*ربما يظن بعض المغامرين المتهوِّرين بأنانيتهم أن بإمكانهم الإبحار في سفينتهم دون قبطان أو دون بوصلة، اعتقادًا منهم أنهم بذلك يملكون حريّتهم ويستطيعون الوصول إلى المبتغى الذي يريدون دون آمر ودون دليل*
- حجارة الوادي
لفتت نظري جدًّا، مقدِّمة لمقالة نشرت في "الاتحاد" عام 2009 للكاتب، سكرتير الجبهة السابق، عودة بشارات بعنوان "حجارة الطريق"، بعد إذن كاتبها سأقتبس بعضًا منها حيث يقول بشارات: "من أجل وضع الأمور في نصابها، وحتى لا تضيع الطاسة وبعدها البوصلة، من المهم تحديد الثوابت. يكتسب الأمر أهمية خاصة في زمن المتاهات ولدى التفتيش عن الطريق الصحيح، فهنالك من الحريصين على سلامة المتجولين، من يقوم بوضع علامات على الطريق، وفي لغات أخرى يسمونها، حجارة الطريق، لترشد السائرين نحو الاتجاه الصحيح. والشيء بالشيء يذكر، فعندما تفتح أبواب السماء بمطر غزير، لا يرى السائق لمسافة متر واحد أمامه، وهنالك من السائقين المجربين الذي يقول، التزم يسار الخط الأصفر".
ويضيف بشارات: "هنالك من يدخل البحر من مكان، فتأخذه الأمواج وتجيبه، معتقدًا أنه ثابت في مكانه، فيرجع إلى الشاطئ بعيدًا أمتارًا عديدة عن مكان دخوله، وبعدها يتعجب من هذا البحر الهائج، ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن يدفع الثمن غاليًا. وفي هذه المناسبة من المهم وضع ثوابتنا، حجارة مضيئة في ليل الأحداث المُضبّبة".
ثم يشيد بشارات بجهود القيادة التاريخية لحزبنا الشيوعي الذي حاور القيادة التاريخية لحركة فتح بقيادة القائد الرمز ياسر عرفات التي تكلّلت بتبنّي حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية لبرنامج حزبنا الشيوعي فيما يتعلق بحل الصراع. وينهي بشارات تحليله بالقول: "إن الحجر الذي أهمله البناؤون أصبح رأس الزاوية (ولا بأس هنا من المزايدات التي تنطلق هنا وهناك، فهي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة).
- يا أمريكا ضُبّي فلوسك
نعم لقد حظيت قيادة الحزب الشيوعي في هذه البلاد على مدار 93 عامًا بثقة الكوادر والقاعدة الشعبية، بمواقفها المسؤولة والثاقبة في المعارك السياسية المصيرية والمفصلية، وعندما كان الموقف الصائب قبيل كل انتخابات برلمانية يكلِّف تراجع قوة الحزب بين الجماهير، لم يتأتئ في إعلان الموقف بجرأة وصراحة، لأنه وضع مصلحة الشعب والجماهير فوق أي اعتبار آخر، فكان يجابه الصعاب ويسبح بعكس التيار بتحدٍّ وحزم وقوّة، متسلِّحًا بكوادره الواعية، الواثقة بحنكة قيادتها الحكيمة. فحين أعلن الحزب الشيوعي عن موقفه بالموافقة على قرار تقسيم فلسطين عام 1947، اتُّهم الشيوعيون في حينه بالخيانة، وحين قلنا ان السلام العادل لن يتحقّق إلا بدولتين أيضًا واجه الشيوعيون حملة مسعورة من قبل المزايدين والمساومين على مصير شعبنا الفلسطيني الذين سرعان ما انكشفت أوراقهم وتساقطت.
يجب التأكيد على مصداقية ورزانة وحكمة حزبنا الشيوعي، فأركان الدفاع عن الرؤية الثاقبة للحزب في صياغة مواقفه الرزينة والمسؤولة، مبنية على فكره الماركسي اللينيني النيِّر، وتأكيده دائمًا أن الصراع الطبقي الذي أشار إليه لينين في ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى عام 1917 وما أكّده قبله ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي عام 1848، بأن جوهر الرأسمالية وقوتّها في احتكار الثروة ومصادر الرزق هو على حساب الغالبية من الطبقات الفقيرة المسحوقة وعلى البشرية جمعاء.
من هذا المنطلق بلور الحزب الشيوعي الإسرائيلي أيضًا رؤيته السياسية بعيدة المدى، آخذا بعين الاعتبار، طرح الموقف السياسي الموضوعي الذي يقبله المنطق والعقل والقابل للتنفيذ، فأدركت القيادة الشيوعية، مثل رفاقنا توفيق زياد وإميل حبيبي ومئير فلنر وتوفيق طوبي وغيرهم، خيوط المؤامرات الخطيرة التي حاكها الاستعمار في سنوات الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي لتقسيم منطقة الشرق الأوسط، ولا تزال الامبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وأذرعها حتى يومنا هذا تحيك المؤامرات التوسعية لنهب ثروات المنطقة بذريعة تأمين ديمقراطية موهومة للشعوب العربية، وكان الحزب الشيوعي الوحيد المحصّن الذي يحمل الموقف المواجه والمجابه للمؤامرات من أجل تطويقها وإفشالها بكل ثمن.
في ظلّ الثورات والانتفاضات الشعبية التي تعصف في الدول العربية والنقاش الدائر حول الموقف من سوريا بالذات، أود هنا أن أعود وأذكِّر مرّة أخرى بمقدِّمة الكاتب عودة بشارات، حين تحدّث عن الدور المركزي الذي يلعبه حزبنا الشيوعي بوضع الرؤية السياسية الاستراتيجية في القضايا المعقّدة والمركّبة. لم يخطئ حزبنا أبدًا عندما ردّد في كل مناسبة ومن على كل منبر، أن أمريكا هي "رأس الحيّة"، ومن أشهر الهتافات التي تناقلتها الأجيال "يا أمريكا ضُبّي فلوسك بكرة الشعب العربي يْدوسك" أو "علّمنا زياد وقال أمريكا رأس الحيِّة" أو "أمريكا رأس الحية وهزيمتها حتميِّة".
- لأننا طلاب حياة
يستعد الحزب الشيوعي الاحتفال بالمئوية الأولى على تأسيسه، وطيلة قرن من الزمان تقريبًا لم تلتق مواقفه حتى لمرة واحدة مع السياسة الأمريكية والإسرائيلية. لهذا فإن ما يثير الاستغراب هو موقف شرائح وطنية في مجتمعنا من الأحداث الجارية على الساحة السورية وخاصة ممن يمجِّدون باعتزاز مواقف القيادة التاريخية لحزبنا الشيوعي، فأحاول أن استوعب عبثًا موقف بعض الوطنيين من الملف السوري اليوم. هل يمكن أن تكون أمريكا قد "أخطأت" مصالحها في المنطقة!؟ أم أن هناك تضييع للبوصلة يؤدي، دون قصد، الى خدمة السياسة الأمريكية والأنظمة الرأسمالية التي تريد أن تواصل بسط جشعها وامتلاكها لخيرات وثروات الشعوب العربية!؟
لقد واجه حزبنا الشيوعي السياسة الأمريكية، وهاجم بنفس المستوى أدواتها المتمثِّلة بالأنظمة العربية الرجعية ومصالحها الطبقية المرتبطة بالإمبريالية العالمية وحكومات رأس المال. وكنا ننتظر طوال السنين الفائتة بفارغ الصبر صحوة الشعوب العربية لقلب أنظمة الذلّ والإذلال، فلا يأتي أحدٌ اليوم ليزايد علينا بوطنيّته وغيرته على مصالح الشعوب، ونحن من أكّد دائمًا مقولة "سلام الشعوب بحقّ الشعوب". لا بأس، فالمزايدون لا يموتون بل يتجدّدون، ويظهرون في كلّ مرّة بمائة لبوس ولبوس، والأمثلة على ذلك كثيرة، وفي هذا السياق لا أقصد أبدًا مواقف الرفاق والأصدقاء الذين ضلّوا الطريق من منطلقات نظيفة فسيّرتهم مشاعرهم النبيلة، في وقت نحن بأمسّ الحاجة إلى تحكيم العقل والصواب سوية مع المشاعر النبيلة الصادقة. بل أقصد هنا، من ارتمى في أحضان حمد وأصبح بارعًا في خدمة بلاط أسياده الأسخياء، فيلعب الدور المركزي في دعم المؤامرة على سوريا وشعبها ومستقبل المنطقة بأسرها.
نعم لقد سئم شعبنا الفلسطيني وشعوب المنطقة الشعارات الطنانة كالتي أودت بفلسطين، سئم شعبنا المواقف المزايدة والمساومة، وقلنا دائما، لن نساوم، بل نقاوم، فمن يريد أن يموت لتحيا فلسطين، ليذهب ويمت وحده، فنحن نريد أن نحيا لتحيا فلسطين، ونريد أن يحيا الشعب السوري لتحيا سوريا حرّة ومقاومة لأي عدوان استعماري إمبريالي خارجي. ومثلما أعلنا عن مواقفنا المسؤولة في السابق في القضايا المعقّدة، نقول اليوم، إن الشعب السوري قادر على فضح المؤامرة وحماية مصالحه، فلا مكان للمؤامرة والموت بيننا، لأننا طلاّب حياة".
- تعالوا لندعِّم هيبة حزبنا بين الجماهير
هناك لمسة عتاب أوجِّهها لبعض الرفاق والأصدقاء الذين أكنّ لهم كل الحبّ والتقدير. ما الذي حصل بعد إعلان غورباتشوف ما يسمّى بـ (الغلاسنوت) أي العلانية، والـ (بريسترويكا) أي أعادة البناء؟؟!!. ما الذي حصل فعلا!!، هل فعلاً انتصرت ديمقراطية غورباتشوف وعلانيته على ديمقراطية حزبنا الشيوعي هنا؟، هل حقًا الفوضى وانعدام الضوابط ممكن أن تكون الديمقراطية الحقيقية؟!، وهل أصبح مبدأ المركزية الديمقراطية وهو أحد أركان حماية الديمقراطية، هامشيًا، في عصر وعهد القطب الواحد؟!... همسة صادقة أهمسها في آذان الرفاق.. تعالوا نرفع سوية هامة حزبنا وندعِّم هيبته بين الجماهير، لنعزِّز ثقافة الشيوعي الملتزم بتنظيم وفكر حزبه ونطرد من داخلنا ثقافة شيوعي على كيفي أو على كيفك، أن نعيد قوة حزبنا التي لا تهزّها العواصف، لأنها تعتمد بالأساس على الفكر الماركسي اللينيني والتنظيم الحزبي الذي يعتبر فيه مبدأ المركزية الديمقراطية ركنا أساسيا وبوصلة تقودنا إلى برّ الأمان، وأن نثق بتحميل هذه الأمانة لقيادة حزبنا المنتخبة، لتكون القبطان الذي يصون الأمانة، إلى الأمام لأن الشارع والناس بانتظارنا أيها الرفاق.
