آه ما أجملك يا وطني .. آه ما أعظمك يا شعبي

single

//

الشيخ خالد حمدان، رئيس بلدية أم الفحم المحترم، النائب عفو اغبارية المحترم، بروفيسور بشار سعد، رئيس أكاديمية القاسمي المحترمالأساتذة، الأدباء، الشعراء، الكتّاب، السيدات والسادة،
في البداية اسمحوا لي أن أشكر رئيس بلدية أم الفحم ومدير المركز الجماهيريّ الأستاذ محمد صالح اغبارية، ومجْمع اللغة العربية، والصديق الأستاذ يونس جبارين الذي فاجأني بهذا الاحتفال وبهذا التكريم، وأن أشكر الأخت ناريمان اغبارية التي تولّت عرافة هذه الأمسية وأن أشكر المتحدثين فيها الشاعر والناقد بروفيسور فاروق مواسي والمحاضر د. نادر مصاروة والأديبة والمحاضرة د. راوية بربارة والناقد والمحاضر د. محمد حمد والصديق العزيز الفنان محمد بكري.
تحملني الذكريات على أجنحتها المعطّرة بعبير الزعتر وأريج الميرمية في هذه الأمسية الجميلة (19 أيلول 2013) إلى زيارتي الأولى لهذه القلعة الوطنيّة الصامدة، أم الفحم، وكنتُ يومئذ كاتبا شاباّ مبتدئا قد نشر بعض القصص وبعض المقالات في الصحف، ويحمل في صدره أحلاما ورديّة، حيث شاركتُ يومئذ مع صديقي سميح القاسم في أمسية أدبيّة، بناء على دعوة الصديق المناضل المحامي الوطنيّ المرحوم أبي عرفات محمد كيوان في النادي الثقافيّ أو الرياضيّ أو الأهليّ، فلا أذكر اسمه بالضبط، وكانت المواصلات يومئذ صعبة والسيارات نادرة فسهرنا بعد الندوة الأدبيّة مع الشبان ونمنا في بيت أهل محمد، وفي الصباح تناولنا فطورنا، كما أذكر، خبز طابون ساخنا وأطباق لحمة مقلية بزيت الزيتون. ومنذ ذلك الصباح أزهر اللوز خمسين مرة على هضاب الروحة وسفوح إسكندر ووادي عارة، وزغردت آلاف النساء في الأعراس وزُفّ آلاف العرسان والعرائس، ووُلد آلاف الأطفال، وسارت في شوارع البلدة مئات المسيرات الوطنيّة، وتمترس على بوابتها عشرات المظاهرات تتصدّى للعنصريّة والفاشيّة، وقدّمت أم الفحم عددا من الشهداء الخالدين على مذبح الحريّة، وتوطّدت علاقات الصداقة بيني وبين مجموعة متميّزة من الشخصيّات الوطنيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، لن أذكر أسماءهم مخافة أن أنسى أحدهم، ولكن اسمحوا لي أن أذكر بالإضافة إلى أبي عرفات اسمين آخرين أولهما الرجل الطيب المرحوم أبو العفو إغبارية، وثانيهما البروليتاري الصادق المرحوم الحاج أبو سامي الشريديّ الذي كان يتطوع لبيع كل كتاب جديد لي ويرسل لي رسالة يفصل لي بها عدد النسخ التي باعها ومن اشتراها (كذا عمالا وكذا موظفين وكذا معلمين الخ...) كما لا أنسى مئات الطلاب الذين درّستهم اللغة العربية في مدينة حيفا وأعتزّ بهم.
لاسم أم الفحم وقعٌ خاصّ وموسيقى خاصة وطعم خاص لا يعرفه ولا يتذوقه ولا ينتشي به من تربّى على ماء البلدة وهوائها ورائحة ترابها وعطر زهرها البريّ وورق طيونها قدر ما يعتزّ به ويطرب له كل فلسطينيّ وطنيّ في ربوع الوطن وفي الشتات، فلا حدث وطنيّ ولا مناسبة وطنيّة منذ العام 1936 مرورا بالأعوام 1948 و 1958 و 1976 و 1982 و 1987 حتى اليوم إلا والفحماويون يتصدّرون المشهد الوطنيّ النضاليّ فلا عجب أن رسم وكتب الفنان الشهيد ناجي العلي: اسمي الحركيّ أم الفحم.
منذ طفولتي أحببتُ اللغة العربيّة، هذه اللغة الغنيّة الموسيقيّة، الساحرة، لغة القرآن الكريم وما زلتُ حتى اليوم أخوض عبابها وأنهل من نبعها وأشعر أنني لا أستطيع أن أقول: أنام ملء جفوني عن شواردها. أحببتُ وطني وعشقت سهوله وجباله، ووديانه وينابيعه، وأعشابه وشجره وحجره، وشوكه وورده. وأحببتُ شعبي فلا شعب على وجه البسيطة أفضل من شعبي كما أن شعبي ليس بأفضل من أيّ شعب آخر.
أنا لستُ إقليميا ولو لم تكن ميعار مهجّرة ما ذكرتُ بأنني ميعاريّ فأنا ابن هذا الشعب، ابن كابول وأم الفحم والناصرة وسخنين والجش وراهط ورام الله وخان يونس... وابن المخيّم.
أكتب لأحارب الظلم والاحتلال والعنصريّة والحرب واليأس والتخلّف العربيّ.
أكتب لأناصر الفقراء والأسرى والمُستغَلين ولأزرع بسمة على وجه طفل وأغرس شتلة أمل في قلب شابّة وشابّ ولأسقي نبتة المحبة بين الناس.
أكتب ليعود عائد الميعاريّ إلى بلدته ويرجع الصفوريّ إلى قسطله ويؤوب اللجونيّ إلى ينبوعه.
الكتابة رسالة صعبة وثقيلة ثقيلة ثقيلة، وقد اخترتُ عن طيب خاطر هذا الدرب الصعب المليء بالشوك وبالحجارة، وحملتُ على كتفيّ صخرة حطين، وفي راحتيّ تراب المرج، ولو وهبوني جبال الألب وسويسرا معا، وضفتي الدانوب أزهارا وأشجارا، ومياه الكوثر والحور العين يسقينني براحاتهنّ الناعمة لصحتُ من أعماق صدري:
                             آه ما أجملك يا وطني،
                             آه ما أعظمك يا شعبي

 


     
*نص الكلمة التي ألقاها الكاتب خلال تكريمه في أم الفحم

قد يهمّكم أيضا..
featured

ليس على حساب أرضنا!

featured

كلمة بحق راحل: "تعددت الأسباب والموت واحد"

featured

إن كنتَ أنتَ أنا؛ فمَن أنا؟

featured

انتخاب بركة يؤكد صحة نهجنا

featured

داعمو داعش يتحالفون ضده؟!

featured

مواجهة المرتزقة في سنجار

featured

قانون الجاذبية هو المسؤول عن ماسي الفلسطينيين؟!!