بعد كتاب ايلان بابه"التطير العرقي في فلسطين"والذي عرى به اسرائيل والحركة الصهيونية وايديولوجيتها العنصرية,حول دورها الاجرامي في طرد الشعب الفلسطيني من ارضه وبلاده,والمجازر التي لا تحصى جراء ذلك,قرأت كتاب نوغا كادمان "على جانبي الطريق وهامش الوعي"—בצדי הדרך ובשולי התודעה –الصادر عن دار النشر "نوفمبر م .ض ." 2008 –القدس ,والذي تشرح به بالتفصيل عن محاولة اسرائيل والحركة الصهيونية بكل اذرعها تزوير التاريخ ومحو الذاكرة الفلسطينية ,عن طريق محو آثار فلسطين وجوديا وتغيير واقعها التاريخي والجغرافي وحتى الوجداني لتثبت ان "الارض النا والبلاد بلادنا".
يقول بروفسور اورن يفتاحئيل –من جامعة بن غوريون في النقب:"يتعرض الكتاب الى محو القرى المفرغة ودفعها الى هامش النقاش والوعي الاسرائيلي فضلا عن اخفائها من الطبيعة. الامر تم بواسطة محو او عبرنة اسماء القرى,ازالتها وطمس هويتها في الخارطة,تجاهل سبب تهجيرها في اوراق المعلومات في المواقع السياحية ,قبول مصادرة القرى لاقامة مستوطنات يهودية عليها ." ويتابع القول:"يشير الكتاب الى ايديولوجيية التهويد التي هي اساس عملية المحو –هذه الايديولوجيا العروفة نتائجها في الواقع السكاني والوجودي في وعي مواطنيها ." ويقول البروفسور ايضا:"ان اعادة القرى المفرغة الى وعي الاسرائيليين مهمة وضرورية للتعاطي الحقيقي مع جذور النزاع في الحاضر ولرسم طريق المصالحة مستقبلا....ان بحث كادمان هو طلائعي ومهم ,يبحث في ظاهرة جغرافية سياسية ونفسية التي تضيء على الاجهزة التي بواسطتها تم محو وجود عرقي وبدلتها بآخر, هذا البحث يضاف الى عدد صغير من الابحاث الهادفة الى ازالة قناع الانكار اليومي لطرد الفلسطينيين.
الكتاب المذكور هو اطروحة اعدتها الكاتبة ونالت عليها اللقب الثاني في مجال علم السلام والتطور من جامعة غوطبورغ السويدية.
ولدت الكاتبة سنة 1969 في القدس وترعرعت فيها ,وعملت لسنوت طوال في مجالات حقوق الانسان والصراع الفلسطيني الاسرائيلي .
يقع الكتاب في 175 صفحة من الحجم المتوسط ,ويضم خمسة ابواب فضلا عن المقدمة والمصادر وثلاثة ملاحق تضم خرائط وقوائم باسماء القرى الفلسطينية المفرغة ,واخرى تضم اسماء رسمية اعطيت للقرى من قبل لجنة التسميات الحكومية. .
اما الابواب فهي:
1-تفريغ القرى ,تدميرها واقامة مستوطنات يهودية مكانها.
ويضم هذا الباب عددا من القضايا الهامة:--تكون قضية اللاجئين الفلسطينيين
مصادرة املاك اللاجئين
اقامة مستوطنات يهودية
تدمير القرى العربية
بقايا القرى بعد مرورعشرات السنين
2—هوية قومية, صراع قومي ,الحيز الوجودي والذاكرة ويشمل:
الحيز والذاكرة في الايديولوجيا والتنفيذ الصهيونية
اقامة مستوطنات زراعية
زراعة الغابات والتحريج
المحافظة على الطبيعة
المحافظة على التراث والمواقع التاريخية
معرفة البلاد
3--- تسمية مواقع القرى وخرائطها ويشمل :
-التسمية والخرائط في اسرائيل
-تحديد اسماء رسمية للقرى المفرغة او بالقرب منها .
---النشاطات الاعلامية لمحو الاسماء العربية وتثبيت العبرية,
---خرائط القرى العربية المفرغة .
4......قرى مفرغة في مواقع طبيعية واستجمام ويشمل:
--معلومات عن القرى وسكانها
--ذكر قرى مفرغة في تسلسلها التاريخي
---القرية كجزء من الطبيعة
---حرب 1948 وتفريغ القرى
5—النقاش الداخلي في المستوطنات التي اقيمت على انقاض القرى ويشمل:
---اسلوب ذكر القرية العربية,تاريخها وتفريغها.
---نقل ملكية القرى للمستوطنات اليهودية
---تهويد القرية,تغيير المنظر العام,وازدهار الفراغ .
--التطرق الى السكان الاصليين
---التخبط على ضوءالسكن في قرية مفرغة.
تعتمد الكاتبة البحث الاكاديمي,وتضعنا في العديد من الاحداث التاريخية من وجهة نظر واقعية,لا تنحاز الى هويتها القومية او السياسية ,بل كباحثة اكاديمية تنقل الواقع الذي رأته اثناء تجوالها في طول البلاد وعرضها ,معتمدة على عدة مصادر اكاديمية وارشيف الجيش والدولة وخبراء في هذا المجال وبروتوكولات حكومية وتصريحات لكبار قادة الدولة والمشروع الصهيوني في هذا الاطار.
تقول الكاتبة في مقدمتها:" اثناء طفولتي في القدس شاركت عدة مرات في جولات من قبل المدرسة ومنظمات شبابية الى لفتا, القرية العربية الفارغة والمدمر نصفها والواقعة بجانب المدينة ,حيث تتدفق المياه من نبعها الى بركة صغيرة.من هذه الزيارات بقي لي الانطباع الضبابي ان لفتا –هذا المكان القديم-اهميته تكمن في كونه "خربة"ومنذ الازل كان فارغا مخفيا جميلا ويهدد نوعا ما الهدوء والفراغ الذي فيه وبين ازقة بيوته وجدرانه. عندما كبرت عملت لعدة سنوات في منظمة بتسيلم .في هذه السنوات عملت على توثيق انتهاك حقوق الانسان الفلسطيني في الاراضي التي احتلتها اسرائيل سنة1967 . هكذا تعرفت على النزاع الذي لم اكن اعرفه من قبل .فهمت ان العديد من سكان المناطق يعانون اليوم من الحدود التي انشأتها اسرائيل ,اضاعوا عالمهم ,وان الفلسطينيين في لبنان ليسوا مجرد فئة عرقية في شمال بلادنا بل انهم لاجؤن عاشوا هنا حتى انتصار اسرائيل سنة 1948. ان لفتا ليست مجرد خربة قديمة بل بيت منه طرد ناس ,اولاد وعائلات ."
تقول الكاتبة: "مواليد سنوات الخمسين وابناء جيلي ,لا يزالون يحملون معهم بقايا ذكريات لقرى فلسطينية دمرتها اسرائيل ,خاصة في المناطق التي زرتها صبح مساء ,وربما زرنا "خرائب"لقرى مدمرة كان لها اسماء ,واحيانا بقايا شوارع وبقايا بساتين ومزروعات وسناسل وحقول ....... ولكن للاجيال الجديدة وخاصة المهاجرة في العقود الاخيرة لا يمت ذلك بصلة." وتستطرد القول :"الامر ليس صدفة طبعا ,اعمال المحو منذ عقود عدة على يد اجهزة الدولة ,والذين يريدون ان ينسى ذكر المجتمع العربي الفلسطيني والذي كان في البلاد حتى سنة 1948 ,ولتنسى ايضا المأساة التي جلبتها الصهيونية على هذا الشعب .التناسي او النسيان المقصود, العنف والطرد,الهرب وتدمير القرى يبدو واضحا في كل الادبيات,كتب التعليم,التاريخ,النقاش السياسي في وسائل الاعلام,الخرائط الرسمية ,اسماء المستوطنات , الشوارع ومفترقات الطرق,فلسطين الموجودة تحت اسرائيل تذهب وتمحى من الكيان والكلام الاسرائيلي,بقايا ما هو عربي في اسرائيل يفهم باعين الاكثرية انها قرى لعرب اسرائيل –مثل الجزر دون اية صلة بالحيز الفلسطيني الذي كان قائما حتى 1948."
في الباب الاول من الكتاب تتوسع الكاتبة باسهاب حول طرد الفلسطينيين من قراهم ,
وتعتمد على الكثير من المصادر الاسرائيلية نفسها وتصريحات مسؤوليها ,وتكرر اسماء بن غوريون ويوسي فايس –رئيس قسم الصندوق القومي الاسرائيلي -,وتنقلنا الكاتبة من موقع مذبحة الى اخرى ,دير ياسين ,الطنطورة,عين الزيتون ,بلد الشيخ,
"احتلت القرى واحدة تلو الاخرى,وحين توقف القتال في قريةمعينة بادرت القوات المحتلة الى طرد الناس الباقبن في تلك القرية .في عدد من القرى الواقعة على طرقات هامة –القدس مثلا- نفذت الهاغاناه طرد مبرمج"."في جلسة الحكومة في حزيران 1948 اعرب رئيس الحكومة بن غوريون ووزير الخارجية موشي شرتوك معارضتهما للسماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى اسرائيل,قال بن غوريون انا اؤكد منع عودتهم - انا من اجل ألا يعودوا حتى بعد الحرب.اما شرتوك فقال:هذه سياستنا وهم لن يعودوا.: (ص.19)
هذا الباب مليىء بالتفاصيل ,اسماء القرى والمجازر واساليب الطرد والقتل ,مجزرة الدوايمة, سعسع,الصفصاف,الصالحة.ثم تنتقل الكاتبة الى تقييم الاضرار المادية من بيوت ومزارع ومواشي ثم انشاء المؤسسات الجديدة مثل دائرة اراضي اسرائيل سنة1961 .واستعمال انظمة الطوارىء البريطانية واقرار قانون املاك الغائبين سنة 1950 .
هناك باب آخر خاص عن تدمير القرى المفرغةلاسباب عسكرية واستراتيجية منها 90 قرية في شمال البلاد في ايار 1948 و50 قرية في الجليل الشرقي. وهدم لاسباب سياسية باوامر من بن غوريون,وهدم من اجل اقامة مستوطنات يهودية ,وهدم من اجل "تنظيف الطبيعة" (ايلان بابه اقتبس عن بن غوريون كلمة تطهير او تنظيف –טיהור -) هناك قائمة باسماء 131قرية يجب "مسحها" (تسويتها بالارض- יישור) مثل لوبيا, صفوري,زكريا,تل الصافي,الخيرية .
في باب آخر تكتب عن الصراع القومي وتبديل الاسماء وتغيير الملامح وتزوير الخرائط او وضع خرائط جديدة ,تتلائم مع رؤية صانعيها .....وتقتبس جزءا من خطاب حايم وايزمان سنة 1914"هناك ارض وصدفة ارض اسرائيل اسمها ,ولا شعب لهذه الارض ومقابل ذلك يوجد الشعب اليهودي وليس له ارض ,وما ينقص هو إقران هذا الشعب بهذه الارض" (ص, 37)
وعن التهويد واللعب على الذاكرة والنزعة الايديولوجية المستترة وراء هذه الجرائم. ثم اتهام الضحية وإنكار الجريمة واخفاء بعض "الجوانب المظلمة" ثم المحاولات المتكررة لاثبات ملكية الارض لليهود وتجاهل العرب في الجليل ثم التهويد وإخفاء المعالم وإدخال باقي المؤسسات فهذا الاطار "التثقيفي والتعليمي" مثل سلطة الآثار وجمعية حماية الطبيعة ووزارة البيئة والصندوق القومي الاسرائيلي ,والتأكيد على الحق التاريخي لليهود وإبراز الكنس اليهودية وتدمير ما لا يصلح لليهود وثم تقزيم التاريخ الفلسطيني . وكل ذلك بهدف المحو والوجود والذاكرة .
وعن تسمية المواقع والقرى المفرغة ,هناك باب كامل ومفصل حول عبرنة الاسماء والخرائط ,وتقتبس عن بن غوريون في لجنة النقب يوم 20/10/1949
قوله:"علينا ابعاد الاسماء العربية لاسباب سياسية ,فمثلما لا نعترف بملكية العرب السياسية في البلاد ,هكذا لا نعترف بملكيتهم الروحانية واسمائهم" . ثم اضافة الاسماء التوراتية وكذلك الاسماء التاريخية اليهودية لزيادة الترابط بين المهاجرين والارض الغريبة عنهم. (ص .53)
اذن فان تجاهل الاسماء الاصلية للقرى وتسمية مواقع باسماء لا تمت لها بصلة جاءت في اطار طمس الهوية والتاريخ والناس وتزوير الواقع .835 قرية سجلت رسميا انها"خربة",302 قرية لم تسمى رسميا في اسرائيل.واسماءاستبدلت باخرى مشابه لها مثلا المستوطنات פרוד
כסלון-ספסופה اخذت الاسماء القريبة منها فراضية,كسلا,والصفصاف.اما قرية دير القاسي فاصبحت الكوش على اسم مكان ولادة ناحوم الكوشي ,والذي تتضارب المعلومات بشأن هذا المكان- حسب ميرون بنبنشتي- فربما في سوريا او لبنان او اي مكان آخر.....
الصنوق القومي الاسرائيلي –المسؤول عن اراضي الدولة-يركز في منشوراته على اسماء قرى اعتبرها معادية ,حيث جرت مواجهات مع القوات اليهودية,خلال حرب1948 مثلا:"في حرش لافي كانت القرية العربية لوبيا,اثناء حرب الاستقلال
لم يوفر سكان القرية اية فرصة لضرب المواصلات اليهودية, وانزلوا الخوف على كل سكان الجليل الاسفل " .
" القرى المصنفة –معادية- في نشرات هذا الصندوق هي قرى عربية, وتقول الكاتبة:" وهكذا ابتدع الصنوق معادلة بين هوية قومية عربية والتصرف بعنف وبين مقاومة عنيفة للتسط اليهودي " .
وهذا ليس آخر المطاف .
ان لهذا الكتاب – الدراسة – اهمية كبرى ,كونه من كاتبة يهودية معتمدة على المصادر الاسرائيلية اساسا وتحاول اظهار الحقيقة وسرد الرواية المناقضة للرواية الاسرائيلية الرسمية .
عليه ممكن فهم ملاحقة السلطة بكل اذرعها للاكاديميين اليهود التقدميين .والكتاب جدير بالقراءة والترجمة والتعامل معه ,مثل كتاب ايلان بابه –التطهير العرقي في فلسطين.
معليا
