.. كان الشيخ يدق.. ويدق.. فلا يحدث الا علامات باهتة في الجدار الصلب، يضرب بكل قوته، فيرجع الشاكوش اليه، محدثا هزة عنيفة تزلزل يده، فتنشر في جسمه موجات تغتال قواه، ولكنها سرعان ما تقوم من جراحها، وتعود لتستمر بالضرب.. !!
كان يعرف انه لن يستطيع هدم هذا الجدار اللعين.. ولكنه لم يستطع كبح جماح ثورته.. حاول ان يتعايش معه.. أن يكبت القهر الذي يمزق أحشائه.. فلم يقدر.. حاول كل من حوله، زوجته.. أولاده.. أصدقائه.. جيرانه.. ان يثنوه عن هذا العمل العبثي فعجزوا واستسلموا، وتركوه يصارع الجدار..
" التينات استوين.. مين بدو يلقطهن.. !؟"
قال متوجها الى زوجته واولاده الذين كانوا يجلسون تحت شجرة البلوط.. فلم يسمع الا وشوشات اغصانها وأوراقها، وبقي أفراد عائلته متجمدين في أماكنهم، وكان هذ ا الذي يحدث أمامهم خارج دائرة سمعهم وبصرهم..!
وفي الليل.. وتحت أستاره السوداء.. تسلق اولاده السلم الموضوع على الجدار، وعندما وصلوا الى سطحه العلوي، سحبوا السلم وأسندوه على الجدار من الجهة المقابله، ونزلوا درجاته، فوجدوا انفسهم في أرضهم التي تقع وراءه. فتقدموا من التينات، وتحسسوا ما نضج من ثمارها، "ولقطوه" ووضعوه في كيس كان معهم، ورجعوا الى بيتهم، بنفس الطريقة التي اتوا منها.
وفي الصباح.. صلى الشيخ صلاة الصبح، وجلس كالمعتاد في مكانه الدائم عاى فراشه الدائم، المفروش في شرفة صغيرة تطل على أرضه.. فاصطدمت عيناه كعادتها بالجدار، الذي تحول الى حاجز دائم، يحجب عنه أرضه، فتحولت أشعة الشمس أمام ناظريه الى سهام من لهيب أصفر يغرز بجسمه، فيحوله الى بركان يغلي، ويهدد بالانفجار في كل لحظة.
- خذ كل حبات التين... قالت زوجته وهي تضع أمامه صحنا فيه بضع حبات من التين... هذه التينات من شجراتنا.. أحضروهن الاولاد الليلة..! أكملت هامسة، وهي تتلفت حولها..!
مد يده وتناول واحدة منها.. قربها من فمه.. وعندما غرز أسنانه بها.. رمى بها بعيدا عنه.. كأنه يلقي بشيطان حاول الدخول الى فمه وصرخ :
- هذه الحبات ليست من تيناتنا.. !!
فأسرعت باتجاهه وهمست وهي تشد على اسنانها :
-والله يا زلمي انهن من تيناتنا..! أنا بكذب عليك...!؟ أكملت وهي تستغيث..
- تيناتنا الهن طعم لما بلقطهن أنا بيدي عن الشجرة..!
انسحب من الموقف، محاولا الهروب من هذا الغليان الذي بدأ يغلي في كيانه، والذي شعر انه قارب على الانفجار، قام من مجلسه، ونزل الدرجتين اللتين تؤديان الى الحديقة، مشى خطوات باتجاه مخزن العدة، فتح بابه ومد يده الى داخله، وتناول منه فأسا، ثم أغلقه، وتوجه الى مكان بالقرب من شجرة البلوط، وبدأ يحفر بالارض بكل قوة وعصبية، محاولا افراغ كل ما في داخله من قهر وغليان.
سمعت زوجته صوت ضربات الفأس بالتراب، فخرجت الى الشرفة، فالتقطت عيناها ما يفعله، فصرخت به، والغضب والقهر يغليان في عروقها :
- ماذا...!؟ ماذا تفعل يا حسين...!؟
- كما ترين... !! قال وهو مستمر في الحفر..
- لماذا تحفر هنا...!؟ سألته والحوام الذي يتعالى في داخلها بدأ يحجب الضوء عن عينيها..
- لأنه من هنا تبدأ تمر قناة الماء..! قال واستمر بالحفر..
- لماذا...!؟
- من هذه القناه سأصل الى أرضنا من تحت الجدار..! قال واستمر بالحفر..
تركته ودخلت الى المطبخ، ورمت بجسمها على أول كرسي اصطدمت به، وانفجرت بالنحيب..
انه ابن عمها.. تزوجته بعد ان أغلقت امامها كل السبل، من أجل الخروج من دائرة القرية المغلقة، الى المدينة كي تتنفس هناك انسام الحرية، وتملأ عينيها وقلبها بأضواء المدينة التي تحقق أحلامها. خصوصا بعد ان ذاقت من هذه "النعم"، عندما قضت ثلاث سنوات من عمرها، تدرس في المدرسة الثانوية. هناك أحبت طالبا من المدينة، كان يكبرها بصف واحد، فتن بجمالها الأخاذ، فبنيا احلاما ورسما صورا رائعة الجمال، على صفحات البوم مستقبلهما المشترك، ولكن تحطمت هذه الآمال، بانتهاء دراستهم في الثانية، وهجرة عائلة الحبيب الى كندا. فاختطفتها القرية بعاداتها وتقاليدها، ورمتها في أحضان ابن عمها، الذي كرس حياته للعمل في الارض، "فاندمجت" معه فيها، خصوصا انها لم تلق منه الا معاملة طيبة واحترام، بالرغم انه كان يعلم في قرارة نفسه انها لا تكنّ له الحب، فعاشا حياة يسودها الاحترام والوفاق، وكان حبهما للارض هو العامل الرئيسي الذي يقوي الرباط بينهما.
رفع ظهره ووضع فأسه على الارض، كي يريح جسمه من التعب، فاصطدمت عيناه بعينين ابنه احمد، الذي كان يقف بالقرب من، فرأى وجهه الذي ينطق بكل علامات الغضب والقهر، فقال له محاولا تفسير عمله، ليحمي نفسه من هجوم كله لوم وتأنيب :
- سأحفر لأكشف عن القناة لنصل الى أرضنا التي وراء الجدار..! ولما رأى أن ابنه بقي جامدا كالصخر. وشفتاه ملتحمتان مع بعضهما كأنهما خلقا بلا فتحة فم..! تناول فأسه واستمر بالحفر.. متجاهلا كل ما يدور حوله..
"وصيتك الارض لا تفرط فيها..!" هكذا كان يقول له ابوه دائما.. وهذه –أيضا – وهو على فراش الموت.. ابوه الذي قضى السنوات الاخيرة من حياته وهو يقاوم المستوطنين، الذين استولوا بالقوة عاى الجبل الذي يطل على أرضهم، ومن ثم بدأوا بمحاولاتهم المسعورة للاستيلاء على الارض، معارك يومية كانت تنشب بينه وبينهم، وكان يتلقى المساعدة من أهالي بلده وأهالي لقرى المجاورة، فكانوا ينسحبون مهزومين تحت حماية الجيش.
ولما مات ابوه، وأورثه الارض، صمم ان يحميها مهما كلفه ذلك من ثمن.. حتى ولو كان حياته.. ولما قام اليهود ببناء الجدار، الذي يقسم ظهر الارض، ويشطرها - مثل الوطن- الى شطرين منفصلين، شعر ان روحه انشطرت مثلها، وبات يتصرف مثل الحيوان الجريح الذي اختطف ابنه، وأصبح يعيش من أجل محاربة هذا الجدار، الموضوع كالسكين على رقبته..
- وجدتها..! وجدتها..! صاح كالطفل الصغير الذي وجد كرة، بعد ان أضناه التعب ووهو يبحث عنها..
- ماذا وجدت يا جدي..!؟ صاح حفيده علي.. وهو يركض باتجاهه... فوضعه في حضنه، وأخذ يضغط عليه، كأنه يحاول ادخاله الى قلبه.. وهمس في أذنه :
- وجدت الحجارة.. حجارة القناة..!
-أية حجارة يا جدي..!؟ سأله الطفل وهو يحاول تخليص جسمه، من قبضة حضنه، ليتمكن من رؤية وجه جده، ويقرأ تعابيره..
-ستعرف عندما تكبر يا ولدي..! قال بصوت يفيض حنانا.
ارتفع صوت آذان الظهيرة، فقام من مكانه.. مطلقا سراح حفيده، دخل البيت وتوضأ وصلى.. وبعد ان انتهى من الصلاة، قرر ان يريح عظامه قليلا.. فترك للتعب فرصة تسليمه الى سلطان النوم.. فغفا لمدة ساعة او يزيد.. ولم يوقظه سوى طلقات البارود، التي اخترقت أذنيه..!
هب من نومه كالملسوع واسرع الى الشرفة.. فرأى منظرا قطع أوصاله.. رأى ابنه احمد يقبض بكلتا يديه بحافة أعلى الجدار، وجسمه مدلى على الجدار من الداخل.. فأسرع باتجاه المخزن، وتناول السلم الذي كان مسندا على حائطه، وأسرع به نحو الجدار، ووضعه تحت رجلي ابنه.. وانتبه ان هناك نزيفا غزيرا من الدماء، ينزل من جرح في رجل ابنه.. فسحب "حطته "عن رأسه، ولفها بقوة على الجرح.. ثم توجه بسرعة الى بيت ابنه سليم، الذي أحضر سيارته، ونقل أخيه الى المستشفى.
صعد بخفة درجات السلم الى الدرجة التي منها يستطيع النظر الى أرضه التي وراء الجدار.. فرآهم.. رأى المستوطنين ينتشرون بين أشجاره، فتأكد ما كان قد شك فيه.. انهم هم الذين اطلقوا النار على ابنه..
نزل عن السلم، وتوجه الى المكان الذي بدأ يحفر فيه.. تناول فأسه، وبدأ يحفر ويكشف التراب عن الحجارة، التي استعملها اجداده في بناء مجرى القناة، ويفرغ المجرى من التراب الذي عبأها به أبيه، بعد ان جف النبع الذي يمد القناة بالماء، بسبب سحب المخزون، الذي يمده بالماء من قبل الجيش، وتزويده للمستوطنين، وحرمانهم وحرمان أرضهم منه..!
وعندما رأى افراد عائلته، تصميمه على مواصلة الحفر، وشاهدوا طرف مجرى القناة الذي كشف عنه، شمروا عن سواعدهم وبدأوا بالحفر.. الأبناء، والبنات، والاحفاد.. الكبار منهم والصغار.. حولوا المكان الى ورشة عمل.. الى ملحمة، هم طرفها الأول.. وعدوهم الجدار في الطرف الثاني.. ظلوا يحفرون.. يحفرون ويخرجون التراب من مجرى القناة.. استتغرق الحفر مدة خمسة أيام، وصلوا في نهايتها، الى الجدار، حفرروا من تحته الى ان نفذوا الى أرضهم والواقعة في الجهة ألأخرى من الجدار..
وعندها مروا جميعا من تحت الجدار، عانقت عيونهم وأرواحهم أرضهم، التي حرمهم الجدار من الوصول اليها، شربوا من خضرتها، وأكلوا من ثمارها، متحدين كل ما يمكن ان يفعل بهم الجيش والمستوطنون من تنكيل وتعذيب. وبعد "بلوا ريقهم" من أرضهم، رجعوا الى بيوتهم من القناة التي حفروها، من تحت الجدار، وهم عاقدي العزم، على مواصلة مقاومة هذا الجدار، وأن هذه الواقعة، ليست سوى جولة في حربهم معه، حتى القضاء عليه، وقلعه من أرضنا!
(عرعرة)
