"سايكس بيكو قد ماتت وانهارت" هكذا زمجر فى وجهى وليد جنبلاط الليلة الماضية وقد يكون فعلا على حق.
فالسيطرة السنية للجهاديين الاسلاميين على شمال وشرق سوريا وغرب العراق قد دمرت أخيرا اتفاقية ما بعد الحرب العالمية الأنجلو فرنسية (سايكس بيكو)، وهي الاتفاقية التي حيكت من قبل مارك سايكس وفرانسوا بيكو، وقسمت الشرق الأوسط بتحويل الدولة العثمانية القديمة إلى دويلات عربية يسيطر عليها الغرب.
فالخلافة الإسلامية ولدت في العراق وسوريا، حتى لو بشكل مؤقت، على يد المقاتلين السنة الذين لا يعرفون الحدود الجغرافية بين سوريا والعراق والأردن ولبنان، ولا حتى حدود فلسطين التي أنشأتها بريطانيا وفرنسا.
تلك المأساة التاريخية على الشرق الأوسط بدأت من خلال اتفاقية سايكس بيكو، التى سمحت لبريطانيا بتنفيذ وعد بلفور عام 1917 لإعطاء الدعم البريطاني لإنشاء "وطن" لليهود في فلسطين. وربما يدرك العرب والاسرائيليون اليوم فهمًا أكثر للتغيرات التاريخية العميقة – والدلالة السياسية العميقة – للمعارك غير عادية التى جرت هذا الأسبوع وأثرها على الخريطة القديمة الاستعمارية في الشرق الأوسط.
وكان انهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1918 قد أدى لتقسيمها عبر محورين؛ شمال- شرق وجنوب- غرب، حيث مرت تقريبا قرب مدينة كركوك التي سيطر عليها الأكراد مرورا بالموصل في شمال العراق وعبر الصحراء السورية وعبر الضفة الغربية وغزة. وقد أعطيت الموصل في البداية لفرنسا نظرا لثروتها النفطية ومنحت لاحقا للبريطانيين مقابل منح الفرنسيين محورا عازلا بين بريطانيا والقوقاز الروسية، حيث أصبحت بغداد والبصرة أمانة في يد البريطانيين خلف الخطوط الفرنسية. ومن ثم تم ضم الموصل لدولة العراق الجديدة حيث أصبح النفط بيد صناع القرار في لندن. أما شرق الأردن وفلسطين فوضعا تحت الانتداب البريطاني، وسوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي.
الخريطة الجديدة للشرق الأوسط التي تم إنشاؤها من قبل التنظيمات الجهادية والنصرة وداعش وحلفائهم، تنشأ بخطة تبدأ من الشرق إلى الغرب بالسيطرة على الفلوجة وتكريت والموصل والرقة، ومناطق واسعة في شرق سوريا.
فالتكتيكات الجهادية تشير بقوة إلى أن الجهاديين يريدون السيطرة على غرب بغداد مباشرة عبر الصحاري السورية والعراقية، لتشمل حمص وحماة وحلب في العراق".
وبالتالي فإن الخريطة الجديدة في الشرق الأوسط سوف تعكس زيادة كبيرة للسلطة في يد السعودية على النفط في المنطقة، وخفض للصادرات النفطية من العراق، ورفع تكلفة النفط (بما في ذلك، بطبيعة الحال، النفط السعودي) والاحتياطيات النفطية فى الموصل وحقولها غير المستكشفة قد صارت الآن تحت سيطرة الجماعات السنية.
هذا التحول قد يولد نسخة جديدة من الحرب المرعبة بين إيران والعراق – الصراع الذي قتل 1,5 مليون من المسلمين السنة والشيعة، فكلا الجانبين كانا مسلحين من القوى الخارجية، فبينما مولت دول الخليج العربية صدام . كان الغرب سعيدا لرؤية هذه القوى يقاتلون بعضهم بعضا. ارسلت اسرائيل اسلحة الى ايران وشاهدت أعداءها المسلمين يقتلون بعضهم البعض. وهذا هو السبب الذى يجعل وليد جنبلاط الآن يعتقد أيضا أن الاستراتيجية الحالية للجهاديين وإن قتلت معاهدة سايكس- بيكو إلا أنها تجعل بلفور يضحك في قبره.
("الاندبندنت")