في بلادنا العجيبة حيث يصورها البعض منا دولة، بينما تراها الغالبية من الشعب كيانا هزيلا اقل في السيادة والصلاحية من ادارة مدنية.. في هذا الوطن الذي نتمسك به بقلوبنا وعقولنا ونتشبث بكل حبة تراب فيه، وندافع عن حقنا في الوجود على ارضه بكل ما نملك من قوة.. في هذا الوطن المفدى يبدو ان كل شيئ قد وضع في المزاد، والحياة اصبحت حكرا على من يملك أسباب القوة، والقوة التي اعنيها هنا هي المال والجاه والسلطة والنفوذ.. فالقوي ياكل الضعيف.. والغني يحظى بالفرص للتمتع بكل شيئ، بل ويستلب كلاهما ( القوي والغني ) فرص الغالبية العظمى من الفقراء..
ان مرضت وذهبت للتداوي في المستشفيات الحكومية ستجد اشكالا متعددة من المصاعب.. وقد تموت قبل ان يصل اليك الدور لتجري عملية جراحية-- بسبب الاكتظاظ الشديد، وبسبب ضعف الامكانيات التي توفرها الحكومة-- وان قررت التداوي في مستشفيات الاستثمار التي عمت وطمت في بلادنا.. فانك لن تدخل المستشفى الا اذا دفعت التكاليف مسبقا-- وهذا يعني ان الفقير والعاجز سيكون محروم من الدخول الى تلك المستشفيات الخاصة حتى ولو كان في النزاع الاخير..
كل ذلك يهون امام ان تتحول اللحمة في بلادنا الى حلم بعيد المنال لفقراء بلادنا، بل وحتى لفئاته المتوسطة ( الفئة التي تتهاوى يوما بعد يوم لتنضم الى طابور الفقراء ).. والمصيبة ان الارتفاع الجنوني في اسعار السلع ( والمواد الغذائية على وجه الخصوص ) يداهمنا ونحن ندخل أعتاب شهر رمضان الفضيل.. ويصل ثمن كيلو اللحمة الى 80 شيكلا..!!! وهذا بالتأكيد يعني ان الفقراء لن يتمتعوا حتى برؤية اللحمة في بيوتهم، هذا علاوة عن استحالة شرائهم لها لطبخها واكلها-- الا إذا جادت عليهم بعض المؤسسات والجمعيات وقدمت لهم وجبات طعام على شكل موائد الرحمن-- واظن انه حتى موائد الرحمن المخصصة للفقراء ستخلوا هذا العام من صنف اللحمة الا اذا كانت مجمدة.. وسيقف صغار الموظفين والعمال والعاطلين عن العمل في طوابير امام محلات بيع اللحمة، كي يتاملوا منظر اللحمة، ويعوضوا عدم قدرتهم على اكلها بالتمتع برؤيتها وهي تقطع وتوضع بأكياس، لترسل الى النخب والأغنياء والى المسئولين الحكوميين والسياسيين..
ويزداد الاحتقان مع تزايد اصناف المواد التي بات الفقراء محرومين منها.. وبسخرية فظيعة قال لي احد اولئك المحرومين من اللحمة-- حتى عندما كان سعر الكيلو الواحد 50 شيكلا-- قال لي ذلك المحروم : يا سيدي الويسكي مش مهم يرتفع سعرها حتى ولو صل الى الالاف.. ومش مهم تنفقد من السوق كلما حصلت عندنا مناسبة اجتماعية او وطنية لاحد الاغنياء او المناضلين.. بس اللحمة مش معقول ننحرم منها.. ومش مقبول تصبح بالنسبة لاولادنا حلم وكانها في علب العرايس.. واضاف ذلك المحروم : اكيد اللحمة غليت وفقدت من السوق لان كمياتها المتوفرة اصلا كانت قليلة.. وفوق ذلك لان الاغنياء واصحاب النفوذ قد اشتروها كلها لحاجتهم لها في هذا الشهر الفضيل، فهم يصومون النهار ليملؤوا بطونهم ليلا بكل ما لذ وطاب من الاغذية والشراب.. اما نحن الفقراء فلنا الله والله يرحمنا برحمته الواسعة.
اما انا فاقول : سحقا لهذا النظام السياسي الاقتصادي الجائر الذي يطحن الفقراء.. سحقا للنظام الذي لا يوفر الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، ويفاقم بدلا من ذلك الفقر والبطالة.. وأقول لرئيس وزرائنا فياض : اللحمة يا فياض لم تعد بمتناول أيدي الفقراء.. من سيأكلها بعد اليوم.. ومن سيقدر على دفع ثمنها..؟؟ أين الحماية لفقراء شعبك من غول الغلاء..؟؟ وما هي رزمة الضمانات الاجتماعية التي توفرها لهم، وأنت تدخلهم أتون النظام الاقتصادي المفتوح والسوق الحر الذي لا يرحم ولا يسمح الا للأقوياء بالعيش فيه.. ان الارتفاع الجنوني في اسعار المواد هو ثمرة لنظام العولمة الجديد، ولنظام السوق الحر الذي تقوم حكومتنا الرشيدة بضمنا إليه، ليصبح كل شيء عندنا مستباح، ولا قيود أبدا على الاستيراد والتصدير.. وسيطلق العنان للأسعار حتى ولو ارتفعت بنسبة 1000% .. نعم ان حكومتنا التي تتباهى بنظام السوق الحرة تفتح شهية التجار الجشعين لنهب القليل القليل الذي ما زال في جيوب العباد، وتؤسس لنظام اقتصادي يقسم المجتمع الى طبقتين-- طبقة من الفقراء المحرومين تشكل الغالبية العظمى من الشعب.. وطبقة صغيرة تستحوذ على كل شيئ ( المال والنفوذ والسلطة والقرار )..
