجب ان يكون. وكل عام و"أنتن" وأنتم بخير.
