ميدان التحرير: الدين لله والوطن للجميع
*اللبنانيون أيضًا قادرون على سماع هدير الوطن من ميدان التحرير.. وهناك تموت الطوائف وتحيا الحرية*
منذ أسابيع قليلة كانت سماء الشرق ملبدة بغيوم الحروب الأهلية ورائحة الهواء سديمية خانقة بأنفاس الغوغاء والطوائف، وانطلق الصحابة وآل البيت من قبورهم ومثاويهم ومراقدهم يقتتلون من جديد ويجروننا الى الفتنة ونهض المسيح من كنائس العراق وكنائس مصر باكيا مما أصابه من جراح ومتفجرات فوق جراح الصلب... كان الشرق يهتز بشعارات اسقاط المشاريع الفارسية والتشيع والثورة ضد المسيحيين لتهجيرهم، وكانت رائحة الدم والفتنة واليأس في كل مكان وأصوات الدعاة والغاضبين لطوائفهم تصم آذاننا وتسبب تلوثا سمعيا ونفسيا وأخلاقيا لا قبل لنا به.. لا أنكر أننا في هذه الأجواء سقطنا في اليأس والشعور بالعبثية واللا جدوائية... كمن يتابع مشهدا في مسرح اللا معقول والجنون.
وفجأة امتلأت شوارع تونس وبعدها مصر بأصوات الحرية ولحن العدالة وعزف الكرامة الانسانية، ووجدنا أنفسنا فجأة أمام ضباط أحرار مدنيين شبان.. وسمعنا لغة لم نعهدها الا في بيانات الحكومات الكاذبة والمنافقة عن المساواة والاخاء، وعن شيء قديم جدا نسيناه اسمه 'الوطن'.. و 'رفعة الوطن'..انقشعت السماء وظهرت زرقة سماء البحر الأبيض المتوسط الرائعة وتراجعت غيوم العفن والشقاق وظهر الوطن نقيا صافيا في أبهى حلله ورأينا 'قلبه' ينبض هناك في ميدان التحرير في مصر ..وسمعنا أصوات من راحوا من عظمائنا في اصوات شبان صغار وفي غصة واجهاش وائل غنيم حسرة على أبطاله اليافعين وقادة ثورته الشهداء الميامين.. ما يذهلنا أن كل مافعلته أنظمة القبح العربي لتقبيح أجيال من شبابنا ومسخهم وحقنهم بالفضائيات الخليعة والصور والأغاني الخليعة والجنس بكل أشكاله وبالعنف الطائفي وبالشحن المذهبي ذهب أدراج الرياح وضاعت كل تلك الجهود لتحرير الشذوذ الفكري والأخلاقي واطلاق جنون الحروب الأهلية والفتن الطائفية...وظهر علينا جيل واسع من العمالقة والكبار والفرسان في شوارع تونس ومصر...كيف حدث أن كل هذا المال المنفق على اعلام الطوائف والكراهية لاهلاك شبابنا أنتج هؤلاء الثوار الذين أخجلونا جميعا من تواضع علمنا وثوريتنا وأحزابنا المترهلة والتي تمشي على الكراسي المتحركة، وهم يمسكون الأمة كما الأنبياء ويكسرون الأصنام واللات والعزى وهبل في فضائيات العار، والذين أمسكوا بأيدي الصحابة وآل البيت وأمسكوا بيد المسيح وأعادوهم جميعا الى مراقدهم ومثاويهم باحترام واجلال وأقفلوا عليهم بأقفال المحبة الوطنية. كم نحس بالذل وهؤلاء الشباب يسيرون في العاصفة فيما بقينا مختبئين خائفين تحت شراشفنا خوفا من الريح وعوائها.. كم نحس بالهوان وقد تقيؤوا الخوف الذي أرضعناه لهم.
تونس التي كانت على مدى عهد بن علي مستحاثة سياسية وقومية بلا طعم ولا لون ولا رائحة وتتعامل ببرود سيبيري مع قضايا الأمة فاذا بها أيقونة للشرف ولؤلؤة حمراء رائعة للثورة وجوهرة من جواهر البحر الأبيض المتوسط الزرقاء...وغدت هذه التونس استاذة من أساتذة الحرية في العالم بعد أن كانت رمزا للخضوع والخنوع.
ومصر التي بناها هنري كيسنجر كل شبر بندر وروتها مربيتها كامب ديفيد بكل ما ينفر من العروبة والثوار فاذا بها ترتدي ثياب الثوار ويجلس هنري كيسنجر مذهولا ويتابعها ليتتلمذ على يد أساتذتها الشبان الأبطال في ميدان التحرير حول فن التغيير الثوري بينما يتأمل فوكوياما نظرية نهاية التاريخ بقلق وهي تتصدع والتي حولها شعب مصر الى قربة ماء مليئة بالثقوب.
هواء الشرق نظيف جدا هذه الأيام ونقي جدا وصحي جدا ويستحق أن يتنشقه أحدنا كالعطر.. وان قلنا اننا نعيش هذه الأيام في زجاجة عطر فاننا نظلم هذا الشرق ولا نظلم زجاجة العطر كما يقول نزار قباني..لان دم الشهداء قد نقى هذا السديم وعطره. فلتسقل المذيعات الحلوات في فضائيات الهشك بشك فليس لهن من جمهور في زمن ميادين التحرير وثوار تونس ورفاق وائل غنيم .. وقد تبين لنا أن جمهور فضائيات الخلاعة والفساد مكون فقط من سكان القصور الرئاسية والفاسدين واللصوص الحكوميين.
لا أنكر أنني لاأزال غير مصدق نفسي وكأنني في حلم، أو بعد كل هذا الانكسار والحطام في شرقنا وأرواحنا ينهض هذا الأمل العظيم؟ هل سنكون أحرارا بعد طول عبودية؟ هل سنعيد الطوائف للتاريخ الذي تسللت منه الينا؟ منذ أيام قليلة كنا نتابع استعدادات الطوائف للتراشق بالرصاص والموت وخطب الكراهية وتبادل القتلة .. وكنا نتابع استعداد اسرائيل العلني والوقح لضرب ايران وحزب الله وحماس ولتهجير الفلسطينيين الباقين، فيما يحضر لها عملاؤها القرابين البشرية على مذابح الفتن .. واليوم نتابع استعدادات الأحرار لتوليد الحرية من رحم القمع وعذابات غرف التحقيق واليوم أيضا تبدو اسرائيل كما بدأت أول خلقها .. محـــاطة بطوق تركي ايراني عربي ينتـظر ضلعه الرابع في مصر ليطبق الحصار عليها، والـيوم تبدو غزة المحرومة اليتيمة الأم وقد أفـاقــت أمها وتبحث عن ثديها لتلقمها...
كم كانت هذه الأنظمة قاسية علينا عندما كانت تحضرنا لحفلات الشواء في الحروب الأهلية العبثية التي لم تكن أصيلة بدليل ان نعيق الناعقين في كل الطوائف قد اختفى بعد أن علا صوت (الشعب يريد اسقاط الرئيس) ونداء (باطل.. باطل). هل سيكون للقرار الظني بجريمة اغتيال الحريري فعله بعد اليوم بعد أن كنس ثوار تونس وميدان الحرير قذارات الطوائف وقاذورات السياسة؟ ...بل هل سيبقى من معنى للمحكمة الدولية بعد أن انزوى رعاتها في قيادة الحزب الوطني الحاكم في مصر؟ ..فمن سيستقبل سمير جعجع الذي يتحرك كولي للدم وكأن اسمه سمير الحريري؟ وكيف سيحرك الحريري شارعه السني اليوم على أنغام التمدد الشيعي فيما أهل طرابلس وصيدا وبيروت يرون ما لم يروه منذ زمن بعيد ويسمعون مالم يرد لهم أن يسمعوا من ميدان التحرير حيث المسيحيون يحرسون صلوات المسلمين ...وسنة لبنان لا يريدون أن يكونوا صغارا في شوارع الحرية وهم قادرون على سماع هدير الوطن من ميدان التحرير.. وهناك تموت الطوائف وتحيا الحرية.
* كاتب سوري
