في حديث صحافي لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قال "لا أقول إن موسكو وواشنطن عدوان أو خصمان، لكنني لا أستطيع أن أقول إنهما صديقان".
هناك العديد من التصريحات لمسؤولين روس وأميركيين، من يسمعها يتصور أن البلدين أصبحا ليسا فقط صديقين بل حليفين، وأنه لا مشاكل بينهما، بينما واقع الأمر عكس ذلك تماما. بل إن بعض المراقبين يرى أن الوضع الآن، ربما يكون أسوأ مما كان عليه في زمن الحرب الباردة أثناء الحقبة السوفييتية، عندما كانت هناك لعبة شبه متفق عليها، وكان الطرفان يحترمان قواعد هذه اللعبة ولم يخلا بها.
أما الآن فلا توجد لعبة متفق عليها بينهما، ولا توجد أية قواعد يلتزمها أي منهما، بل كل منهما يبيح لنفسه الإضرار بمصالح الآخر، وبشكل علني وصريح لم يكن موجودا في زمن الحرب الباردة. هناك خلافات كثيرة بين موسكو وواشنطن يصعب حسمها على مستوى رئيسي الدولتين، وكنا من قبل نقول إن واشنطن تماطل ولا تريد حل المشاكل، ولكن على ما يبدو فإن موسكو هي التي تفعل ذلك الآن، متصورة أنها لن تجد فرصة أفضل من هذه للضغط على واشنطن لكي تخضع لشروطها وتلبي متطلباتها.
خاصة في ظل الأزمة المالية والاقتصادية الحادة التي تواجهها الولايات المتحدة، والتي لم تقدم إدارة أوباما لها حتى الآن أية حلول فعالة، في الوقت الذي تتداعى فيه المؤسسات المالية والاقتصادية الأميركية وتتساقط. لقد دأبت روسيا منذ عودتها للساحة الدولية بقوة خلال العقد الجاري، على إنكار أية طموحات لديها لاستعادة مكانتها كقوة عظمى، حتى لا يسبب ذلك أية تخوفات لدى شركائها وأصدقائها الجدد، وحتى لا تعيق انفتاح اقتصادها على الساحة الدولية. لكن مؤشرات الأحداث في أواخر العام 2009 المنصرم، تعكس توجهات سياسة جديدة لدى روسيا يطغى عليها بوضوح استعراض القوة.
وفي كلمته أمام البرلمان الفيدرالي الروسي في أكتوبر الماضي، أعلن الرئيس ديمتري ميدفيديف صراحة أن روسيا تستطيع الآن الإعلان عن نفسها كدولة تملك وضع القوة العظمى. كما أقر البرلمان الروسي قانونًا يسمح لروسيا بتوجيه ضربة نووية استباقية تجاه أي هدف يشكل خطرًا على أمنها القومي، وهو القانون الذي لم يستطع الاتحاد السوفييتي من قبل إقراره حتى لا يخيف العالم منه.
وتوصل خبراء في معهد برلين لأبحاث السياسة والأمن الدوليين، إلى استنتاج أن روسيا أصبحت تصنف نفسها من جديد، باعتبارها الدولة العظمى التي يجب أن تحتل المكانة المناسبة بين دول العالم، وأنها تستغل تراجع مكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية. ويرى الخبراء الألمان، كذلك، أن روسيا الآن مستعدة لإبراز عضلاتها العسكرية، وقد فعلت ذلك في القوقاز صيف العام 2008.
كما تعكس ذلك الطلعات الجوية التي تقوم بها الطائرات العسكرية الروسية فوق المحيطين الهادئ والأطلسي، ووصول وحدات بحرية روسية إلى بحر الكاريبي والمحيط الهندي، وأعمال التدريب والمناورات العسكرية باهظة التكاليف التي تقوم بإجرائها القوات الروسية.
ورغم إنكار موسكو وجود أي نوايا روسية لضرب أية مصالح أميركية، إلا أنها في حوارها مع الأوروبيين حول الأمن الأوروبي المشترك، تستبعد أي دور حقيقي للولايات المتحدة، وحتى لحلف الناتو في هذا الأمن المشترك. من ناحية أخرى نجد أن اللوبي المناهض لروسيا في واشنطن، ينشط في أحيان كثيرة ويطالب بتحجيم صعود روسيا وتحديد دورها على الساحة الدولية، ويطالب بدعم جيرانها للابتعاد عنها، كما يطالب بضم الجمهوريات السوفييتية لحلف الناتو، ليفرض الحلف طوقًا من القواعد العسكرية حول روسيا، بينما ترفض روسيا مساعدة الولايات المتحدة وحلف الناتو في أفغانستان.
ورغم الاتفاق على توقيع اتفاقية جديدة للحد من التسلح النووي بين البلدين، إلا أن الأمر لا يعدو كونه سلوكًا دبلوماسيًا، لا يغير من طبيعة الخلافات والمشاكل بينهما، الأمر الذي يعني أن العالم سيشهد حلقات صراع جديدة بين الدولتين الكبيرتين، ربما تكون أكثر حدة مما كانت من قبل.
* كاتب روسي
