اردوغان وبوتين – تنسيق روسي-تركي سياسي وعسكري، على مستوى عالٍ بشأن سوريا
الآن بعد أن ابتلاني القدر بهذه الانتكاسة المؤقتة سكنت الى الهدوء والاصغاء لأشياء لم اكن متماهيا معها أو أعطيها حقها من لتأمل والرغبة وذلك بسبب صخب الحياة وتراكم الاحداث المتوترة والمتصاعدة.
أجلس على شرفة البيت ساعات الصباح أتأمل الحديقة والأشجار الباسقة وهي تتمايل مع هبوب نسمات الصباح المنعشة، هذه الأشجار الجميلة أصبحت مرتعا لمئات العصافير من مختلف الأحجام والأنواع.
تختار العصافير الجميلة الأشجار وتغرد وتقفز من فنن الى فنن بعيدة عن يد البشر.
هذا هو سر هذا الكون وجمالية الحياة، نعم خليط رائع من المخلوقات الوديعة تؤكد كل صباح على استمرارية الحياة وجمال الوجود وحق البقاء، من دون أن تتدخل يد البشر وما يملكه من وسائل إزعاج تعمل على تعكير الجو وانسيابية الطبيعة بأجمل صورها في سيمفونية هذه الحياة الأزلية. بذات اللحظة ينزف القلب ألما لما آلت اليه سوريا الحبيبة وما آلت اليه حلب الشهباء التي وجدت ذاتها تعيش المأساة في أبشع صورها. حلب العربية أقدم مدن في الدنيا خالدة في ارثها ووجودها الخالد وبناسها.
تحولت وبالذات القسم الشرقي منها الى مدينة أشباح يسكنها الموت والدمار. أرى الفضائيات التي تنقل الصور المباشرة غير قادر على استيعاب ما حصل ويحصل هناك.
أسأل ذاتي لذاتي هل هذه هي مدينة التراث والحضارة؟ هل هذه حلب حامية الثغور العربية؟ هل هي حلب صلاح الدين وسيف الدولة وبيبرس والتي منها خرجت الجيوش العربية المظفرة لملاقاة الغزاة التتار والصليبيين ودحرهم بقيادة صلاح الدين وبيبرس الذي دحر التتار في عين جالوت في فلسطين، أي أن المعارك الفاصلة في تاريخنا العربي المشرّف حدثت في فلسطين او على تخوم فلسطين وهذه ليست صدفة تاريخية فمكانة فلسطين كانت وما زالت قلب الشرق وروحه المقدسة وسبب وجوده.
حلب تحولت الى مدينة أشباح يسكنها الموت والدمار. نعم أحرقتها ودمرتها عصابات الموت وبرابرة العصر الذين أتوها من كل حدب وصوب بمساعدة الديمقراطيات الغربية الكاذبة وتركيا ودول الخليج اللاعربي. نعم أتاها القتلى والمجرمون من مختلف بقاع الأرض من أجل استباحة كل ما هو عربي جميل. زرعوا الموت والخراب في أزقتها وحاراتها الجميلة. حلب الآن تشبه ستالينغراد من حيت فداحة الدمار والخراب. السؤال الذي يفرض في هذا الحال من أجل ماذا؟ ولمصلحة من؟ لقد كان متوقعا من أعداء العرب وسوريا بالذات هذا السناريو الرهيب وهذه الهجمة البربرية التي لم يعرفها التاريخ ولم تعشها الانسانية بهذه الصورة من قبل. هل هذه هي " ديمقراطية " الغرب الامبريالي؟ هل هذا الاجرام الحاقد هو ما تستطيع عمله ممالك الخليج المارقة المتخلفة التي كانت وما زالت ضد كل تبلور عربي قومي؟ هؤلاء الاجلاف أرادوا أن يقضوا على الحضارة العربية – الاسلامية وإعادة الزمن الى الوراء في سوريا وفي كل دولة عربية قومية؟ نفاق ما بعده نفاق، هل فعلا الغرب وأعوانه يعملون هذا الجرم الكبير ضد الشعب العربي السوري من أجل الديمقراطية في سوريا وحرية الشعب السوري؟ كيف هي حال الديمقراطية عندهم وكيف تكون هناك ديمقراطية ويكونون هم ديمقراطيين ويدمرون بلاد الغير الوضاعة وبهذه الخساسة والوقاحة منقطعة النظير.
ارادوا تدمير سوريا لدورها المقاوم والمناصر للقضية الفلسطينية قضية العرب الأولى القومية كانت، وما زالت وستبقى حتى تحل قضية فلسطين وتعود حقوق شعب فلسطين كاملة غير منقوصة ولو استمر العذاب الفلسطيني ألف عام.
لقد استخدمت المليارات القذرة السعودية الوهابية والاخوانية القطرية لتدمير آخر معقل للقومية العربية لمصلحة الغرب الاستعماري والصهيونية العالمية. هدفه كان تركيع سوريا واجبارها دفع ثمن موقفها المقاوم الصلب من أجل الحق الوطني والعربي في فلسطين، ومن ثم القضاء على قضية فلسطين وبعدها الوطني الفلسطيني والقومي العربي وجعلها قضية دينية رجعية مُتخلفة تذوب مع الزمن من أجل بقاء اسرائيل وهيمنة الصهيو- امبريالية على مقدرات الشعوب العربية وثرواتها وحتى وجودها القومي في هذا الجزء من قلب العالم.
ما يجري في سوريا مؤامرة نعم مؤامرة والهدف استهداف النظام القائم هناك المعادي للامبريالية والصهيونية وخلق آخر اكثر ليبرالية بأعين الغرب يكون عميلا للغرب وتحت طاعته. مشكلتنا من النخب الغربية التي صمتت صمت الخراف عن تدمير دول العرب أوطانهم بل تعاملت مع المعتدي المجرم الذي دمر حضاراتهم ومدنهم.
لم يعوا ولن يعوا أن القضاء على الدول الوطنية القومية رغم كل نواقصها معناه ضياع هذه الدول ومن ثم ضياع العرب وتفتيت الكيانات العربية القومية الى أخرى دينية رجعية متخلفة تتحارب فيما بينها ألف عام حتى تسود الصهيونية ويستمر استعمار الغرب الامبريالي.
المحِّير في الأمر أن هذه النخب العربية التي تعد نفسها مثقفة وواعية ما زالت مع المؤامرة ومع الوهابية والاخوانية الأردوغانية التي انفضحت للعالم. نعم انفضحت معالمها ودوافعها الحقيقية. هذه المؤامرة الدنسة التي هدفها كما أسلفنا كان ما زال تمزيق عالمنا العربي وتحويله الى محميات اثنية وطائفية مستترة بغطاء ديني سياسي مجرم بعيد كل البعد عن روح الدين. الدين الاسلامي ككل دين توحيدي آخر دين اعتدال وسماحة ورسالة محبة جاء لاخراج البشرية من الظلمات الى النور. ما نراه الآن هو العكس أي ادخال العرب والانسان الفرد العربي من النور الى ظلمات أشد قساوة وضراوة وجهلا مما كانت عليه الجاهلية قبل الاسلام.. الآن بعد ان ذاب الثلج وبان المرج وانفضحت المؤامرة على سوريا والعراق واليمن وليبيا من الواجب على المثقفين العرب أخذ دورهم الحقيقي المتوقع، عليهم الوقوف في صف جماهير شعبهم ودولهم وأن يرفعوا صوتهم عاليا ضد الاستعمار والصهيونية التي تحارب العرب وتحارب تبلورهم القومي الوحدوي منذ اكثر من مئة عام.
المحزن في الأمر الحزين أصلا أن الدور السلبي الذي وقفه مثقفو العرب في كل مكان ينتقل الى مثقفي الداخل عندنا هنا الذين ما زال بعضهم بوقاحة يتشدقون بمقولة الحريات التي أتت مع الدبابات والطائرات الغربية المعادية للعرب بشكل عام وللفلسطيني بشكل خاص، وهناك منهم من باع نفسه بثمن بخس للشيطان الوهابي السعودي الاخواني القطري بالبترو دولار المغموس بدم العرب في كل بلدان العرب.
أيها المثقفون أو بقاياهم العرب عودوا الى رشدكم ألم يحن الوقت بعد كل الذي جرى ويجري في دنيا العرب ان تعودوا الى مكانتكم الطبيعية المعادية للاستعمار والصهيونية والمناصرة لحقوق البشر ولحقوق العرب.
يجب ان يكون انتصار حلب آلام المخاض لولادة جديدة لكل عربي حقيقي في عالمنا العربي الكبير.
تعالوا نقف صفا متراصا ممانعا لأطماع الغرب ولكل أعداء العرب.
تعالوا بنا نخلق ربيعا عربيا حقيقيا بعد أن نتخلص من الاستعمار وأعوانه وبكل صورة ومن الاسلام السياسي وبكل صورة، ونجعل هذا الخريف العربي الذي زرع الدمار واليباب الى ربيع عربي حقيقي آت مع زهر اللوز وشقائق النعمان.
(شفاعمرو)
