القائدان الشيوعيان الكبيران فلنر وطوبي
كُتِب وسيُكتبُ الكثير عن ماير فلنر السكرتير العام للحزب الشيوعي الاسرائيلي، عضو الكنيست، الكاتب في القضايا الفكرية التي واجهت الحزب هنا في البلاد أيام فلسطين وبعد قيام إسرائيل، سيكتب الكثير عن ماير الذي وقف منتصب القامة مع رفاقه توفيق طوبي وإميل حبيبي وعثمان أبو راس وغازي شبيطة وغيرهم من كوادر الحزب وهيئاته الذين وقفوا مع الخط الأممي للحزب ضد الخط الصهيوني الذي حاولت مجموعة ميكونس – سنيه جر الحزب إليه عام 1965م، وبذلك حافظ الحزب على سلامته الأممية أمام التحريض الأرعن من أبواق السلطة والحكم العسكري.
ماير فلنر مثل ويمثل الوجه الأنصع للأخوة اليهودية العربية الأممية بالممارسة الفعلية والتطبيق العملي اليومي، أذكر كيف كان هذا التلاحم والتناغم بين ماير فلنر ورفيقه توفيق طوبي يجتذبنا نحن الشباب أبناء الأقلية المضطَهَدة، كم كانت صادقة تلك الرحلة الاستكشافية لرفيقين يهودي وعربي إلى كفرقاسم عام 1956م للكشف عن الجريمة البشعة، وكم حاولت القوى الصهيونية بالتعاون مع قوى رجعية عربية تعرف بالضبط ماذا تفعل وهي تقلل من أهمية وجود ماير فلنر بالذات مع توفيق طوبي لئلا يتحول هذا إلى خط نضالي للجماهير العربية واليهودية، الأمر الذي لا يوافق عليه منظرو الصهيونية الذين يريدون علاقة الفارس والفرس بين الشعبين، والبعض والأشرس يمينية لا يريد العرب في هذه البلاد.
ماير فلنر الموقف الصلب والشجاع في حرب حزيران 1967م، حرب النكسة، حرب الستة أيام سمها ما شئت ولكنني أسميها الحرب على العدوان والتدخل الامبريالي وخدمة الامبريالية العالمية، التي مع الأسف الشديد فإن بعض التقدميين يرفضون أو يخجلون من مهاجمة الامبريالية باعتبارها "دقة قديمة"!! ماير فلنر وتوفيق طربي ورفاقهما وقفوا منتصبي القامة ضد هذه الحرب العدوانية، بدون تردد وبدون تأتأة وبدون ولكن... وهذه المواقف الأخلاقية هي التي جذبت أمثالي وجيلي لهذا الحزب الثوري العريق... وليس الغزل مع الرجعية العربية أو الصهيونية أو الامبريالية.
كان ماير أصفى من الماء الزلال في مواقفه، وأصفى من كل ذهب العالم في مبدئيته، ولذلك حاولت السلطة ومن لف لفها نبذه من المجتمع العبري خاصة، فأي منطق يا هؤلاء انه لا يوجد حتى الآن أي شارع أو أي مؤسسة في تل أبيب أو القدس التي عاش فيهما ما يعبر عن التقدير له وعن دوره؟ وأتساءل بمرارة لماذا لا يقدم الأعضاء العرب وأعضاء الكتلة الأكبر في بلدية تل أبيب ( قائمة مدينة للجميع- عير لكولانو) طلبات متكررة تقض مضاجع رئيس البلدية خولدائي وغيره من أعضاء الائتلاف وتثير الشعبين اليهودي والعربي.؟
لا شك أن ماير فلنر كما رفاقه العرب أكبر من أي شارع أو مؤسسة، ولكن هذا تثقيف وهذا موقف يجب النضال من أجله أيضا باسقامة واضحة كما كان يقول هو دائما: يسألونني ما معنى أن تكون شيوعيا فأجيب أولا أن تكون إنسانا مستقيما.
هذا هو ماير فلنر الذي نعتز به الانسان المستقيم، الصادق في قوله وعمله، في كل ما عرفته شخصيا منه وشاهدت من أعماله.
أذكر بألم سنة 1989م يوم انهيار الانظمة" الاشتراكية " واحدا تلو الآخر لأخطاء وخطايا ارتكبتها هذه النظم ولمؤامرات ودسائس إمبريالية ضدها، ولتقصير في تطوير النظرية التي أصبحت في بعض البلدات كالكتاب المقدس لا يمكن التغيير بها، هذا في حين أن أسس هذه النظرية أنها ليست نظرية دينية بل علمية والعلوم تتقدم وتتطور وخلال البحوث العلمية تفقد بعض القراءات النظرية مصداقيتها أمام الحياة والواقع.
يومها كنت في ألمانيا الديمقراطية وسقط سور برلين، وسقطت معه أوهام وثبتت حقائق، وراجعت نفسي بعمق وبحرقة، فوجدتني أكتب لماير فلنر وتوفيق طوبي رسالة من هناك أن اصمدوا يا رفاق أمام هذا الزلزال فلم ترتكبوا أنتم خطايا وخطنا في القضايا المفصلية هو الصادق ولم نرتكب نحن أي ذنب أساسي ضد شعبينا بل نحن ضحية الاضطهاد والحكم العسكري وضحية العدوان.
وكم سررت عندما وقف ماير فلنر أمام رفاق المؤتمر يتحدث بشكل واضح أين أخطأت بعض الاحزاب الشيوعية، وأين من الممكن أخطأنا ولكننا لا نهرب كالفئران من المركب بل نقف بشجاعة لإصلاحه، وعدد مناقب حزبنا الشيوعي منذ تأسيسه حتى اليوم والديمقراطية الداخلية وسير المؤتمرات وغيرها من المواقف المفصلية، ومع الألم الذي كان يعتصرني شخصيا إلا انني كنت أرى بهذا الخط وهذه المبدئية الأمل في غد أفضل.
ماير فلنر دعا بصدق لوحدة العمل ضد الحكومات المتحجرة، وبصدق كان يكتب ويعمل ويدعو الى الوحدة من أجل السلام بين كل قوى السلام في إسرائيل، وكان يؤكد دائما أن دور الحزب الأساسي هو في موقعه في بلاده، هذا أساس معركته لتنفيذ برنامجه، فالحزب الشيوعي الروسي هو المسؤول الأول عما يجري في روسيا والدفاع عن الكادحين هناك ومسؤولية الحزب الشيوعي اللبناني الدفاع عن العمال والفلاحين اللبنانيين، هذا مع عدم إهمال المشترك والتعاون الأممي في سبيل مستقبل باهر مستقبل سلام للشعوب كل الشعوب في العالم.
كتب ماير فلنر يقول: " قضية القضايا هي وحدة العمل لكل الأجسام والأوساط السياسية التي تقف على أساس برنامج سلام واقعي: مفاوضات مع م.ت.ف. ضمن إطار مؤتمر دولي، الموافقة على مبدأ دولتين للشعبين، أي دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
يجب ألا تشكل الخلافات الأيديولوجية عقبة للتعاون بين قوى السلام. فلا يوجد سبب موضوعي لمنع تعاون كهذا. وستشكل جبهة سلام موحدة قوة ذات وزن كبير في الخارطة السياسية في إسرائيل. والمطلوب ليس نصا مشتركا مع الليكود، وهو أيضا أمر مستحيل، بل نضال موحد ضد سياسة الليكود وحلفائه من اليمين المتطرف وداخل حزب العمل"(1).
كان ماير صادقا في طرحه راغبا في سلام الشعوب بحق الشعوب، وهذا الكلام مع بعض التعديلات البسيطة بسبب تراكم الأحداث، ما زال صحيحا، ونستطيع النضال من أجله بل نحن نناضل من أجله في جوهره.
سيكتب التاريخ اسمك يا رفيقنا باسطر من نور سواء تاريخ شعبنا الفلسطيني الأصيل الذي لا ينسى المناضلين الأممين من أجل حقوقه أو شعبك الذي حتما ستزول الغشاوة المؤقتة عن عيني أكثريته.
إشارات:
1- فلنر ماير- تحرك إيجابي مقابل حكومة متحجرة – مجلة الدرب، عدد2، نيسان 1989م ص3، الحرر المسؤول إميل حبيبي، ورئيس التحرير زاهي كركبي- حيفا.
( عرعرة – المثلث)
