بين العساف والعيساوي طرب وقضبان..!

single

طوابير من الوجوه الشبابية تحاول الدخول الى عالم الغناء الذي يوصل الى الشهرة والمال. الفضائيات العربية تصور الساحات المليئة بالمئات من الشبان والشابات وهم في حالة تدافع ولهاث وتوسل، كأنهم يقفون على حدود الدفاع عن وجودهم وكرامتهم، فقد تقلصت أمنيات هؤلاء الشباب وانحصرت داخل لحظات مربوطة برضى اللجنة الفنية التي تريد اختيار اصحاب الحناجر المميزة. ثم تأتي بعد ذلك صور البكاء بحرقة وألم عندما ترفض اللجنة المتسابق، حيث يتحول هذا المتسابق الذي كان مفعما بالأمل الى برميل قد افرغ من محتوياته، وهو الآن يتدحرج الى المجهول، كأن هنا على ابواب البرنامج انتهت طموحاته ومشاريعه المستقبلية.
من يتابع البرامج، التي تشتهر تحت عناوين ابراز المواهب الغنائية، يشعر أن هناك فخاخا ومصائد تصيد وتُحكم السيطرة على الشباب العربي اليافع الذي وجد نفسه في مجتمعات وانظمة عربية سلبته كل شيء ولم تقدم له سوى الاحباط والبطالة والفساد والرقابة والسجون، وغياب المصانع والتخطيطات العلمية والابحاث والاختراعات، والتعليم قد تقزم الى درجة الطاعة العمياء للحاكم. لذلك وجدت هذه البرامج - المنقولة اصلا عن فضائيات غربية وقد نغفر للغرب هذه البرامج لأنه قدم الكثير لشبابه ولكن الانظمة العربية ماذا قدمت؟! - حتى تكون اداة لتخدير الشاب العربي الذي يسعى لكي يصنع من حنجرته الهرم الوهمي لوجوده. هناك دائرة من المسؤولين تضع السم بالعسل وتقدمه لهؤلاء الشباب عبر صور واعلانات مبهرة، جذابة، وغرز فكرة أن الحناجر هي الجسور الصلبة التي يستطيع بواسطتها الشاب العربي الوصول الى أهدافه وتغيير وضعه الاقتصادي. يضاف لهذه البرامج تسويق لبعض المطربين المشهورين عبر شراء وجودهم بملايين الدولارات. وغالبا ما تكشف وسائل الاعلام عن المبالغ الكبيرة التي يتقاضاها هؤلاء المطربون تحت عناوين وجودهم داخل اللجان. بالمقابل أيضا تفضح هذه البرامج سطحية وسذاجة وجهل هؤلاء المطربين، الذين يكملون دائرة الاستخفاف بعباراتهم وافكارهم البعيدة عن منطق البرامج الذي يجب ان يتكلل بالثقافة الموسيقية والمعرفة حتى يستفيد المشاهد ويرتقي بفكره الفني. فحتى اليوم لم يتم ذكر كاتب الأغنيات وملحن الاغنيات، مع أن هناك شعراء وملحنين يجب أن نزود الاجيال بأسمائهم. ولا يعقل أن تغني احدى المتسابقات أغنية "الاطلال" لأم كلثوم دون اشارة الى انها من كلمات الشاعر ابراهيم ناجي والحان رياض السنباطي الخ..
عندما أرى تلك الانهار البشرية التي تتمثل في برامج "أرب أيدل"، "اكس فاكتر"، "أرب جوت تلنت"، "ستار اكاديمي"، "سوبر ستار"، "ذا فويس"، و"صوت الحياة"- على فكرة فان التلفزيون الفلسطيني دخل اللعبة الغنائية واطلق برنامج "نيو ستار" وغيره- اشعر أن الحلقات تضيق على أعناق الشباب العرب، وان الانظمة التي تقوم بصنع الحلقات الخانقة قد نجحت في ذلك. بل استطاعت عبر تخطيطها أن تضع طموح الشباب والشابات تحت ابطها. وكلما حاول الشباب رفع رؤوسهم زادت من ضغط الابط وخنقهم ببرامج يلهون بها وتستنزف قواهم.
البرامج الغنائية تنهمر مثل المطر على ارض قاحلة، والذين وضعوا مثل هذه البرامج يريدون اغتيال انتباه شبابنا العربي واحساسهم بالأوضاع السياسية والفساد المستشري والانظمة القامعة، حيث يتحول اللهاث والمضي نحو الفوز الى حشد اكبر عدد من الطاقات البشرية. وتدخل الشعوب العربية في اللعبة الغنائية، فالمطرب الفائز يصبح كأن دولته هي المنتصرة على باقي الدول العربية، وكأن دولة المتسابق مربوطة فقط بحنجرته..!
المباراة بين المتسابقين العرب تدفعهم للظهور بكامل الاناقة والصحة والتمتع بالراحة، ويصبح الغناء وسيلة للمضي في طريق الخيال البعيد عن الواقع الصعب، وحصار الاحلام والفقر والبطالة وغياب القدرة على توفير الحياة الكريمة. وقد أصبح واضحا للعيان أن الحكومات العربية تصرف على مثل هذه البرامج الكثير من الميزانيات كي تقوم بإلهاء الشباب ودفعهم للعيش في محيط الفراغ، كي يتحول الفقر الفكري الى دستور وواقع وعجز، لو كانت الحكومات العربية تبني المعاهد الموسيقية والمسارح ودور الاوبرا والمنصات الغنائية وتقوم بعمل برامج فنية كي ترتقي بالشعوب لكنا نغض البصر، لكن الحكومات التي تقوم بقمع كل من تسول له نفسه فتح فمه اذا اعترض على وجودها، وتسعى لتكفير الغناء وتحاصر الاغاني السياسية والاجتماعية الهادفة وتفتح المجال للأغنية التي لا طعم لها ولا لون حتى امتلأ الفضاء بكلمات والحان تعاني من الشلل والكساح.
المتسابق الفلسطيني في برنامج "أرب أيدل" محمد عساف، هذا الشاب القادم من قطاع غزة تحدى الوضع والحصار ووصل كي يسمع صوته، لجنة التحكيم في "أرب أيدل" اطلقت عليه القابا عديدة مثل "صاروخ الاغنية" و"الفيلم المرعب" ومع فرحنا في تألق الشاب الفلسطيني وفي ظل العبارات الساخنة التي رفعته الى قمة النجاح، اعتبرنا وجوده جزءا من تحدٍّ للاحتلال القاسي والمقاومة والاشارة للجميع "أننا هنا".
لكن الواقع المفجع يسأل: لو فاز محمد عساف ورجع الى قطاع غزة كيف سيكون شكل حنجرته في ظل الحصار بجميع اشكاله، سينسى الناس تلك الموهبة، وستعود عجلة الاعلانات والفضائيات لبث الاعلانات المغرية مرة ثانية وثالثة.
محمد عساف يطلب التصويت له لأنه فلسطيني في المقابل هناك الاسير الفلسطيني سامر العيساوي المضرب عن الطعام منذ 9 اشهر حتى يوم أمس، كلاهما يعيشان في واقع مأزوم بالاحتلال والأسر لكن الأول يتنفس القليل من الحرية العابرة، أما الثاني فهو مقيد تحيط به قضبان سجنه ومعدته الخاوية، لكن المضحك أن العالم العربي يحاول تسويق الحنجرة وابعاد الاسير، لقد حصل المتسابق محمد عساف على شهرة تفوق ذلك الاسير الذي يضحي بحياته يوميا، لم نسمع عن الاسير سامر العيساوي في الفضائيات الا عبر نشرات اخبار سريعة، والذين سيستقبلون المتسابق محمد عساف سيكون عددهم أكبر بكثير من الذين سيستقبلون سامر العيساوي حين خروجه وهذا وحده صورة عن الواقع المترهل الذي نعيشه.
قد نصوِّت لمحمد عساف ليس لإضافة حنجرة فوق الحناجر الفلسطينية فهناك كساد في الغناء الفلسطيني لأن الغناء الثوري تحول الى ارشيف كلاسيكيات الثورة الفلسطينية، هناك فضائية تدعى " عودة " تبث ليل نهار اغاني الثورة الفلسطينية حين كانت في قمة توهجها الثوري، نشعر كأن هذا الاغنيات التي تذاع بصورة روتينية قد أصابها اليأس ولم يعد لها ذلك النبض الناري، فقط هي الآن مجرد استهلاك للذاكرة التي تتمسك بآخر الخنادق وهي الاغنية.
الابهار والديكورات والاموال في برامج المسابقات يقف وراءها وزارات تتلقى الاوامر من الحاكم الذي يشعر ان مثل هذه المسابقات كفيلة بالتخدير فترة معينة، وكلما انتهت لعبة شد الحبل بين المتسابقين خرجت برامج اخرى تزيد من كمية التخدير وهلما جرا، لا يوجد هناك صدق لمقولة (الكشف عن المواهب) لأن هذه المواهب بعد خروجها لا تتلقى الدعم بل تتيه وتضيع في حفلات صاخبة لا يشعر المواطن العربي بمردودها الفني، بل تزيد من ازماته وسقوطه في حفر السذاجة والخلاعة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

رافضو الاعتدال

featured

معارضة مسلّحة على "كيف" الصهاينة

featured

الكتابة بالعربيّة قضيّة وطنيّة وقضيّة وجود أكثر ممّا هي مادّة أولى للإبداع

featured

إستمرار حرب ألنكبه - ألإستقلال

featured

لا بدّ أن ينتصر تغريد الشيوعية على عواء الرأسمالية

featured

لماذا كان الفشل حصيلة صراعنا، على مدى خمسين عاما، مع الاحتلال الاسرائيلي؟ (1)

featured

كشف خيوط استهداف سوريا من الخليج الى ما خلف المحيط (1-2)