لم يعد هناك مجال إلا للتسليم بأن حكومة الائتلاف الوطني التي يقودها سلام فياض، هي الأداة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، على أرض الوطن وفي الميدان ووسط الناس، خدمة لشعب الضفة والقدس والقطاع، واستجابة لحاجاتهم، وتنفيذاً للبرنامج الوطني القائم على دعامتين: صمود وتنمية المجتمع الفلسطيني أولاً وجلاء الاحتلال ونيل الاستقلال ثانياً، وذلك عبر جعل الأرض الفلسطينية جاذبة لأهلها في مواجهة برنامج الاحتلال الاستعماري التوسعي الإسرائيلي بجعل الأرض الفلسطينية طاردة لسكانها.
برنامج ورؤية الرئيس محمود عباس، لا تقتصر أداته التنفيذية على حكومة الدكتور سلام فياض الوطنية الائتلافية فقط، والمكونة من حركة فتح والديمقراطية وحركة فدا وجبهة النضال ومشاركة حزب الشعب وقطاع واسع من المستقلين المهنيين والأكاديميين، بل يمتد إلى صندوق الاستثمار الفلسطيني الذي تأسس في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 2003، كمؤسسة وطنية بمرسوم رئاسي، وتسجل كشركة مساهمة عامة محدودة، تعتمد المعايير الربحية وتدار بطريقة مهنية وتجارية واستثمارية، وبما يضمن تحقيق عوائد مناسبة ومتواصلة ومستمرة وتطويرية، وتحت سقف وتدقيق ومراقبة على عدة مستويات من شركات تدقيق مالية عالمية ومحلية وكذلك من مؤسسة الرقابة الحكومية، إضافة إلى هيئتها العامة، المشكلة من قبل الرئيس محمود عباس، من شخصيات اعتبارية ومهنية متطوعة لها باع في مجال الاقتصاد والإدارة والاستثمار.
صندوق الاستثمار الفلسطيني، هو الذراع الاستثمارية لمنظمة التحرير وسلطتها الوطنية، ولذلك فهو مكمل لعمل الحكومة، ويعملان معاً وبتنسيق يصب في خدمة قضايا الشعب الفلسطيني، ومثلما أن حكومة سلام فياض الائتلافية هي حكومة الرئيس محمود عباس وهو الذي كلف رئيسها بإدارتها، وحقق نجاحات في ذلك وسجل إنجازات عملية ملموسة، فإن الرئيس محمود عباس هو الذي كلف وعين الرئيس التنفيذي للصندوق محمد مصطفى الذي سجل أيضاً نجاحاً ملموساً في تنفيذ المشاريع التطويرية وفق الأهداف المرسومة للصندوق ولبرنامج منظمة التحرير وسلطتها الوطنية.
فالمؤسستان تعملان وفق توجيهات الرئيس وإدارته وبرنامجه وولايته الدستورية نيابة عن الشعب الفلسطيني، باعتباره منتخباً باسمه ولصالحه.
صندوق الاستثمار الفلسطيني، مؤسسة وطنية، يتولى استثمار أموال الشعب الفلسطيني العامة، عبر طرق ووسائل تحفظ هذه الأموال كاحتياط استراتيجي وطني، ويعمل الصندوق على توظيفها، بهدف بناء اقتصاد فلسطيني مستقل، يعتمد في نهاية المطاف على نفسه وعلى موارده الذاتية، وهو يضع لنفسه خطط عمل وبرامج استثمار تقوم على تحقيق ثلاثة أغراض استثمارية مباشرة :
أولها الاستثمار في قطاعات ذات طابع استراتيجي، بهدف بناء قاعدة خدماتية وإنتاجية استثمارية ثابته، وخاصة في القطاعات التي لا يقوى القطاع الخاص على القيام بها إما لعدم توفر السيولة في حيازته أو لعدم توفر الثقة بالمردود المالي لهذه الاستثمارات بسبب التقلبات السياسية والأمنية، فيقوم الصندوق على بلورة ودراسة هذه المشاريع ويعمل على تنفيذها على أرض الواقع.
وثانيها العمل على إشراك القطاع الخاص في مشاريعه وتشجيعه على المساهمة في هذه المشاريع، وذلك بهدف تعزيز دوره الاستثماري والوطني وتحقيق مردود مالي واقتصادي واجتماعي يعود بالفائدة على مجمل المجتمع الفلسطيني من تشغيل وتطوير وخدمات ومؤسسات وحماية أرض وصمود، بإسهامات حيوية من قبل قطاعات أوسع من المجتمع الفلسطيني.
وثالثها جلب استثمارات عربية وأجنبية على أرض فلسطين، بعد ثبات مردودها الربحي والضمانات القانونية والأسس التجارية مما يزيد من حجم الاستثمار ومردوده السياسي والوطني والاستقلالي.
ولهذا يمكن تسجيل ومشاهدة النجاحات العملية لسياسة الصندوق الاستثمارية على المستويات المختلفة الذاتية والمحلية والعربية والأجنبية، من خلال التدقيق بعناوين الاستثمار وحجمها وتنوعها في مجالات الاتصال والطاقة والإسكان والعقار وحجم التشغيل ومردوده الاجتماعي والاقتصادي والمالي.
فقد حقق الصندوق البعد الاستثماري الربحي المطلوب، للقطاع الخاص، وحقق البعد الاقتصادي الوطني المبرمج وفق السياسة البرنامجية العامة للشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير وسلطتها الوطنية وحكومتها الائتلافية، إضافة الى جذبه وجلبه للاستثمارات العربية والأجنبية مثل شركة الأرض الذراع الاستثمارية لمجموعة الراجحي السعودية، ومؤسسة التمويل الدولية IFC وهي الذراع الاستثمارية للبنك الدولي، وشركة ابراج كابيتال وهو أكبر صندوق استثماري في دبي، وشركة الاتصالات القطرية كوتيل، ومؤسسة OPIC الأميركية وهي الذراع الاستثمارية للحكومة الاميركية، وقد تم ذلك لعدة أسباب:
أولاً حسن الاختيار في المشاريع ذات المردود الربحي والإنتاجي والاقتصادي.
ثانياً لإنه يعمل وفق منظومة من القيم الحاكمية الرشيدة، والشفافية المعلنة، والمراقبة والتدقيق الدائمين.
ثالثاً لأنه ينسجم والبرنامج الوطني لمنظمة التحرير، وبرنامج حكومتها الائتلافية ويكملان بعضهما البعض.
في التدقيق بالمعطيات المالية الرقمية لصندوق الاستثمار الفلسطيني نلحظ إنه بدأ عام 2003 بموجودات وأصول مالية بلغت قيمتها 572 مليون دولار، وخلال السنوات الخمس الماضية ارتفعت موجوداته الثابتة الى 800 مليون دولار.
وبعد أن حقق أرباحاً بلغت 600 مليون دولار نقلها للخزينة الفلسطينية العامة، وهذا يعني أن مردوده كان مضاعفاً رغم الظروف السياسية والأمنية الصعبة التي مرت بها فلسطين أرضاً وشعباً واقتصاداً خلال السنوات القليلة الماضية.
نجح الصندوق في تنمية موارده وحقق أرباحاً مجزية ورفع من رصيده المالي وموجوداته، من خلال العمل في قطاعات مختلفة وماذا بشأن المستقبل؟
التحديات التي تواجه الصندوق كبيرة مقارنة بالبرنامج الاستثماري الطموح الذي وضعته الإدارة لنفسها، وخاصة في المناطق الثلاث التي ستركز عملها فيها وهي القدس وغزة والأغوار، بما فيها منطقة الساحل الفلسطيني على البحر الميت، ففي قطاع غزة هناك مشروع للاتصالات الهاتفية ومشروع آخر للغاز، وفي القدس مشاريع سكنية وتنموية وسياحية وفنادق لتعزيز الوجود والحضور العربي الفلسطيني الإسلامي المسيحي فيها، وهناك مشاريع في الأغوار، مدينة سكنية ومنطقة استثمار على ساحل البحر الميت تتجاوز استثماراتها ملياري دولار، ويلاحظ أن الاستثمار سيشمل المناطق التي لا ولاية للسلطة الفلسطينية عليها وذلك بهدف فرض الولاية الفلسطينية وبناء حقائق مادية وأمر واقع يصعب تجاوزه أو إنهاؤه، وقد برز ذلك جلياً في المشاريع الإسكانية الهادفة الى بناء 30 ألف وحدة سكنية خلال السنوات الخمس القادمة والتي بدأ تنفيذها بالفعل من خلال مشروعي الريحان في منطقة رام الله وضاحية الجنان في محافظة جنين.
صندوق الاستثمار الفلسطيني ليس صندوقاً ذا مردود مالي استثماري فقط، ولكنه ذو مردود اقتصادي تنموي اجتماعي وسياسي، في سياق الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، على الحاضر وعلى المستقبل، والصراع لم تعد أدواته عنفية بل أدوات مدنية حضارية إنسانية سياسية تتوسل هزيمة المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي لأنه ظالم وباطل وضد القانون والشرعية والحياة، مثلما يتوسل انتصار المشروع الوطني الفلسطيني لأنه منسجم مع الحق ومع الشرعية والعدالة وحقوق الإنسان.
