غلاف الكتاب
* "الطابور الخامس" - قيادات الحركة الصهيونية العالمية و"اليشوف العبري"!*
"التاريخ، لا المحكمة، هو الذي سيحاكم كاستنر" – هذه هي الخلاصة التي سجلها قاضي المحكمة العليا شمعون أغرانات، في قرار الحكم الذي كتبه في "قضية كاستنر". والواقع أن هذه القضية لا تزال تخضع لمحاكمة التاريخ، إذ تعود من حين إلى آخر لتحتل حيزا بارزا وأوليا في ساحة النقاش العام في إسرائيل. وهو ما حصل، مرة أخرى، في السابع من تشرين الثاني / نوفمبر 2013، في ذكرى 69 عاما على إعدام حانه سينش في أحد سجون بودابست، عاصمة هنغاريا (حانه سينش هي إحدى المظليين اليهود الثلاثة الذين هبطوا في يوغسلافيا إبان الحرب العالمية الثانية في مهمة إنقاذ يهود هنغاريا، لكن تم إلقاء القبض عليهم). وسبق أن أثيرت القضية، أيضا، في الخطاب البرلماني الأول الذي ألقته عضو الكنيست ميراف ميخائيلي، حفيدة كاستنر، في الكنيست الجديد (الـ 19) يوم 28 شباط 2013، والذي استهلته بالتذكير بانتمائها وبتاريخ جدّها، لتقول من ثم: "إذا كان ثمة درس تعلمته من قصة جدي، فهو أن لا أكون ضحية... قلة هي الشعوب التي تعرضت لصدمة بحجم الهولوكوست. لكن أصبح لزاما علينا الآن تذويت حقيقة أنه لا يمكننا مواصلة لعب دور ضحية الهولوكوست فحسب". ومن هنا، انطلقت ميخائيلي لتوجيه نقد لاذع للسياسات الإسرائيلية الرسمية المتواصلة على كافة الصعد، من المساواة بين الرجال والنساء، الأوضاع الاقتصادية المتردية والفجوات الاقتصادية ـ الاجتماعية المتفاقمة، المساواة بين المواطنين اليهود والعرب، الاستيطان والحروب وحتى ضرورة التوصل إلى سلام مع الشعب الفلسطيني. وهو ما جرّ عليها هجوم أوساط سياسية مختلفة، أعادت هي الأخرى "قضية كاستنر" إلى طاولة البحث العام.
و"قضية كاستنر" هذه تشكل معلما فارقا في تاريخ الحركة الصهيونية عموما وتاريخ دولة إسرائيل خصوصا، ويعتبرها البعض جرحا لا يزال ينزف بين صفحات هذا التاريخ، فلا تتوقف محاولات بحثها ودراستها وتحليلها، إذ صدر عنها حتى الآن عدد كبير من الكتب، من بينها، وربما أهمها، هذا الكتاب الذي نحن بصدده.
صدر هذا الكتاب بالإنجليزية (تحت عنوان: Perfidy) في العام 1961. وبعد سنوات من المنع، صدرت الترجمة العبرية منه في طبعتها الأولى في العام 1970 عن "دار لدوري" للنشر في تل أبيب، بترجمة أفيعيزر غولان، تحت عنوان "قضية كاستنر ـ خيانة" (339 صفحة). ثم صدرت منه، لاحقا، طبعات أخرى كان آخرها في العام 2011.
*من هو كاستنر؟*
د. ريجيه (ثم "رودولف"، إبان العهد النازي، ثم "يسرائيل" في إسرائيل) كاستنر ـ كان محاميا وصحفيا يهوديا، من قادة الحركة الصهيونية في هنغاريا (المجر). كان رئيسا لـ"اللجنة (الصهيونية) لإغاثة يهود هنغاريا. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، هاجر كاستنر إلى إسرائيل، وانخرط في حياتها السياسية بسرعة فائقة، فانضم إلى حزب "مباي" (الحاكم، بزعامة دافيد بن غوريون) وترشح في قائمته لانتخابات الكنيست، الأولى والثانية، ثم عُيّن ناطقا باسم وزارة التجارة والصناعة، ثم مديرا للبث الإذاعي في "صوت إسرائيل"، ثم محررا لصحيفة "مباي" باللغة الهنغارية ("أويْ كيليت" ـ "شرق جديد"!).
بدأت "قضية كاستنر" بمنشورات أصدرها ووزعها صحفي يهودي من أصل هنغاري كان يقيم في مدينة القدس، يدعى "ملكيئيل غرينفالد"، واتهم فيها كاستنر بالتعاون مع النازيين إبان الهولوكوست، بمعاونة النازيين في إبادة يهود هنغاريا والمشاركة في نهب ممتلكاتهم، بل ومساعدة مجرم نازي في أعقاب الحرب. ونظرا لأن كاستنر كان موظفا حكوميا آنذاك (ناطق بلسان وزارة التجارة والصناعة)، قرر المستشار القضائي للحكومة، حاييم كوهن، تقديم دعوى قضائية ضد غرينفالد بتهمة القذف والتشهير.
لكن محامي الدفاع عن غرينفالد، المحامي شموئيل تمير (الذي أصبح، لاحقا، وزيرا للقضاء في حكومة مناحيم بيغن الأولى، من العام 1977 حتى العام 1980) قلب ظهر المجنّ بتحويله كاستنر، شاهد الادعاء المركزي، من مُدّعٍ / متهِم إلى مدعى عليه / متهَم وحوّل المحاكمة - التي بدأت في كانون الثاني 1954 في المحكمة المركزية في القدس، أمام رئيسها د. بنيامين هليفي - من "محاكمة غرينفالد" إلى "محاكمة كاستنر"، فتركزت مداولاتها في "استيضاح قضية إبادة يهود هنغاريا في نهايات فترة الهولوكوست وممارسات كاستنر في تلك الفترة".
وانتهت المحاكمة بقرار أصدره القاضي هليفي في حزيران 1955، وأدان فيه كاستنر بالتعاون مع النازية في إبادة يهود هنغاريا وفي تقديم شهادة دفاع (باسم الوكالة اليهودية والمؤتمر الصهيوني العالمي) عن النازي كورت بيخير في إطار محاكمات نيرنبرغ، مما أدى إلى إنقاذ بيخر من عقوبة الإعدام. وقد أحدث قرار الإدانة صدمة عارمة في المجتمع الإسرائيلي، وخاصة تأكيد المحكمة على أن "كاستنر باع روحه للشيطان" ـ وهي الجملة التي انحفرت في الذاكرة الجمعية، واعتبرت بمثابة هدر دم كاستنر. وبالفعل، قام ثلاثة "مجهولين" بإطلاق النار عليه أمام منزله في تل أبيب، يوم الرابع من آذار 1957. وتوفي كاستنر في المستشفى بعد 11 يوما من الإصابة، "وهو ما أثار علامات سؤال واستهجان كبيرة"، خاصة وأن وضعه الصحي شهد تحسنا كبيرا قبل الوفاة! وعُلم، لاحقا، أن المتهم الرئيسي بإطلاق النار على كاستنر، زئيف أكشطاين، كان "عميلا سريّا" لـ"جهاز الأمن العام" (الشاباك). وبالمناسبة، كانت تلك المرة الأولى التي يُكشف فيها النقاب عن وجود هذا الجهاز في إسرائيل!
ولم يغيّر من الواقع شيئا قرار المحكمة العليا الإسرائيلية، بعد عشرة أشهر من اغتياله، بأغلبية ثلاثة قضاة ومعارضة اثنين، تطهير اسمه وتبرئته من تهم التعاون مع النازيين، الضلوع غير المباشر في قتل اليهود في هنغاريا، إذ بقي في أعين كثيرين جدا من اليهود "نَجِساً، مكروها ومنبوذا". ويعتبر كثيرون، في تأريخ هذه القضية، أن اغتيال كاستنر شكّل عمليا جريمة الاغتيال السياسي الأولى في دولة إسرائيل، بينما يقول هيخط في كتابه إن هذه القضية ستصبح "الشبح الأكبر والأخطر الذي يرافق الأمّة" (ص 243).
*بن هيخط ودوافع التأليف*
هذا الكتاب ألـّفه يهودي أمريكي يدعى بِن (بنجامين) هيخط (1894 – 1964)، كاتب ومسرحي، وصحفي سابق، من مواليد نيويورك، انضم إلى صفوف "إيتسل" ("المنظمة العسكرية القومية" – الإرغون ـ بزعامة زئيف جابوتنسكي) في الولايات المتحدة بالتزامن مع صعود النازيين إلى الحكم في ألمانيا. أشغل مناصب قيادية مركزية في حياة اليهود في الولايات المتحدة خلال الأربعينيات، أبرزها: رئيس "اللجنة من أجل جيش عبري"، رئيس "لجنة الطوارئ لإنقاذ يهود أوروبا" ورئيس "الرابطة الأمريكية من أجل أرض إسرائيل حرة". ولم تطأ قدماه إسرائيل، مطلقاً.
ويوضح بن هيخط دوافعه لتأليف هذا الكتاب بالقول: "تربطني علاقة شخصية بقضية الملايين الستة من يهود أوروبا ضحايا النازية. فقد نشطت في دول التحالف مع أولئك ـ القلائل ـ الذين حاولوا، بكل ما أوتوا، اختراق جدار الصمت الذي أبيد اليهود من خلفه، ولمحاربة مؤامرة الصمت والإسكات التي حاكتها الوكالة اليهودية والمنظمات الصهيونية" (ص 222).
وحريّ بالانتباه، بداية، إلى أن هذا الكتاب صدر، للمرة الأولى، في العام 1961، أي بعد سنوات قليلة من قيام دولة إسرائيل، علما بأن هيخط شرع في كتابته في العام 1955، بعيد صدور قرار إدانة كاستنر، وهو ما أدخله في صراع داخلي حاد يعرضه بالقول: "بدأت بتأليف هذا الكتاب في العام 1955، ولكن بعد سنة واحدة، وبعد أن أنجزت أكثر من نصفه، أودعته الدرج، متسائلا: لمَ الاستمرار؟ لمَ انتقاد دولة فتية، صغيرة وكثيرة الأعداء مثل إسرائيل؟ لمَ أقوم أنا بالذات بالكشف عن مغاليق تاريخها الشائك؟ ... فقد عملت الكثير من أجل قيام دولة عبرية في أرض إسرائيل ولا زلت مؤمنا بسحرها وبمدى الحاجة إليها. من الأفضل التزام الصمت، إذن. ولكن، بعد مضي ست سنوات، عُدت وأخرجت المسودة من الدرج وحزمت أمري على إتمامها" (ص 286).
يتناول هذا الكتاب فصولا أساسية ومركزية في تاريخ الحركة الصهيونية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأولى بعد قيام دولة إسرائيل. ويرسم، في سياق ذلك، ملامح الشخصيات الأبرز فيها، "الأبطال" منهم أو "الأوغاد"، وفق رؤيته. إنها حكاية "تدنّـُس" الحركة الصهيونية والفساد الذي تفشى في قيادة دولة إسرائيل. وبصورة أعمّ، هو أطروحة سياسية حول طبيعة الفساد التي تشكل صفة ملازمة للسياسة والسياسيين وللحكّام وأنظمتهم على مر التاريخ، مدفوعاً برغبته في ترك "وصية للشعب اليهودي وللإنسانية أجمع"، بعدما تيقن من أن "حكومة إسرائيل قدمت الدعوى ضد غرينفالد من منطلق إيمانها التام بغباء الشعب وبقوة الكذب" (ص 221).
*الخيانة*
يعالج بِن هيخط في كتاب "خيانة" الدور الذي لعبه قادة الحركة الصهيونية العالمية و"اليشوف العبري" في التعاون الوثيق مع النازية، من خلال امتثالهم للإرادة والإملاءات البريطانية وتنفيذها، ثمنا لتحقيق مطامعهم في إقامة دولة يهودية في "أرض إسرائيل" وعلى أن تستوعب هذه الدولة "اليهود الأقوياء"، دون "اليهود الضعفاء"، وهو ما يصفه هيخط بأنه "سلوك عديم الإنسانية والكرامة"، و لو أنهم تصرفوا خلاف ذلك "لكان أكبر وزنا وأرفع قيمة، بما لا يقاس، من دزينة دول مثل إسرائيل" (ص 227)، التي عمل كثيرا من أجل إقامتها، كما أشرنا آنفا، باعتبارها "الوسيلة الأمثل لإنقاذ الشعب اليهودي"، لكنه رأى فيما بعد أنها "استحالت غاية أسمى وأقدس من الشعب نفسه"!
وبهذا المنظور، يشكل الكتاب لائحة اتهام غير مسبوقة، لا من حيث نشرها ولا من حيث حدتها وجرأتها، ضد الحركة الصهيونية وقيادتها، في صلبها الاتهام بخيانة الشعب اليهودي بأنها وظفت جميع جهودها وجـُل اهتمامها في الاستيلاء على الأرض في فلسطين ولم تحرك ساكنا في حماية يهود أوروبا وتخليصهم من براثن النازية، محطما "أسطورة" صهيونية مركزية هي: تجند القيادة الصهيونية العالمية في التصدي للنازية ولأدولف هتلر وفي إنقاذ يهود أوروبا من مصير الإبادة، فضلا عن تحطيم صور كبار قادة الحركة الصهيونية آنذاك. وفي الحديث عن "قادة الحركة الصهيونية واليشوف العبري"، يحددهم هيخط بالإسم، وهم بصورة أساسية: حاييم فايتسمان، رئيس الحركة الصهيونية العالمية والرئيس الأول لدولة إسرائيل، دافيد بن غوريون، رئيس الوكالة اليهودية والرئيس الأول لحكومة إسرائيل، موشي شاريت، الساعد الأيمن لفايتسمان ورئيس حكومة إسرائيل لاحقا، إسحاق غرينبويم، رئيس "لجنة الإغاثة" في الوكالة اليهودية، ودوف يوسف، عضو إدارة الوكالة اليهودية ومستشارها القضائي، ثم المسؤول عن "تجنيد متطوعي اليشوف العبري للجيش البريطاني" إبان الحرب العالمية الثانية.
ويقيم هيخط مهمته هذه على دعامتين متوازيتين، تنطلقان من نقطة الأصل نفسها، التي ذكرناها سابقا: امتثال القيادات الصهيونية واليهودية للإرادة البريطانية، أساسا، مقابل تحقيق رغبتها الجامحة في إنشاء دولة يهودية والفوز بمقاليد الحكم فيها، إذ لولا ذلك لما بقوا في مواقعهم القيادية ولوضعت بريطانيا حداً لـ"حلم الصهيونية"، المتمثل في إنشاء "وطن لليهود في أرض إسرائيل". وهو يحصر مرجعية كتابه هذا، كلها تقريبا، في وثائق "محاكمة كاستنر"، فيورد نصوصا واسعة جدا من محاضر المداولات، بما فيها مرافعات الأطراف وإفادات الشهود، فضلا عن توثيق الأجواء التي أحاطت بالمحاكمة ومجرياتها، سواء ما انعكس في تصريحات المسؤولين الرسميين، في الحركة الصهيونية وفي الحكومة الإسرائيلية، أو في العناوين والأخبار التي كانت تنشرها الصحف الإسرائيلية تباعا عن المحاكمة وسير أعمالها، التي استمرت نحو سنة ونصف السنة، وخاصة صحيفة "دفار"، الناطقة بلسان "قيادة اليشوف" وعصابتها "الهاغناه"، ثم بلسان بن غوريون وحكومته وحزبه ("مباي).
أما الدعامة الأولى، فهي صمت القيادات الصهيونية واليهودية عن المذابح النازية بحق اليهود والتكتم عليها ومنع أية محاولة للكشف عنها. ويقوم هذا الخط على شخصيتين أساسيتين: الشخصية الأولى ـ كاستنر، من خلال إثبات تورطه في التعاون والتآمر مع النازية إبان الحرب العالمية الثانية، بصفته الرسمية ممثلا للحركة الصهيونية، مندوبا عنها، وزعيم منظماتها في هنغاريا، ثم استماتة المؤسسة الرسمية، الصهيونية والإسرائيلية، في محاولات الدفاع عن كاستنر، تبييض صفحته وتطهير اسمه، ثم التورط في جريمة اغتياله ومحاولات التغطية عليها. وهو ما يمتد عليه الجزء الأول من الكتاب.
وكان كاستنر، بصفته المذكورة، أجرى مفاوضات مع النازيين حول إمكانية إنقاذ يهود هنغاريا، لكن هذه المفاوضات انتهت، في نهاية الأمر، بإنقاذ 1,684 يهوديا فقط تم نقلهم بالقطار من بودابست إلى معسكر "بيرغن بلزن" في ألمانيا ومن هناك إلى سويسرا، تبين لاحقا أنهم أقرباؤه ومقربوه، إلى جانب نقل نحو 20,000 يهودي آخر إلى العمل القسري في النمسا، من أصل مليون يهودي كانوا في هنغاريا آنذاك. وكل ذلك، لقاء منافع شخصية تمثلت في إعفائه من وضع "شارة صفراء" (كان يُفرض على اليهود تعليقها على صدورهم) وتسهيلات أخرى مختلفة ومنافع مالية واقتصادية مختلفة، فضلا عن تمكينه من إنقاذ أفراد عائلته وأقربائه ومقربيه بينما "التزم الصمت حيال تنفيذ حكم الإعدام بحق الآخرين"! ويكتب هيخط: "كان الكثيرون من يهود هنغاريا على بعد ثلاثة أميال من حدود رومانيا، ولكن كاستنر دفع بهم إلى الموت، تحت حراسة الغستابو، دون وازع من ضمير أو شفقة"! (ص 139). وهذا، إضافة إلى ضلوعه في تسليم المظليين اليهود الثلاثة (حانه سينش، بيرتس غولدشطاين ويوئيل بلغي - الذين هبطوا في يوغسلافيا، ثم دخلوا إلى هنغاريا للمساعدة في إنقاذ اليهود هناك) إلى السلطات النازية، خوفا من تعرض أقاربه ومقربيه الذين كانوا في "قطار الإنقاذ".
والشخصية الثانية (التي يخصص لها هيخط الجزء الثاني من كتابه) ـ يوئيل براند، عضو "لجنة الإغاثة اليهودية في هنغاريا" في أواسط العام 1944، والتي مثلت إفادته في المحكمة "ذروة هذه الدراما المظلمة"، إذ "تكشف تفاصيل إحدى الفضائح الأكثر إيلاما وإحباطا في تاريخ اليهود" (ص 249)، خصوصا وأن "ليس ثمة أية ضبابية أو شكوك حول هذه القضية" التي "تم إخفاء تفاصيلها التراجيدية في مخابئ أرشيفات نظام فايتسمان وبن غوريون" (ص 270). ويوثق هيخط شهادة براند، كما أدلى بها في "محاكمة كاستنر"، شاهداً عن الدفاع، إذ كشفت ـ للمرة الأولى ـ تفاصيل إدارة القيادات الصهيونية ظهورها لمليون يهودي في هنغاريا وصمّت آذانها عن استغاثاتهم فتركتهم فريسة للنظام النازي. فقد استدعي براند، إلى لقاء مع القائد النازي أدولف آيخمان الذي عرض عليه الصفقة التالية: "السلع مقابل الدم" – العفو عن مليون يهود هنغاريا المليون مقابل عشرة آلاف شاحنة محملة بالسلع (قهوة، شاي أو صابون). فطلب براند مهلة للتشاور مع القيادات اليهودية والصهيونية في "أرض إسرائيل". ولهذا الغرض، نقله الألمان على متن طائرة ألمانية دبلوماسية إلى تركيا، ليتوجه منها إلى فلسطين، بينما أمر آيخمان بتجميد عمليات طرد اليهود من هنغاريا وقتلهم. وقال براند، في المحكمة: "النتيجة الحتمية لعدم عودتي إلى هنغاريا كانت استئناف عمليات الطرد والإبادة". وهو ما حصل في نهاية المطاف، كما تبين في المحكمة، إذ تآمر القادة الصهيونيون (وخاصة موشي شاريت) على براند ووشوا به للبريطانيين حتى أتاحوا لهم ألقاء القبض عليه في حلب السورية وإخضاعه للاعتقال أربعة أشهر ونصف الشهر، لإبقاء العرض النازي طي الكتمان، وهي فترة كانت كافية لاستئناف عمليات طرد اليهود من هنغاريا وقتلهم، بل وإنجازها كليا.
وأما الدعامة الثانية، فهي إثبات تورط القيادات اليهودية والصهيونية الرسمية في "اليشوف العبري" في محاربة الفئات والتنظيمات اليهودية الأخرى التي كانت تخطط وتنفذ عمليات إرهابية ضد الانتداب البريطاني، مؤسساته ومسؤوليه وجنوده، وخاصة قادة ونشطاء منظمتي "إيتسل" ("المنظمة العسكرية القومية في أرض إسرائيل"، والمعروفة اختصارا بـ"الإرغون") و"ليحي" ("المحاربون من أجل حرية إسرائيل"، والمعروفة بـ"عصابة شتيرن")، سواء من خلال الوشاية عليهما للسلطات البريطانية وتسليمهم لها، أو من خلال التصدي العسكري المباشر لهما بواسطة "الهاغناه" (وهي المنظمة العسكرية الأكبر والأهم في الحركة الصهيونية و"اليشوف" إبان الانتداب البريطاني، من 1920 حتى 1948، ثم شكلت نواة "جيش الدفاع الإسرائيلي" مع قيام دولة إسرائيل). ويورد هيخط (الذي كان منتميا لـ"إيتسل"، آنذاك) أمثلة عديدة على ذلك، أبرزها إغراق سفينة "ألطَلينا"، التي كان على متنها مئات المحاربين من "إيتسل" ومعدات عسكرية كثيرة جدا) عند أحد شواطئ الإسرائيلية في تموز 1948 (بعد خمسة أسابيع من قيام الدولة)، فضلا عن "القبض على، تعذيب، شنق واعتقال مئات الشبان اليهود الذين حاربوا تحت العلـَم العبري المستقل، الأول منذ بار كوخبا" (ص 14).
وفي خلفية هذه الأحداث، وما أتاح وقوعها، يرى الكاتب أن اليهود الذين كانوا خارج أوروبا كانوا منشغلين بـ"إيديولوجية غبية" وبتبادل الاتهامات والشتائم وباستجماع القوة والسعي إلى إقامة دولة، على الرغم من الموت الذي كان يتربص باليهود المقيمين في أوروبا. وهؤلاء لم يحاولوا، بل رفضوا، حتى مجرد "رمي عظمة" ليهود أوروبا ـ تخصيص أية موارد اقتصادية لهم، بزعم أن جميع تلك الموارد "كانت مخصصة لتحسين أوضاع اليهود في أرض إسرائيل". ويورد "مثالا مأساويا" على ما يقول، كان هو شخصيا طرفا فيه. فاستنادا إلى ما نشر في صحيفة سويسرية، نشر هيخط إعلانا دعائيا ضخم بحجم صفحة كاملة في كبريات الصحف في نيويورك (ص 224):
"للبيع
70,000 ألف يهودي
بسعر 50 دولارا للرأس،
مخلوقات آدمية، مع كفالة"!
وكان يقصد بهذا يهود رومانيا وحكومة رومانيا التي اقترحت على حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا التصريح لسبعين ألف يهودي بالمغادرة، مقابل خمسين دولارا للفرد منهم، وبحيث "يفقد هذا العَرض نافذيته في اللحظة التي يدخل فيها الألمان إلى رومانيا، وهو ما كان متوقعا حصوله في أية لحظة". لكن الحكومتين الأمريكية والبريطانية تكتمتا على هذا العرض، تماما. وأوضح نص الإعلان أن "مبلغ ثلاثة ملايين ونصف المليون دولار سينقذ سبعين ألفا من يهود رومانيا من الذبح ... وهو مبلغ ـ وأكثر منه بكثير ـ كان متوفرا بأيدي الصهيونيين". ولكن هؤلاء الصهيونيين وقادتهم سارعوا إلى الرد على هذا الإعلان بنشر إعلان يقولون فيه: "المؤتمر اليهودي الأمريكي، وبالتنسيق مع منظمات يهودية معروفة، يؤكد إنه لم يتلق أي تأكيد على عرض كهذا. ولذا، فلا مبرر لتنظيم حملة مالية لهذا الغرض. كما نفت "الوكالة اليهودية" في لندن، أيضا، وجود مثل هذا العرض الروماني. لكن هيخط ينقل عن مصادر مختلفة تأكيدها لهذا العرض الذي "تكتمت عليه الحكومتان بريطانية والأمريكية، بضغط يهودي".
*"البيت القومي" – حِصن منيع!*
في معرض تأكيده تورط القيادات الصهيونية واليهودية الرسمية في مسلسل الخيانة هذا، إذ "لم يكن من الممكن وقوع الهولوكوست من غير طابور خامس يهودي" (ص 109)، يورد هيخط تحذير المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، حاييم كوهن، في استئنافه على قرار الحكم في المحكمة المركزية إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، من أن تصديق المحكمة العليا على قرار الحكم هذا سيُعتبر بمثابة إدانة للجهاز السلطوي بمجمله في إسرائيل، وليثبت إن سعي الحكومة ومسؤوليها المحموم إلى تبرئة كاستنر، إنما كان سعيا إلى تبرئة نفسها هي، ذلك أن "تثبيت حكم الإدانة بحق كاستنر كان من شأنه أن يمهد الطريق لتقديمه إلى محاكمة جنائية بتهمة التعاون مع النازية، وعندئذ ستتكشف أوراق أخرى كثيرة جدا كان بالإمكان الإبقاء عليها طي السرية خلال المحاكمة التي انتهت" (ص 229).
ورغم أن استئناف الدولة (الحكومة) إلى المحكمة العليا انتهى إلى تبرئة كاستنر، فتبرئة قيادة الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية، التي وصفها هيخط بأنها "القناع اليهودي لسلطة الانتداب البريطاني في أرض إسرائيل" (ص 269)، يصر الكاتب على أن "هؤلاء القادة السياسيين الإسرائيليين أدينوا في محاكمة كاستنر"، لكنهم "ليسوا في حاجة إلى نقض أي من الحقائق الدامغة التي أثبتت ضدهم ليثبتوا أنهم غير مذنبين. يكفي أن يحدّثوا ناخبيهم عن المثل الأسمى الذي خدموه ويخدمونه. كل مَن يهاجمهم، يهاجم الصهيونية. كل من يهاجم الصهيونية، يهاجم الحدث الأعظم الذي حصل خلال ألفيّ عام من تاريخ اليهود التعيس: "البيت القومي".... فجميع القادة الثملين بنشوة السلطة والسطوة يعملون من خلف ستار "مَثل أسمى" ما، وهو الذي يعفيهم من أية مسؤولية وأي جُرم، مهما فعلوا"! (ص 175).
(نشرت هذه القراءة في مجلة "قضايا إسرائيلية" الصادرة عن مركز "مدار للدراسات الإسرائيلية" في رام الله ـ العدد رقم 53 / نيسان 2014)
.jpg)
معسكر الابادة النازي "بيرغن بلزن" في ألمانيا
