تملق الطائفية

single

لم يكن الدين والتدين غريبين عن مجتمعنا، فدائماً كانت الحميمية الدينية دفيئة ظللت مجتمعنا، يأوي إليها الفرد ليضبط علاقته مع الخالق دون أن تتحول هذه العلاقة إلى مفاعل ينتج شحنات تؤدي الى تقطيع أوصال النسيج الاجتماعي الذي يجمع هذا الفرد بباقي أفراد مجتمعه.
ليس التدين ما يعنينا هنا، بل ما اعترى هذه الحالة من تداعيات حوَّلت ما هو طبيعي ومحمود إلى ظاهرة دخيلة ومذمومة، فالتدين أمسى "تطيفاً" وتعصباً لطائفة أعلي شأنها واعتلى الانتماء إليها قائمة انتساب هذا الفرد، فقبل أن يكون عربيا ً وفلسطينياً هو مسيحي، مسلم ودرزي وبهذا المعنى أرى أن مجتمعنا أصيب بداء عضال إن أهملناه لن يبقي عقلاً ولا جسماً سليمين.
أكتب عما نعيشه في حالتنا اليومية، في مواقعنا، حاراتنا، مدارسنا، أفراحنا وأتراحنا. هي مشاهدات، انطباعات وتجارب تكفي، برأيي، لغرض مقالة تطمع وتطمح أن تحرك موضوعا ً لطالما خيض، إما برهبة أدت الى تمادي ظاهرة الطائفية واستشراسها، وإما بتردد أتاح للطائفيين إحراز تقدم بعد تقدم وإما بمهادنة شرعنت المحظور وسوغت إنشابه أقواساً تصيب نبالها كل يوم ما حسن في الجسد وما بقي نافعاً في عقل.
الطائفية منتشرة في مجتمعنا وهي ليست عار طائفة واحدة، فكما قلنا تتلبس هذه جميع الطوائف، وإن تفاوتت طرق التعبير عنها وأدوات إنتاجها لدى طائفة عن أخرى، فهي تشكل في النهاية دائرة شيطانية مفرغة، السبب فيها يؤدي الى نتيجة تتحول بدورها الى سبب وهكذا دواليك.
وكي لا ألام من مناضل حق، أو مزايِد مقيت، أو جاهل لا يفهم المقروء أؤكد مرة أخرى، أن إسرائيل ومنذ تأسيسها خططت ورسمت وما زالت تفعل، لتحويلنا وإبقائنا مللاً وطوائف، تحاول تفريقنا لتسود وهي تفعل هذا كما فعلت محاولة نشر سياسة العدمية القومية وتشويه انتمائنا الحقيقي لشعبنا العربي الفلسطيني لقصم عودنا ومحو هويتنا الوطنية والقومية.
هكذا كان الصراع وهكذا جاء تحدينا منذ البدايات، ويبقى السؤال الأهم، لماذا نجحنا، إلى مدى كبير جداً، بإفشال المخطط الإسرائيلي وتغلبنا على سياسة العدمية القومية وأُلنا إلى ما نحن عليه اليوم: أقلية قومية تناضل وتقارع من هذا الموقع والانتماء، وفشلنا بتحجيم أو محاصرة الطائفية وما تفرزه في مجتمعنا مخطرة ً كل منجز تحقق في مضامير وميادين أخرى؟
فالسؤال إذاً ليس إذا كانت إسرائيل معنية أو تقبع وراء هذا الحدث أو ذاك؟ بل لماذا تنجح إسرائيل، إن افترضتم أنها موجودة وراء كل حركة سوء ومكيدة، ونفشل نحن بوأد هذه الظاهرة؟
من سيكتفي بإحالة الأسباب وركنها على عنصرية إسرائيل ومخططاتها ويريد ان يقنعنا أن سمها سم زعاف لا مصلَ له ولا مضاد، فله أن يقتنع بذلك ولنا أن لا نقتنع ولا نقنع، وعلينا أن نفتش عن أسباب فينا، إهمالها أدى الى فقدان حصانتنا، أمام أنياب تنفث سمَّ الطائفية وترمينا بدائها ولا تنسل.
إن غياب فرص ممارسة الإنتماء الوطني والقومي من قبلنا كأقلية قومية في دولة تستعدينا منهجياً وفكراً واستحالة هذه الممارسة الفعلية في الحالة الفلسطينية القائمة وضمور أفق التحاقنا بحالة عربية أشمل وأرقى، تعاني هي من وهن قاتل وتشرذم مهين، يعيق حقيقية تكريس ما نجحت هذه الاقلية بإنجازه وممارسته في الحياة الاجتماعية أيضاً.
إن أضفنا إلى تعقيد هذه الحالة جملة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية وغياب دور قيادة سياسية موحدة فيما تراه لمستقبلنا من أفق وحل واجب وممكن، نستطيع أن نفهم لماذا تتحول الطائفية الى بديل وملجأ، اللجوء إليها أمسى هرولة.
إلى ذلك، اعتقد أن تسييس الدين واقحامه في ميادين السياسة الداخلية للجماهير العربية في البلاد، من جهة، والتملق والمهادنة من قبل من كان يفترض ان يتصدى وينبه لما يميز الدين والتدين عن الطائفية والتطيف من جهة أخرى، ساعد على انتشار هذه الظاهرة وتحولها الى شبح يقض مضاجعنا في كل قرية، حي، مدرسة وشارع.
لقد تقدمت "طلائع" الطائفيين وغزت كل موقع وبقعة أخلاها طلائعيو الفكر والثقافة وحملة مشعل الحرية والتنوير، فعلى قدر مهادنة هؤلاء وريائهم، هكذا أحرز الطائفيون فوزهم.
إننا بصدد عملية بطيئة تتفاعل منذ أكثر من عقدين تحول فيها الطائفي الى ضابط إيقاع القيم السائدة في مجتمعنا والى مسيِّر عقول أعضاء هذا المجتمع، فارزاً ذوات تنتمي أولاً إلى الطائفة وتأتمر بمن يقف في مقدمتها وبما يفصله نائباً عن الله وأنبيائه على الأرض. كلما انتصبت قامة هؤلاء واشتد عودهم هكذا تزداد قوة جذبهم وما يسمى بالمصطلح العامي الدارج "ضغطهم الاجتماعي" الذي يوظف من قبلهم ومن خلال تنظيم يعمل بدراية، دراسة واستهداف وكذلك آليات يلائمونها للغني والفقير على حد سواء.
فلولا هذا التملق والمهادنة لما صمت المثقفون والطلائعيون والمتنورون عن صرخة من فتاة أو كاتبة تستصرخ ظلم مجتمع يهينها، يخيفها ويهدد حياتها، بعدما أعمل اظافره في سمعتها، لا لسبب بل لأنها تعيش كما يأمرها عقلها باحترام وحياء ووفقاً لما تتيحه حريتها التي لا تمس حرية الآخرين.
ولولا هذه المهادنة ما كنا لنحضر عرس صديق يمارس علمانيته بدون تدين ويمارس تنوره تنظيرا ً وفعلا ً ولا يجرؤ، احتراماً "للأجواء القائمة في القرية" أن يقيم حفلا ً كما أراد وحلم ويضطرنا إلى قضاء ليلة نأكل ونشرب بالتورية والكناية!
ولولا هذا التملق والرياء لما تفاخر علماني أو حتى ملحد، يعيش ويتصرف بوعي كهذا، على انه يذهب للصلاة في كنيسة او جامع أو خلوه لا لأنه يؤمن بهذه الصلاة بل لان ذلك من دواعي الواجب الاجتماعي المقبول ويتحول هذا  إلى مفخرة من حزبه ليستعرض على أنه تكتيك صائب.
ولولا هذه المهادنة والرياء لما قبلنا ان يتزعم أحيانا في قرانا جاهة تتدخل في حل اشكال او قضية بعض من دعاة الطائفية والذين مارسوا ساعة قبل وصول هذه الجاهة ومن خلال مواقعهم، دعواتهم التي تجند اتباعهم ضد اخوانهم وهؤلاء من دين غير دينهم.
ولولا هذه المهادنة والرياء لما تراجع واستسلم طلائعيو، متنورو ومثقفو قرية، مختلطة الأديان أو أحاديته، أمام ضغط الحالة الاجتماعية المستجدة لتصبح هذه القرية نظيفة من المشروبات الروحية، فلا يجرؤ أي صاحب دكان على بيعها في محله لمن يقرر شراءها بقراره الحر، مما يضطر شباب هذه البلده الى ارتياد اماكن قريبة وبعيدة تتيح لهم هذا الشراب فيفعلون ذلك كاللصوص ينهون فعلتهم على عجل ولطالما صادفتهم المتاعب هناك في أماكن غريبة عليهم وهم أغراب فيها.
أقول هذا وأؤكد ان التدين حق وأن شئتم لدى البعض هو واجب، وهذا لا يضيرني، إنما أن يتحول هذا الى "تطيف" و "تشيع" وانتماء يفتدى ويعلو على كل انتماء فهنا تكمن المشكلة، وحرية العقيدة حق ولكن ان تتحول هذه الى مدعاة قسر وترهيب فهذا شأن آخر. 

 

كفرياسيف

قد يهمّكم أيضا..
featured

وداعًا يا صقر فلسطين

featured

للاخلاص وجهان

featured

نتنياهو قوي.. الخطر أقوى!

featured

في صلب انتخابات المجالس المحلية القادمة: المطلوب تسييس وتحزيب التنافس، وتقليل وتهميش دور الفرد والعائلة

featured

محاكم التفتيش الصهيونية