أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية (1-2)

single

2016/8/9 - المواطنة ندوة عودة تواجه مجموعة من جنود الإحتلال في قرية قصرة جنوب نابلس (عدسة:ايمن نوباني/وفا)


*ورقة مقدمة إلى المؤتمر المنعقد في بيت المستقبل (بكفيا، لبنان) بين 9 إلى 10 حزيران 2017، بدعوة من مركز القدس للدراسات السياسية (الأردن)، ومؤسسة بيت المستقبل (لبنان)، ومؤسسة كونراد أديناور (ألمانيا)، تحت عنوان: «مؤتمر حل الدولتين وما يتعداه: التصورات الموازية لمستقبل القضية الفلسطينية وإمكانات التسوية»*


**في توصيف الحالة وأسبابها


1 – أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية مركبة، فهي أزمة إستراتيجية العمل الوطني المعتمدة رسمياً، كما أنها أزمة النظام السياسي القائم، بالعلاقة التبادلية المرتدة بينهما.
الإستراتيجية المعتمدة من مركز القرار الرسمي الفلسطيني ما تزال تقوم على مسارين: المفاوضات الثنائية الفلسطينية – الإسرائيلية من جهة، وبناء مؤسسات«الدولة» من جهة أخرى؛ والمساران عالقان منذ سنوات، لا بل منذ ما يقارب العقدين من الزمن.
أما النظام السياسي، فقد إهتزت مكانته التمثيلية، وانحسرت فعاليته على مستوى هياكله الجامعة في منظمة التحرير بخاصة والسلطة الفلسطينية بشكل ملموس، كما وعلى مستوى مكوناته، بما هي فصائل وأحزاب وحركات سياسية، فضلاً عن مؤسسات الحركة الجماهيرية المنظمة من إتحادات ونقابات وغيرها..
2- المفاوضات الثنائية عالقة عملياً منذ إنهيارها في محادثات كمب ديفيد (تموز 2000) في نهاية الولاية الثانية للرئيس كلينتون المتزامنة مع فترة رئاسة إيهود باراك للحكومة الإسرائيلية.
بعد محاولة فاشلة لإنقاذها في محادثات طابا (كانون الثاني 2001) إثر إندلاع الإنتفاضة الفلسطينية الثانية (أيلول 2000)، توقفت المفاوضات تماماً إلى أن إستؤنفت تحت مظلة دولية إحتفالية (أي إفتتاحية ليس إلا)، في أنابوليس (تشرين الثاني 2007) في السنة الأخيرة للولاية الثانية للرئيس بوش الإبن، وفي فترة رئاسة إيهود أولمرت للحكومة الإسرائيلية.
بيد أن هذه المفاوضات إنقطعت قبل أن تحقق نتيجة في مطلع كانون الأول 2008، قبيل عدوان «الرصاص المصبوب» الإسرائيلي على قطاع غزة. ومرة أخرى لم تتجدد المفاوضات إلا في أواخر العام 2009 في مطلع الولاية الأولى للرئيس أوباما، إبّان رئاسة بنيامين نتنياهو للحكومة الإسرائيلية، لتتوقف في العام 2014. ومازالت متوقفة حتى الآن.
3- إنهيار المفاوضات، وبالتالي فشل العملية السياسية، لا يعود وحسب إلى التعنت الإسرائيلي الرافض عملياً لأي مسار يقود إلى مقاربة الحقوق الوطنية لشعب فلسطين، بل يُنسب أيضاً إلى بنية العملية التفاوضية ذاتها التي تنطوي (بالقوة) على عوامل فشلها، فهي تفتقر إلى:
أ) الربط بين مرجعية قرارات الشرعية الدولية وهدف المفاوضات؛
ب) التحديد الواضح للإطار الزمني للمفاوضات؛
ج) مرجعية دولية متنفذة ونزيهة قادرة على ضبط العملية التفاوضية في الإطار والهدف المرسومين لها، حيث إختزلت هذه المرجعية بالدور الأميركي المتحيّز لإسرائيل؛
د) آليات تحول دون خلق وقائع جديدة تجحف بوضع وحقوق أحد طرفي المعادلة، وفي الحالة الموصوفة وقائع إستيطانية وتهويدية أفضت إلى مفاقمة الخلل في ميزان القوى لصالح الجانب الإسرائيلي وأجحفت بالموقع التفاوضي للجانب الفلسطيني، وأضعفته.
4– كما أن فشل العملية السياسية يعود إلى غياب إستراتيجية عمل وطني فلسطيني تسهم بدورها في تصحيح تراكمي للخلل في ميزان القوى، إن كان بتوفير عوامل التماسك الداخلي للحالة الفلسطينية، أو بالمثابرة على تحدي الضغوط التي تواجه مساعي تدويل القضية الوطنية...، ضمن أولوية تغذية روافد عمل وطني تصب في مجرى إستراتيجية صمود مديدة تجمع ما بين المقاومة الشعبية للإحتلال والإستيطان، ونضال الحركة الأسيرة، وتزخيم حركة اللاجئين بالتوازي مع تعاظم فعل وتأثير الحركة الجماهيرية في مناطق الـ 48، واستراتيجية دفاعية واقعية وذات مغزى في قطاع غزة.. وكل هذا في إطار السعي الجاد لفك الإرتباط بشكل متدرج عن إملاءات إتفاق أوسلو والإنعتاق من قيوده، وبالذات من جانبيه الأساس: الإرتهان الأمني والتبعية الإقتصادية.
5– في هذا الإطار يتضح كم هي غير منتجة تلك السياسة التي تراهن على إنجاز بناء مؤسسات الدولة العتيدة كعامل مؤثر في الصراع الدائر، بدليل أن الشهادات المتواترة من الأمم المتحدة إلى البنك الدولي.. على إمتلاك السلطة الفلسطينية لوزارات وإدارات بمستوى إدارة مرافق«دولة ناجحة» لم تفلح في إزالة العقبات (الإسرائيلية أساساً) التي تعترض طريق تقدم مشروع الدولة المستقلة.
مع الإشارة إلى هذا، لا يفوتنا التمييز الواجب بين الكفاءة الوظيفية لمؤسسات السلطة الفلسطينية، وبين مواصفات ومضمون إدارات الدولة المستقلة السيدة، وهي الإدارات التي لا يمكن أن ترتقي السلطة الفلسطينية لامتلاكها، طالما أنها لا تمارس سيادتها على الأرض والمياه والمعابر والحدود والدورة الإقتصادية..الخ.


**أزمة النظام السياسي الفلسطيني


1– يقوم النظام السياسي الفلسطيني على جسمين جامعين: منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والسلطة الفلسطينية، أي سلطة الحكم الإداري الذاتي على السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي أنتجها إتفاق أوسلو والتي إتخذ المجلس المركزي لمنظمة التحرير، نيابة عن المنظمة وباسمها، قراراً بتشكيلها في العام 1994، ما يعني – نظرياً – أن المنظمة هي المرجعية الأعلى للسلطة.
2- على عكس ما قد يوحي به هذا التعريف، فإن علاقة السلطة بالمنظمة لا تحكمها قاعدة الجزء بالكل، لسبب جلي ومعروف، وهو: أن م.ت.ف إثر إقامة السلطة الفلسطينية، قد تراجع دورها وانحسر بشكل متسارع بعد أن نُقلت مؤسساتها الرئيسية إلى ولاية السلطة الفلسطينية: فجيش التحرير الوطني تحوَّل إلى قوات الأمن الوطني؛ والأمن الموحد وسائر الأجهزة الأمنية تحوَّلت إلى جهازي المخابرات العامة والأمن الوقائي؛ والصندوق القومي إنتقل عملياً إلى وزارة المالية؛ وممثليات م.ت.ف في الخارج (أكثر من مئة ممثلية) إنتقلت إلى وزارة الخارجية؛... والأمر نفسه إنسحب على عديد المؤسسات الأخرى من إعلامية وبحثية وثقافية وإجتماعية..الخ.
3- في السياق المذكور، تجدر ملاحظة ما يلي: إن هذه النقلة المؤسسية الواسعة لا تكمن مشكلتها – بالطبع -  في إنزياحها إلى الداخل الفلسطيني، بل في خروجها الكامل عن ولاية م.ت.ف وعن مسئولية هيئاتها القيادية، والأمثلة على ذلك –إضافة إلى ما ذكر– تترى، وآخرها المرسوم الرئاسي بإحالة مسئوليات دائرة الجاليات الفلسطينية المغتربة في الأمريكيتين وأستراليا وأوروبا، وهي إحدى الدوائر الرئيسية الممثلة والمرتبطة مباشرة باللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف، إلى وزارة الخارجية في حكومة السلطة الفلسطينية، التي تضحى، والحال هكذا، وزارة الخارجية والمغتربين(!).
إن ما يفاقم كل هذا، واقع إضمحلال مؤسسات الحركة الجماهيرية من إتحادات شعبية ومهنية.. الخ، في الشتات الفلسطيني، التي كانت تلعب دوراً رئيسياً في تعبئة وتوحيد طاقات الشعب الفلسطيني من مختلف القطاعات في الشتات، في المعترك الوطني.
4- إلى ما سبق توضيحاً للمنحى التراجعي لموقع ودور م.ت.ف، نضيف غياب حركات الإسلام السياسي عنها، ما يؤدي إلى إهتزاز المكانة التمثيلية لمنظمة التحرير بحكم القاعدة الجماهيرية المعتبرة لهذه الحركات، فضلاً عن نفوذها السياسي الناجم – بشكل رئيسي– عن تقديماتها الإجتماعية ودورها في مقاومة الإحتلال.
وإذا كانت المكانة القانونية لمنظمة التحرير مازالت مصانة – وإن بصعوبة – على الرغم من مرور أكثر من عقدين على إلتئام آخر دورة للمجلس الوطني الفلسطيني، الذي هو بمثابة المؤتمر الوطني العام والأعلى للشعب الفلسطيني وعموم الحركة الوطنية، فإن بقاء الخلل في النصاب التمثيلي، لا بد وأن يؤدي – في حال إستمراره – إلى ثلم المكانة الشرعية لمنظمة التحرير، التي لا تكتمل نصاباً، إلا بالتقاء مركزها القانوني مع مركزها التمثيلي الشامل.
5- السلطة الفلسطينية بدورها تعاني من أزمة مركبة: فهي منقسمة على نفسها مؤسسياً وجغرافياً، وهي بيد حزبين حاكمين متصارعين ينفردان عملياً بها، ما يؤدي إلى تعميق سماتها البيروقراطية وممارساتها القمعية، ويقوى نزوعها إلى مصادرة الحريات العامة وميلها إلى قمع الحركة الجماهيرية، وصولاً إلى إستخدام أساليب القمع المباشر كلما تتطلب الأمر، وإن كنا نميّز – بالدرجة ليس إلا – بين ما تعتمده السلطة في غزة والسلطة في رام الله، حيث الأولى أكثر إسرافاً في إستخدام القبضة الحديد المجللة عقدياً في التعاطي بشكل عام مع الحراك المجتمعي، مطلبياً كان أم ديمقراطياً.
6- من عوامل الأزمة المركبة التي تعانيها السلطة الفلسطينية المغتربة عن الجمهور، أنها صُممت للعمل ككيان إداري – وظيفي تحت الإحتلال لفترة إنتقالية سقفها خمس سنوات (تنتهي في العام 1999)، هي الفترة الإنتقالية المنصوص عليها في إتفاقات أوسلو.
وعليه فليس من المستغرب أن يضيق هذا الإطار الوظيفي المصمم لفترة زمنية محدودة، ويعجز عن تلبية إحتياجات المجتمع (الإقتصادية، وغيرها) لفترة زمنية أطول تجاوزت العقدين، في ظرف تضافرت فيه عوامل عدة لمفاقمة أزمة النظام السياسي الفلسطيني، أهمها: هيمنة الريعية في الإقتصاد مصدراً للغنائمية والزبائنية في التوزيع خلف أسوار إحتلال ما إنفكت قبضتة تزداد بطشاً على خلفية تكالب الإستيطان في الضفة وإستشراء التهويد في القدس والخليل، وإحكام الحصار على القطاع مع تصعيد العدوان الإسرائيلي عليه. (يتبع حلقة ثانية وأخيرة غدًا)



**نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

قد يهمّكم أيضا..
featured

ذكريات ختيار لم تمت أجياله (43)

featured

لتصعيد النضال ضد الحرب

featured

علمنا وكان يعرّف الشيوعي بقوله: أن تكون شيوعيا أي أن تكون مستقيما

featured

نحو دورة ناجحة للمجلس الوطني الفلسطيني

featured

قرار مصري متسرّع ومرفوض

featured

"سجِّل أنا عربي"

featured

جريمة قراصنة البحر

featured

دفاعًا عن الأرض والانتماء