قراءة لانتخابات بلدية الناصرة – (2) : غابة/ ت... المدينة

single

الانتخابات الاخيرة لبلدية الناصرة ولرئاستها، والتي امتدت على مدى تسعة شهور من تموز 2013 الى آذار 2014، كانت أشدّ ثقلاً وحلكة من ليل السموأل ، والأشرس والأسوأ في تاريخ الانتخابات في المدينة، بغض النظر عمّا اسفرت عنه نتائجها. لم تكن تلك حملة انتخابية حضارية لصالح فكر وبرنامج ونهج ما، ضد نهج وبرنامج وفكر اخر. وانما كانت معركة – حرباً – جرى فيها استعمال كل الاسلحة اللاإنتخابية.
لم يكن الانتصار من نصيب أحد، ولا نقصد الفوز الانتخابي.أما الهزيمة فكانت من نصيب المدينة التي كادت ان تفتقد ، او على الاقل تراجعت وبهتت مدنيتها. فماذا يفيد النصراويين اذا ما كسبوا البلدية وخسروا البلد؟
ولم يتم في تلك الانتخابات اعتماد مرجعية مقارنة برنامج انتخابي لجهة سياسية حزبية او اهلية بأخرى. ولا ملائمة ومقدرة ومصداقية وممارسات مرشحين بآخرين – للعضوية وللرئاسة. ولم يجر دوما اعتماد العقل وتحكيم الضمير والحوار والمنطق والمصلحة العامة. بل جرى اعتماد العصبية الجاهلية من دينية وطائفية وحاراتية وعائلية، ومن قبلية حزبية وحزبية قبائلية، عداك عن المصلحة الشخصية ولذوي القربى بدلاً من المصلحة العامة للمدينة.
لم نتصرف كشعب لتحقيق حقوقنا كشعب، في تلك الانتخابات. كنا أشبه بأورطة قبائل وطوائف، وغيّبنا السياسة. فبدلاً من أن تكون معركتنا الاساسية ضد السياسة العنصرية الصهيونية ومن اجل استلال حقوقنا للنهوض بمدينتنا عمرانياً وتعليمياً وثقافياً، وتغليب الجامع المشترك في هذا بيننا نحن المختلفين، قام بعضنا بالاستعانة حتى بالسلطة الليكودية ضد ذاته الجماعية – مدينته وشعبه. وبتسعير الاختلاف فيما بيننا الى حد الخلاف العدائي. وأصبحت الخيانة وجهة نظر لدى البعض.
وكانت للتحولات والتبدلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بين عرب البلاد وما ادت اليه من متغيرات مجتمعية وفكرية، للأسوأ، وما افرزته من اصطفافات جديدة، دور بارز في فرز هكذا انتخابات بهكذا نتيجة. وكان للجبهة قسط في هذا، بعدم استشفافها للمتغيّر النامي والحاصل ولعدم مراجعة ذاتها فكرياً وسياسياً وتركيبة واطارا تنظيمياً ونهج عمل، حتى تكون الرد الملائم لهكذا ردة مجتمعية. لقد افتقد الحزب الشيوعي والجبهة دورهما الطليعي المعهود منذ عقود.


احتباس حضاري...


التهريج والكذب والافتراءات والشتائم والتحريض والقذف الشخصي والمس بكرامات الناس وبأمنهم وآمان بيوتهم، والاعتداءات وشراء الذمم واغداق المال السياسي والوعود... كان النهج والأداة الابرز للممارسة الانتخابية للبعض. وظهر أحياناً عديدة ان هذا التهديد والترهيب والترغيب يكاد يصادر العقل العام للمدينة ويحصرها في ظلامية ضاغطة وخانقة. وكأن قوة عليا أعطبت تيار الكهرباء ومنعت النور والتنوير عنها، الى جانب خفتان التنوير القديم للجبهة.
ظهر وكأننا أغلقنا آذاننا وعيوننا وعقولنا عن سماع ورؤية الحقائق وتحليلها. صدّقنا الافتراءات والاشاعات. اصبحت الاذن هي اداة التفكير. غمرنا الرفض المسبق حتى للمعرفة واعتماد المعلومات ومقارعة الحجة بالحجة. لم نضع كل موقف امام محكمة العقل، فإما يبقى في الوجود أو يزول من الوجود. بل اعتمدنا الافكار المسبقة والغرائز والأحقاد الدفينة نبراساً لنا.
وكان لتكرار الإفتراءات والإشاعات المغرضة ولتزوير المواقف... فعل تكرار الاعلانات التجارية التسويقية. يكررون ويكررون فيفعل الضغط البضائعي فعله الاجتماعي والنفسي فتشتري دون حاجتك له، ورغم علمك ان البضاعة قد تكون فاسدة. وانزلق مجتمعنا نحو شراء "بضاعة" سياسية – إنتخابية فاسدة، لانه مجتمع غير محصّن. وفشلت الجبهة في تحصين ذاتها وتحصينه.
نعرف أن الجماهير تقترع أحياناً بعكس ما تمليه عليها مصلحتها العامة. وتنشأ أحياناً ظروف من هيمنة فكرية وضغوط اجتماعية شبه عامة تجعل الجماهير تصوّت، حتى في انتخابات ديمقراطية، ضد ارادتها عداك عن مصلحتها.
جرت برمجة معطوبة لمواقفنا في هذه الانتخابات. اخترقت فيروسات سامة حاسوب عقولنا. نخرتنا الطائفية وارعبتنا البلطجية. وافتقدنا شجاعة التصدي والتحدي. واخترنا اختيارنا الانتخابي ليس دوماً وغالباً بناء على مقدرة الذي نختاره وعلى خبرته وأمانته وكونه الضمان للأخذ بالبلدية والبلد قدماً، والقادر على تعزيز إنجازاتها ونسيجها الاجتماعي والأهلي الوطني الوحدوي.
كان جلّ اختيارنا على اساس الانتماء الطائفي والجهوي والفئويات والمصالح الذاتية الضيقة، بدلاً من اعتبار البلد هي المصلحة والدفيئة الحاضنة لنا جميعاً، والمظلة التي تضللنا معااً.
"لكع بن لكع" صادر للعديد عقولهم وتولّى أمورهم. وهيمن حتى على العديد من المتعلمين والاكاديميين والطلاب الجامعيين، وعلى الأجيال الصاعدة خصوصاً. أصبح فلان وعلنتان... وبهلوان، ممن يفتقدون الرؤية والرؤيا ويفتقرون للثقافة وللمسؤولية الجماعية ازاء المدينة، مفكرين وكتبة وقادة انتخابات. وسقطت وسائل إعلام صحفية والكترونية في هذا المستنقع، لا كلها، واتخذ بعضها حتى مهمة المبادر والدافع والمحّرض دون حدود أو حياء.
أصبح المطلوب منا كمواطنين نصراويين، على اختلاف انتماءاتنا الاهلية والسياسية، التخلي عن شجاعتنا وعن مواطنتنا ومواقفنا وتاريخ مدينتنا ودور مدنيتنا ووطنيتنا، مقابل المحافظة على أمننا الشخصي والعام وعلى مصالحنا وحقنا بالتنفس بهواء نقي حرّ في بلد حرّة.
"لكع بن لكع" حكم بعضنا وتحكّم به. فوجدتني في معمعان الانتخابات أعود لقراءة تلك الرواية لإميل حبيبي. هو يبتدع فيها مصطلح "الذعر الثقافي"، ذعر الانسان المثقف من وعيه لمسؤوليته ولواجبه كمثقف... فيدب على اربع. يصرخ حبيبي كاتباً: بشراً وُلدنا، وان خُيّرنا فهل نختار ان نولد خنازيراً؟
"احتباس حضاري"، لا حراري...، هذا ما أصاب بعض ناصرتناً في الانتخابات الاخيرة. وكان لهذا قسط وافر في التأثير على الاقتراع والنتيجة. والمسؤول عن هذا ليس الناخبين الذين اقترعوا لصالح سلام او جرايسي. هولاء كلهم أهلنا جميعاً، والضحية لهكذا احتباس حضاري. المسؤول الذي أشرنا اليه سابقاً في اكثر من مجال، هو من اخترق مظلة المدينة الواقية وسبّب هذا الاحتباس. والمسؤول هي الظروف الموضوعية والتبدلات المجتمعية للاسوأ، بما فيها الاصطفافات الناشئة بناء عليها. هذا بالاضافة للاخطاء والسلبيات الذاتية. ولا نعفي "الجبهة" من قسطها في هذه المسؤولية (سنتطرق للجبهة في مقال اخير من هذه السلسلة).


بلطجية القول والممارسة وطائفية التوجيه والاقتراع


لم تشهد المدينة على مدار كل الانتخابات السابقة مثل هذا المدى للعطب الفكري والاجتماعي، وتغييب الحوار العقلاني، وتغليب العنف الكلامي والجسدي البلطجي. جرى فرض اضراب عام على مدينة ضدها، بعد ان كانت اضراباتنا وطنية جامعة ضد السلطة الصهيونية الغاشمة.
وجرى تنظيم مظاهرة كان أحد الهتافات فيها "يا رامز اطلع برّة الناصرة صارت حرّة"، بعد ان كانت هتافات مظاهراتنا "ارض العروبة للعرب، صهيوني شيّل وارحلي". وجرى تنظيم خيمة اعتصام في وسط البلد ضد البلد، من اجل الفوز بكراسي رئاسة ونيابة البلدية. و"زيّنوا" الخيمة على مدى اسبوعين بشعارات استفزازية لم يكن احقرها ان جرايسي هو نيرون الذي يريد حرق الناصرة. هذا بعد ان كانت خيام اعتصاماتنا لاستلال حقنا في البقاء وتحصيل المساواة والميزانيات من انياب السلطة العنصرية الحاكمة.
وجرى تصوير مرشح الجبهة للرئاسة ممدداً على الارض ميتاً ينزف دماً، وشبيح يوجّه الرصاص الى رأسه. وانفلت صبيان وكبار البعض، من نشطائهم، في تعليقاتهم ومنها ان جرايسي سيكون اول جثة في الناصرة. اما عن الاعتداءات على عدة مسؤولين جبهويين وعلى حرمات بيوتهم وممتلكاتهم بالرصاص الحي وقنابل المولوتوف وبالحرق، فحدث ولا حرج. وما من توزيع جماهيري لمنشور جبهوي الا ولازمته اعتداءات شتائمية وجسدية. وكم من مسار مسائي لجبهوي ولافراد عائلته في سيارته اصطدم بكمين اعتدائي.
يخبرنا رئيس البلدية الموعود بأنه ينوي تعيين وزير خارجية ووزير سياحة لبلدية الناصرة(؟!). كان من الأجدى به ان يعيّن لهذه "الدولة" – الناصرة، وزيراً للحربية وان يبدّل شعار المدينة "يداً بيد نبني ونحمي الناصرة" بشعار "يا اهلاَ بالمعارك".
اما الشرطة فتتفرج عاجزة عن كشف المعتدين واعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة. وتخبر جرايسي بحظر تحركه دون مرافقة لأن حياته في خطر، وبدرجة 6 التي هي من اعلى درجات الخطورة. لكن الشرطة التي تتوفر عندها وعند مخابراتها هذه المعلومات "تعجز" عن كشف مَن الذي يشكّل الخطر ولا تقوم بأي اعتقال مانع ولا تقدم احدا للمحاكمة بجريرة نيّة القتل والاعداد له (؟!).
ووصلت الاعتداءات وبذاءات سقط الكلام حدوداً لا يتخيلها عقل سليم. وكان "رب البيت" قارع دف وشيمة انصاره الرقص. انفلتت ألسن "ارباب البيت"، في مهرجاناتهم واجتماعاتهم في الاحياء، فنتق/لا نطق/نشطاؤهم وانصارهم على مواقع الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي بدعارة السباب والتحريض المنفلت المباشر.
اليكم غيض من فيض مما يحتمل الورق اعادة نشره بعد الاعتذار من القراء: حرامية. سرّاقون. فاسدون. انذال. حمقى. دجّالون. قذرون. صراصير. جرذان. قاذورات. انجاس. أمّة فاسدة. ماسونيون. اتباع الشيطان والفاتيكان. طائفيون. عنصريون، بل آلهه العنصرية. مزيفون. غشاشون. بدون اخلاق. عصابات. قتلة. مرتزقة. عملاء. خونه. حشرات سنرشها بالمبيدات ثم بالهواء المعطر لازالة الرائحة النتنة لاشلائكم. سنمسحكم من الوجود. سندفن رؤوسكم واجسادكم تحت التراب. لن تدخلوا البلدية ولو على قبورنا. منحرق البلد. ومنولّع البلد. وسيكون رامز اول جثة. ورافق كل هذا "فرمانات" بخصوص من لا يجوز له المشي في شوارع الناصرة، ومَن لا يُسمح له بدخول المدينة، ومن عليه ان يبحث عن بيت لسكنه خارج البلدة.
اما الاسوأ والأخطر فكان الاصطفاف الطائفي وتسعيره. علما بان انتماء المرشحيْن لدينيْن مختلفيْن يسهّل عملية تغييب الاختيار بينهما على اساس برنامجيهما وملائمتهما للمركز المنشود، وعملية تغليف الاختيار بينهما بغلاف طائفي. تعدت اشكال ومنابر التحريض والحشد الطائفي الحدود المرعية والخطوط الحمراء. ولم يخل منها بعض المهرجانات والاجتماعات.
لقد طالت حتى منابر بعض الجوامع. ووصل الأمر الى حد التقيؤ في وسائل الاعلام الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي. كان التحريض والحشد الطائفي رسمياً وشعبوياً، علنياً ومستوراً، جهراً ووشوشة.
لن أورد استشهادات عن استشراس الطائفية لما تحمله اعادة التعميم من تداعيات اجتماعية طائفية بغيضة وخطيرة. أكتفي بالقول ان (11) امام جامع (سلام افشى الرقم) تجندوا وجندوا باسم الدين من على منابر الجوامع لنصرة المرشح "المسلم" ضد "المسيحي". بعضهم لم ينطق بهذا صراحة واكتفى بالتساؤل "البريء": ثلثا البلد مسلمون، فلماذا لا يكون المسلم رئيسها؟ وقام احدهم بالقسم على "القرآن" الكريم وباسم الرسول في اجتماع انتخابي جماهيري، طالباً من الجمهور ترديد القسم وراءه بالتصويت لعلي سلام.
بناء على كل ما سبق في هذا المقال لم تكن الحملة الانتخابية حملة تنافس وحوار بين اتجاهين لتحصيل حقوق الناصرة، بل كانت معركة تسعير بلطجي وطائفي في مدينة لا تقطنها ولا تملكها غالبية اقلية مسلمة او مسيحية، وانما غالبية عربية فلسطينية مطلقة. والمؤلم بشكل خاص أنها ليست أية مدينة عربية في أية دولة عربية كانت. هذه الناصرة – المدينة العربية الوطنية الباقية في دولة يهودية صهيونية هي الراعية والمهندسة والناشرة لسياسة العنف والتخويف والتفرقة الوطنية، بما فيها سياسة التفرقة على اساس عائلي وطائفي – "فرّق تسد". فهنيئاً لك يا اسرائيل "بدودِنا الذي من عودِنا"، والذي هو من وحيك والهامك ايضاً!


نحو مدينة تعيش فينا..


لنعترف صراحة ان لبلطجية الممارسة والكلام ولطائفية التوجيه والاقتراع كان أثر كبير على حصيلة نتيجة الانتخابات. كاد ان يسود في الشارع الانطباع ان الغلبة ستكون لمن لسانه أطول وعصاه اعرض وعضلاته افتل. وبلغت "العقلانية" في مواجهة الرعب والتصدي للطائفية حد فقدان شجاعة العقل وانكفاء البوصلة الوطنية الجامعة للمدينة. لقد وصل الامر ببعض مؤيدي الجبهة، في بعض الاحياء والشوارع ومن منطلق حماية الذات والزوجة والاولاد والهروب من الضغط الاجتماعي السائد المحيط بهم، الى عدم تعليق شارات قائمتهم على بيوتهم وسياراتهم.
أفهم هؤلاء. ولكن لا أفهم ولا اتفهم مدينة تجري محاولات سلب مدنيتها وتجلس هي ومثقفوها ووسائل اعلامها وشخصياتها الاجتماعية ومشايخها وكهنتها القرفصاء ولا تنتفض. لم يقفز جبل القفزة من مكانه. ولم تزلزل ارض الناصرة المنخفضة زلزالها، جبال غضب. ولم تتدفق المياه من"عين العذراء" في حي الروم و "عين الجابية" في الشرقية و "بئر الامير" في الجنوبية،معاً،براكين بركة الاحتجاج والمواجهة. ولم يصدّح آذان الجوامع ولم تقرع اجراس الكنائس ان حيّ على الفلاح وفي الناس الوحدة والمسرة وعلى الناصرة السلام. ولم تخرج الامهات في مظاهرة صاخبة، معاً، لن نسمح لكم بحرق مستقبل أطفالنا واولادنا. ولم يخرج الشباب من كل الأحياء، معاً، الى الميادين معتصمين هاتفين: لن نسمح لكم بسلبنا مدينتنا.
ساد صمت ثقيل رهيب. سمعان مش هون، وانخرس اللسان. والعصا لمن عصى، والعمى والطرش والبكم ايضاً في ظل هذه الأجواء الضاغطة الخانقة نشط النصراويون انتخابياً واقترعوا. لذا وحدها الانتهازية ضجّت وزغردت: "حايد عن ظهري بسيطة" و"فليحم وليضبط كل نفسه" و"العين ما بتلاطم مخرز" و"الهرب تلتين المراجل" و"امشي الحيط الحيط وقول يا رب السترة" و"الخرس أمان" و"الرأي قبل شجاعة الشجعان"... الخ.
وحدهم، قلة من أنبياء الغضب كانوا يصرخون في البريّة: كيف اصبح الجبن رأياً؟ علماً بان الخرس مرض، والصمت والصبر قبرُ، والظهر إن لم ينتصب يُركبُ. ومن يضبط ويحمي البلد ويزيح الثقل عن ظهرها ان لم يفعل هذا اهلها؟ واذا ما اختار بعضنا الخنوع واحنى ظهره، من يمنع عندها خنوع البلد وامتطائها؟ وهل بالامكان صد العنف الكلامي والجسدي الا بالتصدي له وبمقاومته؟ واي انتصار انتخابي هذا يكون من اسبابه هزيمة بلد؟ ولماذا يا جبهة انهزمتِ لم تتحدِ ولم تتصدِ انتصاراً للبلد؟
ويا كل العقلاء الذين صمتوا منعا للتوتير،هل منعتم التوتير ام ساهمتم بهيمنته على البلد بحذركم المبالغ منه؟ فأية ناصرة تريدون، وما قيمة ان نعيش في مدينة لا تعيش هي ومدنيتها فينا، نتنفسها ونصونها؟



تجربة شخصية... عامة


لان التجربة ذات دلالة وأبعاد عامة سأحدثكم عما حدث معي شخصياً. لست منتمياً لأي اطار حزبي انتخابي. لكنني ارتأيت في هذه الانتخابات ان اؤيد الجبهة. لم انشط انتخابياً. كل ما قمتُ به من نشاط انتخابي هو كتابة مقالات ظهر فيها تأييدي للجبهة، دون ان اخفي انتقاداتي الصريحة لما أراه فيها من سلبيات ونواقص.
نشرت اول مقالين لي، واذ بزوجتي توقظني مفزوعة في فجر احد الايام. كانت تقف في الحرش المحاذي تماماً لشقتنا السكنية سيارتان مليئتان "بالرجال" ينظرون الى بيتنا وعيونهم تقدح شراً. أضاءت زوجتي الشرفة، فانكشف امرهم وهرولوا هاربين. لكن من ارسلهم اوصل لنا الرسالة.
نشرت مقالي الثالث. بعده بيوم أوقفت سيارتي على طرف الشارع الرئاسي وطلبت من مجموعة شبان كانوا يوزعون نشرة انتخابية في الجهة المواجهة من الشارع ان يعطوني اياها. اتت باتجاهي فرقة منهم، تعرف عليّ احدهم فغمرني بالشتائم القذرة وتوّعدني بأن يكسّر يدي فلا اكتب عندها. ضحكت في سري لأني وجدتُ شبيحاً بلطجياً قارئاً يعي قدرة الكلمة المكتوبة.
نشرتُ مقالي الرابع. فضجّ هاتفي الشخصي، بما لا تتخيلوه من شتائم وقاذورات وتهديد وترهيب، ليلا نهاراً. وكان أحقرها الوعيد بما سيفعلونه بي وبزوجتي وبناتي واحفادي ان لم اكفّ عن الكتابة.
لم أكف. لكن على ضوء ما كان يجري في البلد من شبه هيمنة للبلطجية وللطائفية، قررت ان اقوم بمبادرة اتصالات مع شخصيات اجتماعية معتبرة ومع مثقفين، شرط ان يكونوا غير متحزبين، ومن كل احياء واطياف المدينة. والهدف اصدار نداء موقّع يدين الطائفية والبلطجية والتصرفات الاستفزازية. ويدعو للحوار وللتسامح ولانقاذ المدينة من هوة تسعير الخلافات والعداوات، ولضروة التجسير بين الاختلاف منعاً للاستقطاب العدائي وتمهيداً لائتلاف شامل في البلدية والبلد. العشرات اشادوا بالفكرة – المبادرة - القلائل وافقوا على التوقيع! ماتت المبادرة لظروف اجتماعية ضاغطة وقاهرة.
اما انا فهربتُ كعادتي الى الادب. تذكرتُ رواية "إبكِ يا بلدي الحبيب" لآلن بيتون عن العنصرية في جنوب افريقيا وتذكرتُ رواية غارسيا ماركز "الحب في زمن الكوليرا". فماذا اسمّي "روايتي" عن انتخابات ناصرتي الدامعة المفتقرة للمحبة في زمن الكوليرا الاجتماعية. تباً للتباكي. تباً للجبن، تباً للاكتفاء بالوعظ الصامت بالحب والتسامح. سأسميها "انتفضي يا ناصرة"!
غابة/ت المدينة، بالتاء المفتوحة والتاء المربوطة. غابت المدينة ومدنيتها واستحالت الى غابة. لكن الناصرة باهلها وبعبق تاريخها الوطني وبتطلعات ملايين ابناء شعبها هنا في الوطن وهنالك في الشتات القسري، قادرة على الانتفاض على ذاتها انقاذاً لذاتها.عندها تنتصر الناصرة وينتصر شعبها بها، ولا تقوى عليها وعليه اية "مؤامرة" داخلية كانت ام خارجية.
لكن هل كانت هنالك "مؤامرة" على الناصرة، وهل لا يتحمل المتآمَر عليهم قسطاً في انجاحها، وما هو واجبنا لصدها وافشالها؟ هذا هو موضوع المقال القادم...

قد يهمّكم أيضا..
featured

العثمانيّون العرب: سؤال الهويّة (1-2)

featured

الشعوب تمهل ولا تهمل

featured

الشعوب ضحيّة النفاق والتضليل

featured

الانسحاب من العراق خداع من جديد

featured

دور تخريبي في إفريقيا أفيغدور ليبرمان

featured

جريمة تستحق ردًا أقوى!

featured

67 عامًا على نكبة 48 و48 عامًا على هزيمة 67

featured

اطرقوا كل الأبواب