خطوات بناء الثقة كما نراها

single

جدار الضمّ، يلغي مفهوم الحدود الشرعية


ما تشهده المنطقة من حراك متواصل بعد قمة افتتاح استئناف المفاوضات المباشرة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي في واشنطن في الأول من ايلول يلقي تفاوتاً واضحاً فيما يتعلق بما قد تفضي اليه هذه المفاوضات من نتائج على ضوء المعطيات السياسية والطريقة التي تمت بها تلبية دعوة (الوسيط) الاميركي، وتبقى موازين القوى العامل الاساسي ربما في ترجمة (الاختراقات) التي يأملها كل جانب من الآخر، ومن المعروف أن اللاعب الرئيسي هنا هو اسرائيل وهي قوة الاحتلال والطرف القوي، فيما يذهب الطرف الفلسطيني بدون مرجعية (قرارات الشرعية) الدولية وبدون تلبية الشرط القاضي بوقف الاستيطان، حيث تذهب تقديرات الكثير من المحليين الى أن الاختبار الحقيقي لمدى الجدية هو في السادس والعشرين من هذا الشهر  وقرار الحكومة (بتجميد) البناء الاستيطاني الذي لم يجمد أصلا وفق كل الدلائل.

الملفت للنظر بعد هذه القمة في واشنطن تصريحات بعض القادة في حكومة اسرائيل لا سيما بشكل خاص رئيس الحكومة نتنياهو ووزير خارجيته ليبرمان فالأول أشار فور عودته الى امكانية ايجاد تسوية (تاريخية) تنهي (النزاع) فيما الثاني وجد من المستحيل الوصول الى تسوية من هذا النوع في غضون عام ، ليبرمان عاد ليؤكد أن المطلوب هو خطوات بناء الثقة التي لم يحددها فيما تناقلت وسائل اعلام وبعض الوكالات الاخبارية أنباء عن (لفتات) حسن نية لتعزيز الثقة بين الطرفين دون أن يصدر  أي موقف رسمي للحكومة عن هذه النوايا، ومن المعروف أن مواقف الطرفين ما زالت متباعدة ومتناقضة في الرؤية للحل الدائم في مختلف قضايا الوضع النهائي الست، والسؤال المطروح هنا اذا كانت المسافة بين مواقف الأطراف على هذا النحو وهي كذلك فعن أي حل تاريخي يتم الحديث؟؟ وما هي مقومات صمود أي اتفاق انتقالي جديد (اطار) قد يطرح خلال المدة القريبة القادمة؟؟ اذا كان الحديث عن خطوات بناء الثقة كمدخل لتهيأة المناخ لايجاد تسوية معقولة في المنطقة بهذه الأهمية فان هذه الخطوات يجب أن لا تستخدم باعتبارها انجازات تحققت بين عشية وضحاها للتمويه على ما يحدث على الأرض من استيطان وهدم واقتلاع يومي.

وربما الاجراءات التي يتم الحديث عنها تشمل رفع حاجز هنا وازالة ساتر ترابي هناك، الافراج عن بضع مئات في اقصى ما يقدمه الجانب الاسرائيلي من المعتقلين ممن تصفهم بغير (الملطخة) ايديهم بالدماء، وربما زيادة كمية المياه وبعض التسهيلات الأخرى في الحياة اليومية، هذه الاجراءات يقصد منها تحويل السياسي الهام الى مطلبي مهم قد تستجيب حكومة نتنياهو لها وقد ترفضها، وليعاد الدخول في التفاوض حول هذه القضايا بديلاً عن القضايا الاساسية كالقدس والاستيطان وحق العودة... الخ.

اجراءات بناء الثقة مطلوبة وتعكس مدى جدية الطرف الاسرائيلي في مواصلة طريق المفاوضات أو انهيار كامل لهذا الطريق، وعلى الجانب الفلسطيني أن يصر على أن اجراءات بناء الثقة هذه هي متطلبات اساسية لشروط الدخول في المفاوضات نفسها قبل البدء بعملية التفاوض وهي هنا معركة اخرى نخوضها لاقناع المجتمع الدولي بأن اسرائيل تريد أو لا تريد السلام العادل والشامل في المنطقة وهذه المبادرات يجب أن تشمل اعلان اسرائيلي واضح وصريح عن وقف الاستيطان بشكل كامل بما فيه مدينة القدس المحتلة، ووضع جدول زمني محدد لاطلاق سراح  الأسرى والمعتقلين جميعاً دون قيد أو شرط ، الاستعداد الاسرائيلي للتخلي عن المستوطنات والمواقع الأمنية المقترحة والنقاط العسكرية التي تريدها على امتداد الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية، الامتناع بشكل كامل عن دخول المدن الفلسطينية بأي شكل من الأشكال ، ازالة الحواجز العسكرية والسواتر الترابية التي تحول حياة الناس الى جحيم ووقف سياسة العقاب الجماعي بحق الشعب الفلسطيني بما فيها رفع الحصار عن قطاع غزة، وهناك العديد من الخطوات الفعلية التي يمكن أن تنجز لو ملكت الحكومة الاسرائيلية النوايا الصادقة والشجاعة الكافية للتمهيد لمفاوضات سلام حقيقية بأجواء مريحة وطبيعية وهو ما زالت بعيدة عنه وربما لن تصل اليه ايضا، فالاصرار على يهودية الدولة، واستمرار الاستيطان وتحديدا في القدس، وحملات الاعتقال كلها مؤشرات لوصفات تريد منها حكومة اليمين في اسرائيل منع الوصول الى أي اتفاق في حين الاستمرار في مفاوضات الهدف الوحيد منها هو كسب المزيد من الوقت وفرض حل الأمر الواقع المتمثل في الدولة ذات الحدود المؤقتة، واسقاط مواضيع الحل النهائي واحدة تلو الأخرى.

فالحدود أولى قضايا المفاوضات المرتقبة في شرم الشيخ أواسط هذا الشهر تم اسقاطها من المفاوضات بالتأكيد على أولاً الاحتفاظ بحق اسرائيل بوضع اجهزة انذار ورادارات وتواجد عسكري على الحدود مع الاردن بدعوى الخشية من الخطر من الشرق، وثانيا في حق اسرائيل في التحكم بالمجال الجوي (للدولة) العتيدة ايضا، أما حق العودة فيهودية الدولة وطرحها على الطاولة دليل آخر ليس فقط على رفض هذا الحق الذي يشكل جوهر القضية الوطنية للشعب الفلسطيني منذ النكبة وحتى الآن وانما يحمل مخاطر جدية تهدد بقاء الجماهير العربية في مناطق 48 في اراضيها ومدنها وقراها باعتبارهم ليسوا يهودا ويتنافى وجودهم مع يهودية الدولة، والقدس لم يبقى منها ما يتفاوض عليه بعد كل التغيرات الديمغرافية وعمليات التهويد المستمرة للمدينة، فيما المياه تتحكم فيها اسرائيل بشكل مطلق، والمستوطنات ستبقى ضمن أي اتفاق جزء من دولة اسرائيل فعن أي حل دولتين يتم الحديث هنا دون الدخول في الكثير من التحليلات والقراءات بتفاصيل أخرى!!!

خطوات بناء الثقة كما نراها تعتمد أساسا على الاستناد للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني والتعاطي مع هذه الحقوق وفق قرارات الشرعية الدولية، والاستعداد لتطبيقها فهل اسرائيل أقرب للامتثال لهذه القرارات أم ما زالت تراوغ للالتفاف عليها والتنكر لقواعد عملية السلام التي انطلقت منذ مدريد مطلع تسعينات القرن الماضي وما زالت هذه المفاوضات لم تحقق النتائج المرجوه منها وبالتالي بوابة السلام الحقيقي في الشرق الأوسط ما زالت موصده ومفتاحها مع الجانب القوي اسرائيل فيما تتصدق علينا بفتاتها لا لفتاتها باعتبارها (منة) تتكرم بها علينا بما أننا الطرف الضعيف في المعادلة ، فرق شاسع بين الفتات واللفتات والشعب الفلسطيني لم يعد بمقدوره تحمل هذا الوضع لوقت طويل، والتحضيرات الاقليمية والمشاريع التي يجري طرحها مطلوب هذه المرة ايضا أن يدُفّعْ ثمن الترتيبات في المنطقة من مستقبل الشعب الفلسطيني وأجياله القادمة وأن تكون غطاءً لتمرير مشاريع باعتبارنا لا حول لا لنا ولا قوة.
(موقع حزب الشعب الفلسطيني)

قد يهمّكم أيضا..
featured

المطلوب فلسطينيا واسرائيليا...!

featured

القدس المحتلة وزيارتها

featured

مسرات واحزان الحياة

featured

في الذكرى المخضبة بالدماء والمآسي!

featured

تونس ايا خضرا يا حارسة الامجاد