تمر جماهيرنا العربية اليوم في الأحوال نفسها التي عايشتها في الستينيات، ولكن بأشخاص مختلفين وحيثيات متشابهة، فمن الواضح أن القيادات المتعاقبة لحكام اسرائيل باملاءات الحركة الصهيونية لا تريد أن تتعلم الدرس الذي عن طريقه توفر المعانات وتوقف سفك الدماء لكلا شعبي البلاد، ومستمرة في سياسة "فرق تسد" التي ورثتها كما ورثت أشياء سيئة اخرى من الانتداب البريطاني.
طلعت الحركة الصهيونية علينا اليوم بالنائب ليفين المغمور سياسيا وغير المصنف، لعله بتطرفه ينال التأييد ويرقى الى مصاف القياديين، باقتراحاته القديمة المستحدثة لعله بعد الحقبة الزمنية هذه نكون قد نسينا، فتنجح بتمرير لعبتها استمرارا في دق أسافين الخلاف والتفرقة لتكريس الصراع الفئوي الطائفي، ولعل تسجيل اسم الطائفة يعطي المسيحيين تسهيلات وامتيازات تبعدهم وتنسيهم عروبتهم تمهيدا للتجنيد الاجباري. نسي جهابذة الحكم في اسرائيل أن هذه اللعبة قديمة ومجربة وأفشلناها عندما قدنا نضالا لرفض تسجيل الديانة في الهوية (و هذا ما حدث معي شخصيا عندما ذهبت لاستصدار هوية في حينه)، وأن مهمة التجنيد الاجباري للمسيحيين قد حملها المطران حكيم (راعي الطائفة في حيفا وعكا وسائر الجليل) الذي روج للمشروع بزيارات رعوية لطائفة الروم الكاثوليك في البلاد بنفس الحجج الواهية التي توهم "بحماية" المسيحيين من جهة وتحسين ظروف معيشتهم من جهة اخرى وتسهيل فرص العمل لهم من جهة ثالثة.. فقامت القيامة عندهم وهبوا بكل طوائفهم ورفضوا جملة وتفصيلا هذه الدعوة، مدركين أنهم جزء من هذا الشعب وأن أي حق لهم هو حق وليس منة من أحد مقابل أي تنازل.
قصيدة "سجل أنا عربي" لم تصدر من فراغ بل غضب اعتمل في صدر الشاعر الكبير محمود درويش وأطلقه شعرا أثار حفيظة السلطة وهز العالم العربي والدولي، هذا الغضب الكامن في صدر الشعب الصابر الصامد في وجه التمييز والظلم الذي كنا نلمسه يوميا مرورا بالنضال من أجل المساواة ورفض الهوية الحمراء التي تمهد لوضعنا على كف عفريت قد تؤدي لحرمنا من وطننا، ونجح المحامي المناضل محامي الأرض والشعب حنا نقارة بفرض اصدار الهوية للعرب كباقي المواطنين، لذا غنوا الأهازيج العفوية (أبو طوني جابلي الهوية) ولمسنا التمييز ان كان في المدرسة أو العمل أو التجوال وكيف نرى العامل العربي عندما يضطر عند وصوله الى أماكن معينة لوضع كوفيته في حقيبة الزوادة، وكيف ينظرون نظرة غضب وازدراء عندما تتكلم العربية، وعندما تمر بقرب قرية عربية مهجرة يقولون عنها آثار من زمن الاحتلال الروماني كما حدث للشاعر (ابن قرية المجيدل المهجرة) عيسى لوباني عندما كتب قصيدته المشهورة بهذا الصدد، وأدّت الى فصله من سلك التعليم وقمنا أعضاء الشبيبة الشيوعية في حينه بتوقيع العرائض لالغاء هذا الفصل التعسفي.
في تلك الظروف القاسية التي واجهت جماهيرنا الضعيفة والشعب المستضعف، والسياسة التي حاولت استغلال حاجة الناس للعمل والعيش باطمئنان والحرص على الأرض والسعي للتعليم وتحسين ظروف العمل ورفع مستوى المعيشة، في تلك الظروف صحا شعبنا الى تلك المحاولات المسمومة ورفضها جملة وتفصيلا، فهل من الممكن تمريرها اليوم على شبابنا وأبنائنا بعد كل تلك التجارب المتراكمة والنضالات التي تكدست عند شعبنا؟
(يافة الناصرة)
