قبل خمسة وستين عاما تقريبا، في الرابع عشر من شهر ايار الف وتسعمائة واربعة واربعين، شقت طريقها الى ساحة الكفاح الفلسطيني صحيفة متميزة بهويتها الطبقية الثورية وبوطنيتها التقدمية اليسارية كصحيفة مقاتلة متحزبة للطبقة العاملة وتناضل دفاعا عن قضايا وهموم جميع المضطهدين في ظل نظام الاستغلال الرأسمالي، ودفاعا عن حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره ومواجهة المخططات الاستعمارية – الصهيونية وتواطؤ بعض القوى والانظمة الرجعية العربية التآمرية، في ظل الانتداب الاستعماري البريطاني لفلسطين، لحرمان الشعب العربي الفلسطيني من حقه في الحرية والاستقلال الوطني في اطار دولة سيادية والعمل لتطهير عرقي جماعي "لتنظيف" فلسطين من اهلها الاصليين الشرعيين بهدف اقامة وطن قومي لليهود مكانهم حسب وعد بلفور الاستعماري. واهتدت "الاتحاد" منذ صدورها بالنور الفكري والسياسي والاجتماعي الماركسي اللينيني لعصبة التحرر الوطني الفلسطينية قبل نكبة الثمانية والاربعين وللحزب الشيوعي الاسرائيلي بعد قيام اسرائيل على اطلال نكبة وتشريد الشعب الفلسطيني الى الشتات القسري في مخيمات المعاناة في البلدان العربية وفي مختلف بلدان المعمورة وقاراتها.
لقد رصع اول مسؤول ورئيس تحرير لصحيفة "الاتحاد" خالد الذكر القائد الوطني والشيوعي المتميز الدكتور اميل توما، رصع صدر الصفحة الاولى من العدد الاول لصدور "الاتحاد" بالآية القرآنية الكريمة "اما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض". وحقيقة تاريخية هي ان موصالة الاتحاد رفع راياتها الكفاحية الخفاقة على مختلف جبهات الصراع الفكري والسياسي والاجتماعي والثقافي خلال خمسة وستين عاما، ورغم الصعوبات والملاحقات تؤكد ان الاتحاد نافعة لشعبها وقد اثبتت مصداقية اهليتها للحياة والتطور اما الكثير الكثير من "صحف الزبد" الصهيونية والعربية المتصهينة فسريعا ما حكم عليها شعبنا انها ليست "بنت معيشة" وقذفت الى مزبلة التاريخ.
وسر بقاء الاتحاد الفارس الخيال الاصيل على ساحة الكفاح يكمن في العلاقة الجدلية العضوية بين منهج ونهج الاتحاد الطبقي الثوري التقدمي وبين الالتصاق بقضايا وهموم الناس من المضطهدين طبقيا وقويا وعنصريا والعمل على رفع مستوى درجة وعيهم وجاهزيتهم الكفاحية بهدف رص وحدة صفوفهم النضالية وتجنيدهم لخوض معارك الكفاح دفاعا عن قضاياهم القومية المصيرية والمدنية اليومية وفي مواجهة سياسة القهر القومي العنصرية السلطوية.
في الانتخابات البرلمانية الاخيرة للكنيست التي عقدت في 11/2/2009 رفعت الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة التي عمودها الفقري الحزب الشيوعي، شعارا سياسيا اساسيا "بقاء نحميه ومستقبل نبنيه" لمواجهة الانياب الوحشية المفترسة المشحوذة لقوى اليمين المتطرف والفاشية العنصرية وترانسفيرية التطهير العرقي العنصري المعادي لحق وشرعية اهل الوطن الاصليين من العرب في الوجود الجسدي وفي مصادرة حقوقه الشرعية السياسية القومية والمدنية كمواطنين في وطنهم ووطن ابائهم واجدادهم. ولا ابالغ ابدا اذا اكدت ان الاتحاد كانت الى جانب حزبها الشيوعي وبهدى سياسته الحاضنة الامينة لقضايا وهموم شعب يحمي بقاءه ويبني مستقبله خلال الخمسة والستين عاما.
* صيانة الهوية القومية الوطنية لشعبنا في وطنه: القومي الحقيقي – حسب رأينا، ليس كل من يرفع على مدخل دكانته او داره او تنظيمه انه بطل القومية وحامي حماها واقوى من الشركات المعولمة عابرة القارات في احتكارها، القومي الحقيقي هو الوطني الحقيقي الذي يخدم المصالح القومية الوطنية الحقيقية لقوميته بعيدا عن المغامرة غير المسؤولة في الموقف وعن المزايدة بشعارات غريبة ومناقضة لمتطلبات الواقع، وبعيدا عن التعصب الشوفيني والانزواء في صدفة التقوقع الانعزالي القومجي.
المعطيات التاريخية تشهد بحقائق لا يستطيع حتى اعداء الشيوعية انكارها عن دور الشيوعيين البطولي الرائد في الدفاع عن الحقوق الوطنية القومية الفلسطينية قبل وبعد النكبة، ومن يعد الى صحيفة الاتحاد في سنوات قبل النكبة يطلع على موقفها الكفاحي محذرة من مدلولات المخططات الاستعمارية – الصهيونية المعادية لحق الشعب العربي الفلسطيني في التحرر والاستقلال الوطني. كما ان الشيوعيين والاتحاد واصدقاءهما قد ايدوا قرار التقسيم باقامة دولتين في فلسطين التاريخية، دولة يهودية ودولة عربية فلسطينية، وحذروا بان البديل لقرار التقسيم هو النكبة وحرمان الشعب لفلسطيني من حقه في الدولة وتحويله قسرا الى شعب من اللاجئين في الشتات القسري خارج وداخل وطنه. ويؤكد القائد الفلسطيني ابو اياد في احد مؤلفاته "انه لو قبلنا بموقف الشباب في عصبة التحرر الوطني بالتقسيم لوفرنا على شعبنا محيطا من الدماء وهو يقصد فؤاد نصار وتوفيق طوبي واميل توما واميل حبيبي وغيرهم من الشيوعيين قادة عصبة التحرر الوطني.
وعندما حلت النكبة الكارثية وبدأت اكبر عملية تطهير عرقي في القرن العشرين بطرد وتشريد الفلسطينيين من وطنهم انطلق الشيوعيون وصحيفتهم الاتحاد في تحريض الناس على البقاء، ولمنع سيارات الترحيل رمى الشيوعيين واصدقاؤهم انفسهم وتمددوا امام عجلات سيارات الترحيل الصهيونية في الناصرة وام الفحم وكفر ياسيف وعيلبون وغيرها لمنع الترحيل.
اننا لا نزاود على احد عندما نؤكد ان للشيوعيين وصحفهم الدور التاريخي السياسي المسؤول في بلورة الهوية القومية الوطنية والسياسية التقدمية الكفاحية، بلورة طابع الاقلية القومية العربية الباقية في وطنها بعد النكبة كجزء عضوي من شعبها العربي الفلسطيني الاصيل، فبعد النكبة لم يبق في ارض الوطن اكثر من مئة وستين الف فلسطيني وبحالة اشبه ما يكون الايتام على مائدة اللئام محجوزين في قراهم التي تحولت الى جيتوات مغلقة باوامر حالة الطوارئ وارهاب الحكام العسكريين ومنع التنقل من مكان الى آخر الا بتصريح من الحاكم العسكري. وفي هذه المرحلة في السنوات الاولى بعد النكبة تصدى الشيوعيون لمؤامرة تشريد البقية الباقية من شعب النكبة، ناضلوا من اجل تثبيت هوية البقاء في الوطن، ولمحامي الارض والوطن الشيوعي خالد الذكر حنا نقارة دوره الوطني التاريخي في ترسيخ اقدام الكثير من العائلات العربية التي كان يتهددها الطرد، على ارض الوطن ومن يراجع اعداد الاتحاد حتى في السنوات الاولى بعد قيام اسرائيل، في السنوات العشر الاولى يتيقن كم كان صادقا د. اميل توما عندما وصف في احد مؤلفاته الاتحاد بأنها مسيرة شعب فلتتثبت اقدام البقاء كان على الشيوعيين ليس فقط النضال ضد ارهاب الحكم العسكري الذي يفرض حصارا اقتصاديا تجويعيا على القرى والمناطق العربية، بل الى جانب ذلك مواجهة مخططات مصادرة السلطة للاراضي العربية كوسيلة وكمقدمة لمصادرة حق العرب في وطنهم، ومواجهة الهستدروت الصهيونية التي كانت تلاحق العرب لمنع تشغيلهم وطردهم من اماكن العمل، الدفاع عن الفلاحين والمزارعين العرب. كما قاد الحزب الشيوعي وصحفه الاتحاد والجديد والغد حملة كفاحية مكثفة ضد سياسة التجهيل ونشر العدمية القومية. فبالاضافة للنضال لمن اجل فتح المدارس وايصال المياه والكهرباء الى قرانا العربية فقد كانت الاتحاد بمثابة جامعة متعددة الكليات تربي وتثقف الى جانب اخواتها الجديد والغد اوسع الجماهير على العزة والكرامة القومية الوطنية والاممية الواعية، على انه لا بديل للكفاح وباوسع وحدة صف لنيل الحق بالمساواة القومية والمدنية، واننا جزء من شعبنا العربي الفلسطيني وكوشان الطابو لحق شعبنا في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وضمان حق العودة للاجئين. تعتز الاتحاد انها واخواتها عملت على صيانة اللغة القومية العربية من التجهيل الصهيوني والضياع، وانها خرجت من كليات جامعتها افواجا واجيالا من المثقفين المبدعين، من الساسة البارزين ومن الادباء الكتاب والشعراء الذين يعتبرون من الرواد المبدعين في وطننا والعالم العربي وعالميا ونقابيين بارزين وفنانين مبدعين.
ان الاتحاد كانت دائما ولا تزال رفيق درب المعارك الكفاحية كمنبر وسلاح المناضلين ولا يتسع المجال في سياق هذه المعالجة الوقوف لتحليل دور الاتحاد واسهامها في بلورة واقامة الآليات الكفاحية القطرية لجماهير شعبنا، وفي المعارك تضامنا مع شعبنا وضد الاحتلال وجرائمه ومن اجل السلام العادل والعدالة الاجتماعية ومواجهة الفاشية العنصرية وجرائم سياسة التمييز القومي العنصرية السلطوية حتى يومنا هذا. ولكن ما نود تأكيده ان الاتحاد كانت دائما خلال الخمس والستين سنة من عمرها عاملا هاما مجندا لوحدة الصف الكفاحية لجماهيرنا العربية وللكفاح اليهودي – العربي المشترك من اجل السلام والمساواة والعدالة الاجتماعية.
كما اود بهذه المناسبة ان اعبر عن تقديرنا الغالي لكل من اسهم في رعاية ورئاسة وتحرير الاتحاد، للمناضلين توفيق طوبي واميل توما واميل حبيبي وتوفيق زياد وسالم جبران وفؤاد خوري وصليبا خميس وعلي عاشور ومحمد خاص وسليم القاسم وعثمان ابو راس وجمال موسى ونظير مجلي، ولادباء شعبنا محمود درويش وسميح القاسم ومحمد علي طه وسميح صباغ ومحمد نفاع ونايف سليم وحسين مهنا وحنا ابو حنا. وتقدير خاص للجنود لامجهولين من جامعي اشتراكات الاتحاد وموزعيها وقرائها وادارتها ومحرريها وحزب الاتحاد شريان حياتها.
* لتكن غيمة صيف عابرة:
من منطلق الثقة بالنفس وبالقدرة على تخطي الصعاب، فقد تعودنا على قول الحقيقة عن حالة وضعنا، فصحيفة الاتحاد، زيتونة الوطن المعطاءة والمباركة، اكثر الصحف عراقة في وطننا تستحق منا ومن جماهير شعبنا ان تكون بحالة وبوضع وبمستوى افضل واعلى مما هي عليه اليوم. وبصراحة، نحن قبل غيرنا غير راضين تماما عن الوضع القائم في الاتحاد منذ عدة سنوات وذلك من جراء عدة عوامل واسباب يجري البحث بشكل جدي في الهيئات المسؤولة لتجاوزها والتغلب عليها. ففي الاسهال التجاري للصحف التجارية في السوق ليس من السهولة بمكان وضع صحيفة ايديولوجية – سياسية ملتزمة في سوق المنافسة التجارية وليس السياسية. والاتحاد بحاجة الى دعم كادر اضافي مهني ملتزم يعمل في تحريرها. ولنا الثقة بدرجة وعي كوادر محبي الاتحاد واهلها بان لا يألوا جهد لدعم الاتحاد بجمع مزيد من الاشتراكات المصدر التمويلي الاساسي للاتحاد، خاصة وان الاتحاد ليس لها مصادر تمويلية خارجية لا من دعم صهيوني ولا من جمعيات العولمة الامبريالية، للاتحاد شعب يصونها ويحميها ويدعم خطها الكفاحي المتميز.
ان حق القراء وشعبنا علينا ان نرفع من مستوى الاتحاد ونحسن اداءها، وبهذه المناسبة فاننا نتوجه الى كتاب وادباء وفنانين والى مختلف المثقفين الوطنيين مناشدين اياهم ان يساهموا بكتاباتهم الابداعية لصحيفة الاتحاد، فالاتحاد اتحادكم يا جميع اهلنا.
