مَن احتفل أمس مع شعب مصر، والشعوب العربية، وسائر أشقائهم من شعوب العالم، بذكرى ثورة 23 يوليو المصرية المشرقة؟
لم يكن سوى رئيس حكومة يمين واستعلاء وجرائم حرب إسرائيل، بنيامين نتنياهو. وأين؟ في تل أبيب، درّة تاج المشروع الصهيوني الاستعماري.
وهكذا، بضربة واحدة، يجلس من يمثّل أكثر الحكومات عمالة لمشاريع الاستعمار بكافة أشكاله القذرة، في حفل لإحياء ذكرى إحدى التجارب الإنسانية الحديثة المشرقة في/ وبفعل عدائها للاستعمار. هل ستكفي كلمة: مفارقة؟
هناك جملة من الأوصاف الملائمة للحظة بهذا الدرك أو لدركٍ يستوطن لحظة كهذه: عبث، نفاق، إنحطاط، عهر، ولنقسْ على هذا، على صعيد الهلمّجرّا.. فمكمّل السياسة الإسرائيلية التي ناصبت العداء العنيف لمأثرة شعب مصر العريق، حلّ ضيفًا على الاحتفال بذكرى نفس الحدث الذي جهدت اسرائيل الرسمية لتقويضه بشتّى الوسائل التآمريّة، المباشرة منها والمخاتلة.
وكأنّ هذا كله لا يكفي، حتى يقوم نتنياهو باستغلال الحدث كي يواصل سياسة الخداع ومحاولات كسب الوقت الاسرائيلية المعهودة. فقد أشار بما يشبه الإيجابية الى "المبادرة العربية للسلام" (تلك التي أطلقت إسرائيل، فور إطلاقها، نيران عدوان "السور الواقي"، 2002، الذي عاثت فيه مجازر وتدميرًا ضد شعبنا في المناطق المحتلة عام 1967). مع هذا، كان بوسع دقيقي القراءة الانتباه الى اعتبار نتنياهو المبادرة "قادرة على خلق جوّ" للتفاوض. جوّ! نتنياهو واضح جدًا. فهو لم يخرج عن سياسة اسرائيل الواضحة، والتي لا يهمّها سوى إنتاج "جوّ من التفاوض"، أي صورة مؤطرة برّاقة لا غير، خالية من أي مضمون قد يلامس بأوهى علاقة مفهوم"سلام الشعوب بحقّ الشعوب". فهل انتبه نظام مصر الى هذه الدقائق؟ هل لا يزال قادرًا على الانتباه؟ وهلّ يهمّه الانتباه أصلا؟!
وبوسع دقيقي القراءة الانتباه، أيضًا، الى أن نتنياهو صرّح قبل ذلك بيوم واحد فقط، في الكنيست وعلى الملأ، بمبادئ رؤيته للتسوية (!). ومنها ما يلي: "الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية كدولة الشعب اليهودي القومية، وحل مشكلة اللاجئين خارج حدود إسرائيل". نتنياهو لم يفاجئ أحدًا طبعًا. فهو شديد الوضوح لمن ليس في مصلحته تربيع الدائرة أو تدوير المربع، أو تثليث هذا وذاك.. لكنّه نجح لا شك بتوسيع مساحة مناورته حين اقتحم (بموافقة مصرية!) أحد احتفالات 23 يوليو، ليبثّ ما بثّه من عنجهية عنيفة، تحت لواء ثورة شعب مصر الحديثة!
كم كان المرءُ يرغب في أن يتفاجأ من السلوك المصري الرسميّ، لكن الأخير لم يعد مفاجئًا. فهذا ما يحدث لمَن يختار الدخول الى الحظيرة الامبريالية من أوسع أبوابها.. وفي الوقت ذاته، يواصل نظام مصر لعب دور الوسيط لأجل لملمة أطراف الوحدة الفلسطينية، بغية دفعها قدمًا في مسار تسويةٍ يعرّف نتنياهو حدودها الاختزاليّة، فيما هو يحلّ ضيفًا على مناسبات النظام نفسه، احتفالا بثورة هي أبعد ما يمكن عنه!
لقد غنّينا، لا نزال، وسنبقى، مع الشيخ إمام: "شرّفت يا نكسون بابا.."، وسخِرنا رغم الألم من سلوك النظام الرسمي العربية.. وسنظلّ نردّد الأغنية بأجهر الحناجر، ليس لقيمتها الخالدة فقط، بل لأنها لا تزال تحرّضنا على مقاومة هذا الواقع العربي الرسميّ القاتم، والتشبّث بخيوط المستقبل. فالنّصر سيظلّ لنا، للشعوب، رغمًا عن أنف كلّ شيء.
