بدأت "الفكرة" تستبدل "السكْرة" في صفوف اليمين الاسرائيلي الحاكم. فبعد التهويل الكبير والتعويل الأكبر على ما سينفتح أمامهم من نوافذ فرص لتوسيع جرائمهم الاستيطانية في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدأ هذا الأخير يهتم كما يبدو بسكب رسائل باردة كالثلج على تلك الرؤوس الاستيطانية الحامية..
وزير الحرب أفيغدور ليبرمان وجد نفسه في دور المكلف بإيصال الرسالة... وكانت واضحة: الحكومة الإسرائيلية تلقت رسالة مباشرة وليس غير مباشرة من واشنطن مفادها أن فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية سيعني نشوب أزمة فورية في العلاقات مع الإدارة الأمريكية الجديدة. هذه الصفعة تصيب مواقف متحمسة لزعماء الاستيطان مثل نفتالي بينيت الداعي والساعي لضم مناطق (ج) أي 60% من الضفة المحتلة.. ومثله وزراء في الليكود يدعون لضم مستوطنة معاليه أدوميم.. وفوقهم جميعا نتنياهو الذي يتصرف كحرباءة سياسية، ملائمًا كلامه في كل مرة لهوية المستمعين.
رسالة ترامب مفادها في العمق أن للقوة حدود حتى للسيد الأمريكي.. وهذا ما سيذوته اليمين الاسرائيلي بعد حين، مهما كابر وتظاهر بأن أحلامه وأوهامه على حالها باقية. بطبيعة الحال – ولا حاجة للإسهاب بهذا - لا يحمل البيت الأبيض على رسالته أيّ فضلٍ يُشار إليه بالبنان... لا. فرسائل تبريد رؤوس ومزاجات اليمين الاستيطاني العنصري، وقودها ليس الحرص على المصلحة الفلسطينية، بالمرة. بل لأن حسابات المصالح الأمريكية تقتضي ذلك حفاظا على "التحالفات" مع أنظمة عربية تابعة ملكية وأميرية، والتي يستحيل أن تصمد إذا تكسرت قواعد اللعبة (الهشّة أصلاً) في محورها الفلسطيني.. هل قلنا: حدود القوة...!
لكن هذا كله لا يشكل أية ضمانة لصيانة حقوق الشعب الفلسطيني طبعًا. خصوصا أنه يتكشف باستمرار وجود من "يتبرع" غير مشكور ليفاوض ويبرم الصفقات باسم هذا الشعب! وهو ما يعيدنا الى تأكيد وجوب وضع استراتيجية نضالية فلسطينية للمرحلة القادمة، في مركزها الوحدة الوطنية والمقاومة الشعبية والمبادرة الدولية الحرّة، لمواجهة الاحتلال والاستيطان والتهجير على مختف المستويات.
